الفصل 1707: وحشٌ شنيعٌ يتخفى في جلد بشري
طرحتْهُ أرضاً ودفعتْ ظهره بقوة نحو الجدار خلفها ، مستخدمةً كل ما كانت تضخه قدرة [الجوع الأبدي] في عضلاتها. ارتطم ظهره بالحجر المتصدع ، فارتفعت صرخته حدةً ، بينما تسمرت عيناها على "شيوري " في الجهة المقابلة من الزنزانة ، وهي تبصق أصابعه المقطوعة على الأرض بينهما.
ثم ضغطت بجسدها إلى الخلف ، حاشرةً القزم بين جسدها والجدار. حيث زادت شقوق الحجر خلفه ، وبدأ اضطرابه يضعف شيئاً فشيئاً وتتلاشى قوته حتى خمدت تلك الأصوات تماماً ، وتوقف الكائن المحشور بين "الناب الأسود " والجدار عن الحراك.
كانت "الناب الأسود " معلقةً بالأغلال تلهث ، ودماءٌ قرمزية تنزف من أنفها لتستقر في فمها ، وتمتزج دماء القزم بدمائها على أسنانها. ومع ذلك ظلت مقيدة.
"مـ... ما أنتِ... " لم تتحرك "شيوري " من مكانها.
كانت يداها ترتجفان على جانبيها ، وأصابعها تنقبض وتنبسط دون إرادتها ، وقد صار تنفسها ضحلاً لدرجة أن الجنود الواقفين على جانبي الباب باتوا يسمعونه. ظلت عينا "الناب الأسود " تحدقان فيها عبر ضباب الدم ، ففقدت "شيوري " تماسكها.
"توقفي عن التحديق بي! " انطلقت الصرخة من حنجرتها قبل أن تتمكن من صياغتها بأسلوب مهني. "أيتها الوحش الشنيع المتخفي في جلد بشر توقفي عن النظر إليّ هكذا! "
رفعت يدها لتصفع ذلك الوجه وتكسر صموده ، لكن عيني "الناب الأسود " بدأتا تلاحقان الكف القادم. سحبت "شيوري " يدها بسرعة كبيرة جعلتها تتعثر ، وضمتها إلى صدرها وكأنها قد تعرضت للعض بالفعل ، وكان الصوت الذي أفلت منها أقرب إلى النحيب منه إلى أي شيء قد تعترف به.
"يا أمنا المقدسة! أنتِ بلا شك أكثر امرأة لا تُقهر رأيتها في حياتي! " تنفست "ميراسين " من جانبها ، وعيناها متسعتان ، وقد نسيت قيودها. ثم انفرجت شفتاها عن ابتسامة فوق وجهها المتورم ، وبدأت تتأرجح وهي مقيدة "هيا ، هيا ، أيتها الناب الأسود! هيا ، هيا! " غنتها بصوتٍ مشرق ومبهج ، وحمل صوتها الأجش إيقاع الهتافات الجماهيرية داخل زنزانة لم تسمع يوماً ما يشبه الفرح.
تحول ارتعاش يدي "شيوري " إلى قبضتين ، وكان الغضب الذي حل محل الخوف أسوأ ؛ لأنه كان غضب اليائس. عدّلت معطفها ، ومسحت العرق عن شفتها العليا ، ثم صفقت مرتين "أرسلوا آخر للداخل ، وهذه المرة أحكموا إمساكها ".
تدفق نخبة "فوجيموري " أتباع "شيوري " عبر الباب ، فأمسك أربعة منهم بساقي "الناب الأسود وجذعها ، بينما تقدم مهندس قزم جديد نحو الطوق ، وهو يبتلع ريقه بصعوبة. أصابت ركبتها صدر الجندي الأول بضربة قوية أسمعت صوت تهشم عظامه وأسقطته أرضاً ، وفي اللحظة التي لمست فيها يدا المهندس المعدن ، تلوت "الناب الأسود " بقوة تكفى لقذف أحدهم بعيداً عبر الزنزانة.
جاء المزيد. قاتلت "الناب الأسود " كلاً منهم ، وهي مقيدة إلى جدار والدم ينزف من مواضع استهلاك [الجوع الأبدي] للشعيرات الدموية تحت جلدها.
"كيف ما زال لديها كل هذا القدر من الطاقة ؟ " سرت قشعريرة في جسد "شيوري " بالكامل.
انفتح الباب خلف "شيوري ".
تفرغت قدرة [الجوع الأبدي] داخل صدر "الناب الأسود " قبل أن تدرك حواسها الشكل الواقف عند المدخل.
كانت التعويذة تصرخ منذ ساعات ، تنهش الجنود والمهندسين والأقزام بجوعٍ لا يبقي ولا يذر ، لكن ما أصابها الآن كان يتجاوز ذلك بمراحل ، ليعيد صياغة المقياس بالكامل. التهبت كل أعصابها بقوة سحب عنيفة جعلت عمودها الفقري يتقوس ضد الجدار ، والتوت معصماها داخل الأغلال بقسوة أعادت فتح جروحٍ كانت قد بدأت تلتئم للتو ، وانطلق الجوع الذي كان ينهش جسدها نحو الباب بكثافة جعلت أطراف رؤيتها تغرق في السواد.
"جيد ، نحن بحاجة للمزيد من أمثالك. " لم تلتفت "شيوري " وظلت عيناها على المخلوق البشع الموثق بالأغلال. "هذه الأفعى أكثر مقاومة مما كنت أظن. "
"أهذا ما تظنين ؟ "
كان الصوت عميقاً وهادئاً ، وجاء مباشرة من خلف رأس الجلادة.
تصلب عمود "شيوري " الفقري ، وعبر رؤيتها التي كانت تضطرب مع كل نبضة قلب ، رأت "الناب الأسود " يد الرجل تطبق على حنجرتها.
"ماذا- مَن- توقف! أيها الحراس! " رفعها من الأرض بإحدى يديه من عنقها ، وظلت قدماها تتخبطان في الفراغ.
عدّل قبضته مرة واحدة ، وجد الزاوية المناسبة ، ثم لوى عنقها بعنف.
دوّى صوت التهشم في الزنزانة كأنه طلقة مدفع ، وتدلى رأس "شيوري " بزاوية لم تُخلق الأعناق لتميل إليها. تركها تسقط ، فاندفع جسدها للأمام نحو الأغلال ، وبدافع الغريزة المحضة ، التقت ركبة "الناب الأسود " بجمجمتها وهي تهوي ، بكل ما منحتها إياه [الجوع الأبدي].
تغلغل أثر الضربة عبر العظم ، وطار رأس الجلادة عن كتفيها في رذاذ من الأحمر والرمادي لطّخ جدار الزنزانة ، والجسد الذي ارتطم بالأرض بين قدمي "الناب الأسود " كان بلا رأس.
"إنه- "
"يا للمجرم! "
"هنا ؟! "
"اهربوا! "
أفلت الجنود "الناب الأسود " وتراجعوا بذعر ، واندفع المهندسون نحو الباب.
لم يخطُ أحدٌ منهم خطوة واحدة.
شعرت "الناب الأسود " بتغير الهواء قبل أن تستوعب ما تراه. و انطلقت الرياح من كف الرجل الذي بات طليقاً الآن في موجة ضغط مزقت كل الأجساد المعادية في الغرفة دفعة واحدة ؛ فارتفع الجنود والمهندسون عن الأرض في تشابكٍ من الأطراف والصرخات ، بينما ثبتتهم قوة خفية ضد السقف.
"أرجوك- "
"أنا بريء- "
"لدي عائلة- "
قبل أن يتمكنوا من إنهاء توسلاتهم ، جاء البرق.
تدفق من أصابعه الخمسة إلى كتلة الأجساد بالأعلى في قوس متصل حوّل الزنزانة إلى بياض ساطع ، والصوت الذي تلا ذلك كان طقطقة رطبة للحمٍ يُطبخ من الداخل للخارج ، مع تقلص العضلات وتمزقها بينما كان التيار يمزق جسداً تلو الآخر ، متسلسلاً بينهم لأن الرياح أبقتهم متلاصقين بما يكفي لنقل الكهرباء.
ذاب الشحم تحت الدروع ، وانفجرت العيون في محاجرها ، ووصلت رائحة اللحم المحترق إلى أنف "الناب الأسود " قبل أن يبهت الضوء. احتفظ بذلك لثلاث ثوانٍ كاملة ، ثم بدأت كفه المفتوحة تنغلق.
انكمشت الأجساد المثبتة ضد السقف نحو الداخل حين انثنت أصابعه ، وطوى الضغط غير المرئي الأطراف المتفحمة داخل الجذوع ، وانثنت الدروع وتهشمت كالورق ، وتكسرت العظام بالتتابع بينما تقلصت المسافة بين كل جسد حتى تلاشت.
اندفعت الدماء من الكتلة المنهارة في كل اتجاه ، رذاذٌ غطى السقف والجدران والأرض ، وصبغ الزنزانة بمطرٍ أحمر تساقط على وجه "الناب الأسود " المرفوع وسال دافئاً على وجنتيها.
أغلق قبضته.
ما سقط على الأرض لم يعد أجساداً بشرية ، بل كومة رطبة ومضغوطة من اللحم والفولاذ والعظام المتهشمة التي تصاعد منها البخار فوق الحجر البارد ، وكان صوت ارتطامها بالأرض ثقيلاً ونهائياً.
وقف في وسط الزنزانة عاري الصدر ، والدماء تقطر من السقف على كتفيه العاريتين ، وصدره يعلو ويهبط مع أنفاسٍ حملت غضباً كثيفاً جعل الهواء حوله يبدو أثقل.
لم يكن الغضب المتدفق منه استعراضاً أو رسالة ، بل كان غضباً حقيقياً يشع من كل تفصيل في جسده كالحرارة المنبعثة من الفرن ، وشعرت الزنزانة التي بُنيت لكسر البشر بأنها صغيرة جداً أمام حضوره.
بدأ الضباب في رؤية "الناب الأسود " ينجلي ، ووضحت ملامح وجهه حتى استطاعت رؤية تلك العينين العميقتين للرجل الذي قلب حياتها رأساً على عقب بهذه السرعة الغاشمة.
التقى بصره ببصرها عبر الزنزانة وابتسم ، بتعبيرٍ يصعب وصف تعقيده:
"هل اشتقتِ إليّ ؟ "