هذا الموقف الذي اتسم بـودٍ مفرط ترك «فان تشي» نفسه في حالة من الحيرة والوجوم.
قال «فان تشي» "السيد «زو» ، ما الغاية من هذا كله ؟ "
فأجابه «زو جونليانغ» "لقد جئتُ هنا بأمر من جلالة الملك لأرافق الأميرة السابعة في رحلة عودتها إلى موطنها لزيارة ذويها. وفي طريقي ، أعدتُ لك ابنك أيضاً. و آمل ألا يجد كبير عائلة «فان» في زيارتنا هذه اقتحاماً لخصوصيتكم. "
وما إن ذُكرت الأميرة السابعة حتى عرف الجميع فوراً من المَقصود بهذا الاسم. أما عن الشاب المذكور ، فقد ساد صمتٌ قصير قبل أن يستحضر الحاضرون اسم "فان ووبينغ ". غير أن سمعة «فان ووبينغ» في مدينة «كويو» لم تكن مما يُحتفى به.
عندها فقط أدرك «فان تشي» أن «زو جونليانغ» يصحبه شابان يافعان.
قبل عشر سنوات كان «فان ووبينغ» بالكاد يصل طوله إلى خصر أبيه ، أما الآن فقد أضحى يضاهيه في القامة. وعلى الرغم من أن بنيته الجسديه ظلت كما هي إلا أن ملامح وجهه قد نضجت كثيراً ، واكتسب حضوراً فريداً من نوعه ؛ حتى إنه لولا إشارة أحدهم إليه ، لكان من الصعب التعرف عليه.
تقدم «فان ووبينغ» بخطوات واثقة وابتسامة دافئة ، وقال "لقد غبتُ يا أبي سنوات طوالاً ، أرجو أن تصفحوا عني أنتم وأعمامي في العائلة ، وكل الأقارب والأحبة. "
لقد أحسن القول ، مُقراً بفضل كل الأطراف المعنية.
وقف «فان تشي» متجمداً للحظات كانت حدقتا عينيه ترتجفان قليلاً ، وتعابير وجهه تضطرب حتى استرخى عمق تجاعيد وجهه أخيراً. لم يستطع رسم ابتسامة ، لكنه شعر في أعماقه بفيضٍ من المشاعر يعتمل في صدره ، مما جعل وخزاً يسري في أنفه. ربتَ على كتف «فان ووبينغ» قائلاً "أحسنتَ يا بني! لقد أصبحتَ شاباً يافعاً وسيماً! "
التفت «فان ووبينغ» إلى الفتاة وقال "مانمان ، هذا والدي. يا أبي ، هذه زميلتي في الطائفة ، فو مانمان. "
شعرت «فو مانمان» فجأة بالقلق.. ماذا يفعل ؟ لماذا يقدمني بهذه الطريقة ؟ وما الذي يعنيه ذلك ؟ فكل الحاضرين هنا من الأكابر. ألا يجعل هذا الأمر يبدو وكأننا نربط بيننا علاقة عاطفية ؟
لم يكن «فان ووبينغ» يفكر بهذه الطريقة ؛ فقد كان يقدمها بصفتها "زميلة في الطائفة " لا أكثر.
أما «زو جونليانغ» ، فلم يكن فهمه للأعراف الاجتماعية جامداً كفهم «فو مانمان» ، إذ استوعب فوراً نية «فان ووبينغ» ؛ فقد أراد تجنب الانخراط في روابط عائلية غير ضرورية ، رعب أن يتشعب الحديث في أمور العاطفة والنسب. وحدث نفسه قائلاً "يا له من شابٍ داهية. "
أما «فو مانمان» التي طبعت بالخجل فطرياً ، فقد زاد ارتباكها وهي تحت أنظار الجميع ، فالتجأت غريزياً خلف «فان ووبينغ» وهمست "مانمان تُحيي... العم فان. "
العم فان ؟
أظلمت الدنيا في عيني «فان ووبينغ» ، والتفت ليحدق في «فو مانمان» بغضب ، هامساً "ماذا ناديتِه للتو ؟ "
أجابت «فو مانمان» بقلق "لقد.. لقد كنت متوترة ، ولم تخبرني كيف أخاطبه. "
"أنتِ أميرة ، أميرة! كيف لا تعرفين كيف تخاطبين والد صديقك ؟ "
"هل أصحح ما قلته وأكرره ؟ "
شعر «فان ووبينغ» بنظرات الحاضرين المندهشة ، وقال باستسلام "لقد فات الأوان. "
إن لقب "العم " يحمل في طياته دلالة ملتبسة ؛ فلو كان مجرد "السيد " لما عنى الكثير ، فهو مجرد مخاطبة شائعة للأكبر سناً. و لكن إضافة "العم " تشير إلى روابط وثيقة للغاية ، وعادة ما تُخص بها العائلة أو الأقارب المقربون.
وبمناداته بهذا اللقب كانت «فو مانمان» توحي فعلياً بأنها خطيبة غير معلنة لابن عائلة «فان».
حتى «زو جونليانغ» الذي لم تكن له مآرب خفية ، فُوجئ بجرأة «فو مانمان». كان يدرك فطرياً ميل الأميرة الصغيرة لـ «فان ووبينغ» ، لذا كان ينوي تعزيز العلاقات مع عائلة «فان» ، ممهداً الطريق لتطورات مستقبلية محتملة ، لكنه لم يتوقع أبداً هذا الاعتراف الصريح أمام الجميع.
والآن ، وقع المحظور!
وقف «فان تشي» مذهولاً ، لا يعرف كيف يرد ، فنظر إلى «فان ووبينغ» سائلاً "ووبينغ ، ما هذا ؟ "
ابتسم «فان ووبينغ» ابتسامة باهتة ، إذ وجد أنه من غير اللائق انتقاد أميرة لجهلها بالأعراف ، فاضطر لاختلاق عذر واهٍ "إنها لم تستيقظ تماماً من وعيها بعد. "
هذا الكلام... حتى الكلب لا يصدقه.
لقد حدث الكثير دفعة واحدة ، مما جعل رأس «فان تشي» يدور. فلم يكن هو وحده ، بل كان الجميع في حالة من الدوار ، لا سيما ممثلو العائلات الأخرى الذين شعروا بضغط شديد.
فقبل لحظات كانوا يتحدثون عن أن تصرفات «فان ووبينغ» قد أثقلت كاهل عائلة «فان» بأكملها ، فإذا بهم الآن على صلة بالأسرة الملكية ؟
وبحكم كونه لورد العائلة ، قال «فان تشي» بسرعة "فلنتفضل إلى الداخل لنتجاذب أطراف الحديث. " ثم التفت لممثلي العائلات الآخرين قائلاً "أيها السادة ، ليس الوقت مناسباً لمناقشة الأمور اليوم. فلنحدد موعداً لاحقاً لمزيد من النقاش. "
"حسناً... "
كان الجميع في حيرة من أمرهم ؛ لم يتوصلوا إلى أي نتائج ، وبدا الانصراف محرجاً كما كان البقاء غير مناسب.
وبما رآه من ترددهم ، سأل «زو جونليانغ» بابتسامة "ما هي المسائل العالقة ؟ إذا كنتم في حيرة من أمركم ، فربما يمكنكم مشاركتي. بصفتي مساعداً لجلالة الملك في إدارة شؤون الدولة ، قد أستطيع تقديم بعض المشورة. "
سمع الحشد بوضوح نبرة التمييز ؛ فعندما خاطب «فان تشي» ، استخدم «زو جونليانغ» ضمير المتكلم العادي ، أما عندما خاطبهم ، فقد استخدم "بين شيانغ " (كبير الوزراء). حيث كان الموقف واضحاً كالشمس.
أدرك «دونغ شياو» ، ممثل عائلة «دونغ» ، بوضوح أن «زو جونليانغ» ينحاز لعائلة «فان». لم يكن بوسعهم السماح له بالتدخل في مسألة المنجم الروحي ، مهما كانت التبعات. حيث كان عليهم على الأقل الانتظار حتى يغادر قبل اتخاذ أي خطوة ، لذا دعا الجميع للانصراف.
ثم دعا «فان تشي» «زو جونليانغ» إلى غرفة الضيوف لاستضافته بما يليق بمقامه.
واغتنم «فان ووبينغ» هذه الفرصة ليأخذ «فو مانمان» جانباً. و بالنسبة للبالغين ، بدا هذا التصرف كأنه غرام فتي ، فوجدوه أمراً مستمتعاً.
كان قلب «فان تشي» يضطرب بأمواج من المشاعر ؛ فلطالما ظل يراقب "طائفة الخلود الأبدي " عبر السنين بحثاً عن أخبار «فان ووبينغ».
لم تكن الأخبار تبعث على الأمل أبداً ، وكان يساوره القلق الدائم من أن يكون «فان ووبينغ» تعيساً أو يتعرض للمضايقات هناك ، ناهيك عن عدم توقعه إمكانية أن يفلح في الزراعة الروحية. فبالنسبة له كانت مجرد نجاة ابنه نعمة كبرى.
لكن بشكل غير متوقع ، عاد ابنه ومعه أميرة.
عندما يثبت الابن نفسه ، يشعر الأب بالفخر لا محالة. حيث كان «فان تشي» يشع ثقة ، وتوسعت هيبته فوراً. لم يلحظ هو ذلك لكن أعيان العائلة والخدم من حوله أدركوا فوراً أن لورد العائلة في مزاج رائع اليوم.
أصدر «فان ووبينغ» تعليمات صارمة لـ «فو مانمان» "اسمعي ، لا تنبسي ببنت شفة في وقت لاحق! ففي كل مرة تتحدثين فيها ، تتبعكِ المتاعب. "
شعرت «فو مانمان» بالظلم وقالت "لم تشرح لي الأمر بوضوح. "
"ظننتكِ ستفهمين! "
"لقد كنتُ في طائفة الخلود الأبدي منذ كنت في الرابعة من عمري ، ولم أختلط كثيراً بالبشر. أفهم ماذا ؟ "
عجز «فان ووبينغ» عن الرد ، مدركاً أنه كان تقصيراً منه ، ولا يمكنه لوم الأميرة الصغيرة.
تنهد قائلاً "كما هو الحال الآن ، الجميع يعتبرونكِ شريكتي. "
"شريكتي... " شعور غريب سرى في عقل «فو مانمان» ، مما جعلها تشعر بالدوار "إذاً... إذاً ماذا علينا أن نفعل ؟ "
تأمل «فان ووبينغ» الأمر وقال "في نهاية المطاف ، أنا وأنتِ من أهل الزراعة الباحثين عن "الداو ". مثل هذه الأمور لا تعنينا في شيء ، على عكس عامة الناس المقيدين بالطقوس والقواعد. فقط كوني منفتحة العقل. ما حدث قد حدث ؛ فلندع الأمور تجري في مجراها. "
"حسناً... حسناً إذاً. "