تم البدأ بإستخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق على الفصول المنشورة من تاريخ ٣١-١-٢٠٢٦ نتمنى لكم قراءة ممتعة

ون بيس: رابطة الأخوة 558

الفصل 558

الفصل 558: سقوط العاصمة

سقطت العاصمة، ودُست راياتها التي كانت تزدان بفخر الملوك في الوحل. صار الهواء مُثقلاً بالدخان، لا بفعل نيران الاحتفالات، بل جراء احتراق المنازل في فوضى الانهيار. تلك المدينة التي كانت يوماً من الرخام والأبراج، غدت مجرد هيكلٍ خاوٍ، وشوارعها التي اعتادت المواكب الملكية اكتظت الآن باليائسين والمُنكسرين والنازحين.

تدفق آلاف اللاجئين عبر شوارع وحقول المدينة؛ عائلات تحمل صرراً تضم كل ما تبقى لها من حطام الدنيا، أمهات يحتضنّ أطفالاً رُضّعاً نال منهم الوهن فكفّوا عن البكاء، وأطفال يجرون إخوتهم الذين شارفوا على الموت بأيديهم الصغيرة. امتزجت أنات الجوع وصيحات الفجيعة في جوقة جنائزية واحدة علت فوق أرجاء العاصمة المحتلة.

كان زفير يقف بشموخٍ فوق كل شيء، وعباءته ترفرف بخفة مع الريح. أغمض عينيه، ونشر "هاكي الملاحظة" لديه كشبكة تمتد عبر الأرض، فلم يلمس وجدانه نشوة النصر، بل لمس الخراب المحض.

في كل زاوية، شعر بشرارات الإنسانية وهي ترتجف وتخبو: رجال يتصارعون على نصف رغيف خبز، ونساء يُنحين جانباً من أجل إبريق ماء راكد، ومسنّون يُضربون من أجل أحذية بالية بالكاد تتماسك. لم يكن في أفعالهم خبثٌ أو كراهية، بل كان العنف البدائي الخام الناجم عن غريزة البقاء.

ترددت صدى كلمات كريستينا من الليلة السابقة في ذهنه بوضوحٍ قاسٍ: "عندما يسقط العرش، ماذا يتبقى بعد ذلك؟"

نعم، لقد نجح الثوار، وسقطت ملكية أخرى استنزفت دماء شعبها. أُطيح بطاغية آخر من عرشه الذهبي، ولكن بأي ثمن؟ بدت "الحرية" التي رُوّج لها أشبه بالمجاعة، وكأنها محرقةٌ يُساق إليها الشعب ليحترق.

ضم قبضتيه خلف ظهره. لقد كرّس فرصة حياته الثانية للثورة، ولهدم حكومة العالم، وتفكيك كل ركن فاسد قامت عليه؛ كانت تلك هي الخطة الكبرى، الحلم المرسوم عبر البحار والسماء. ولكن بينما كان يتأمل الخراب في الأسفل، لم يستطع إسكات السؤال الذي ينخر في أعماقه: هل سيكون لنصر اليوم أي معنى على الإطلاق؟

همس الجواب في أعماقه، قاسياً ولا يمكن إنكاره: لا.

لم تتحرك حكومة العالم قيد أنملة، ولم يكلفوا أنفسهم عناء إرسال جندي واحد من مشاة البحرية للدفاع عن هذه المملكة؛ فلا سفينة، ولا فرقة، ولا حتى راية واحدة رُفعت باسمها. فبالنسبة لهم، لم يكن "الأزرق الغربي" سوى رقعة من البيادق والعملاء، وإذا سقط بيدق، سيصطف عشرة آخرون ليحلوا محله. طالما أن خزائنهم ممتلئة وسلطتهم لا تُنازع، فلن يكترثوا إن ماتت هذه البلاد جوعاً، أو نزفت دماً، أو احترقت حتى الرماد.

فتح زفير عينيه، وانعكس وهج النيران في أعماقهما. رأى وجوه أطفال نحيلين لدرجة أنهم لا يستطيعون رفع السيوف التي يحملونها، ورأى رجالاً قاتلوا إلى جانبه يساومون ببنادقهم مقابل لقمة خبز. رأى الثوار أنفسهم؛ بعضهم يحتفل، والبعض الآخر يحدق بأعين غائرة في الأرض القاحلة التي خلفها نصرهم.

انقبض فكّه؛ فهذه هي الحقيقة التي لا يمكن لأي خطابة أن يمحوها، والثمن الذي لا يمكن لأي شعار أن يخفيه. التحرير وحده لم يكن كافياً، ليس هنا، وليس بهذا الشكل.

ومع ذلك، كان هذا هو الدرب المرسوم؛ فلتحرير العالم من قبضة حكومة العالم، كان عليهم أن يشقوا مئات ساحات المعارك المشابهة لهذه، وستحترق آلاف العواصم الأخرى. كان يعلم ذلك منذ اليوم الذي اختار فيه هذا الطريق، لكن المعرفة لم تُخفف ثقل صدره، ولا الشك الذي كان يهمس في نفسه عما إذا كانت الثورة تُنقذ العالم حقاً، أم أنها ببساطة تدمره شيئاً فشيئاً.

وقف أدميرال الثوار صامتاً على أسوار مملكة ساقطة، وأصوات الشعب الهادرة كالموج تحته. ولأول مرة منذ سنوات، شعر زفير بوخز سؤال لم يستطع إسكاته.

"أيها الأدميرال زفير…"

أخرجه الصوت من شروده. تحرك الأدميرال قليلاً، فالتقت نظراته بنظرات ضابط شاب يقف أمامه منتصب القامة. تصاعد الدخان في سماء الليل فوق العاصمة المحتلة، حيث برزت الأبراج المحطمة كعظام وحش مقتول.

"لقد سيطر المتمردون سيطرة كاملة على المدينة، وقريباً سيعم النظام بقية أنحاء البلاد."

تحدث الشاب وكأن الأمر انتصار حاسم، وكأن الحرب قد وضعت أوزارها تماماً. ولكن عيني زفير ظلتا مثبتتين على الأنقاض في الأسفل، على الحشود الممزقة التي تتشبث بالفتات، وعلى الوجوه الجائعة الملتصقة بالبوابات المحطمة. كان يعلم الحقيقة؛ فسقوط الملكية لم يكن النهاية، بل كان بداية لشيء أبشع: فراغ في السلطة، ومئة من أمراء الحرب الصغار ينهضون من تحت الأنقاض، ودماء تُراق لا من أجل المثل العليا بل من أجل البقاء. وإذا اختارت حكومة العالم التدخل بعد ذلك، فإن الأمور ستزداد سوءاً.

زفر ببطء، مثقلاً بعبء الحقائق التي لم يدركها الصغار بعد، ثم جاء صوته منخفضاً لكنه ثابت: "ماذا عن المسألة الأخرى التي كلفتك بها؟ هل سارت الأمور بسلاسة؟ هل اشتكت من قرارنا بتوفير اللجوء لأيتام الحرب؟"

تجمد الضابط في مكانه، وكان تردده كافياً لتضيق عينا زفير، وشعر الضابط بالاختناق بسبب الطلب غير المعلن للحصول على إجابة.

"حسناً… أيها الرائي، هناك مشكلة،" اعترف الشاب بصوت متقطع. "لقد تلقينا تحديثاً من المقر الرئيسي، وأرسلت لك القائدة ليفيا رسالة بنفسها."

مدّ لفافة حبرها ملطخ بضربات متسرعة. مزّق زفير الختم، متفحصاً الكلمات المنقولة عبر جهاز الإرسال. كل سطر كان دقيقاً، خالياً من العاطفة. فهمت ليفيا نواياه، وفهمت سبب منعه كريستينا و"تجنيدها" لصالح "دون كيهوتي"، ولكن الثورة لم تكن قادرة على تحمل العبء الذي وضعه عليها، ليس كله على الأقل.

في أحسن الأحوال، يمكنهم إعادة توطين بضعة آلاف من الأطفال، وهي حفنة قليلة مقارنة ببحر الأيتام الذي خلفته الحرب. قد يُمنح بعضهم حياة جديدة في جزر متعاطفة، وقد يُربى آخرون في خضم الثورة نفسها، ولكن ماذا عن البقية؟ ماذا عن كل طفل جائع ومحطم تُرك متناثراً بين أنقاض مملكة منهارة؟

كان الجواب واضحاً بلا رحمة: لا يمكن.

لم يكن بوسع الثورة تحمل ذلك دون أن تُدمر نفسها في سبيل ذلك. قبض زفير على الورق بقبضته حتى تمزقت أليافه، ولم يبقَ من الرسالة سوى شظايا محطمة على كفّه. كان يعلم أن ليفيا محقّة، فقد قاد من الحملات ما يكفي ليدرك حدود قوتهم، لكن معرفة الحقيقة لم تُسهّل عليه تقبّلها.

انقبض فكّه، ولبرهة طويلة لم يُسلط ضوء النار إلا على الخطوط القاتمة لوجهه التي تعمقت بفعل ثقل الاختيار. ثم أخيراً، وبثقل رجل يُنزل جبلاً لا يقوى على حمله، نطق زفير:

"حسناً." كان صوته حازماً، رغم نبرة الهزيمة الكامنة فيه التي لم تخفَ على السامعين. "دع تلك المرأة من عائلة دون كيهوتي تفعل ما تشاء. ولكن اسمعوني جيداً—"

اشتدت نظراته، فاخترقت الضابط كالشفرة: "عيّنوا رجالاً لمرافقتها، راقبوا كل خطوة. وإذا حاولت هي أو رجالها أخذ هؤلاء الأطفال رغماً عن إرادتهم، فعليكم التدخل. لديكم تفويض مني للتصرف دون تردد ودون أي قيود."

أدى الضابط التحية العسكرية بحدة، رغم أن عينيه كشفتا عن قلقه: "علم، أيها الرائي."

أدار زفير ظهره، وتناثرت بقايا رسالة ليفيا الممزقة من يده. حدق مرة أخرى في مدينة الأيتام والرماد، حيث امتزجت صرخات الأبرياء بجمر النصر.

انتهت الحرب، تحطمت الملكية، وتمزقت راياتها، وتحول قصرها إلى هيكل من الحجر والصمت. ولكن ما امتد عبر العاصمة لم يكن نصراً، بل أرضاً قاحلة نسجها الحزن.

أقام الثوار مراكز إغاثة؛ طاولات خشبية بسيطة، وقدور من عصيدة خفيفة، وسلال من الخبز جُلبت من المخازن القليلة المتبقية. ولكن تلك الصفوف لم تكن صفوفاً منظمة، بل كانت حشوداً هائجة. رجال ونساء متلاصقون، يتدافعون على الفتات، ويدفعهم يأسهم إلى العنف.

لم يكن الأمر جشعاً، بل كان ذعراً.

لم يقاتلوا لإشباع جوعهم الشخصي، بل ليظفروا بلقمة واحدة، قطعة خبز واحدة، للأطفال المنتظرين في ظلال المباني المدمرة. ضربت أمٌّ غريباً بمرفقها في أضلاعه، لا كرهاً له، بل لأن ابنها لم يطعم منذ ثلاثة أيام. دفع أبٌ رجلاً آخر أرضاً، لا قسوةً، بل لأن شفتي ابنته تشققتا من العطش.

حاول الثوار صدّ الحشود، لكن أيديهم ارتخت؛ فقد كانت البنادق والسيوف خفيفة في أيديهم أثناء الحصار، لكن الآن، حتى مجرد التفكير في رفعها في وجه هذه الوجوه الشاحبة والعيون الغائرة بدا أمراً لا يُطاق. لم يكونوا أعداءً، بل هم أنفسهم الذين جاؤوا لإنقاذهم، ومع ذلك بدوا أقرب إلى سباعٍ تتقاتل على جيفة منها إلى مواطنين.

كانت رائحة العرق والدخان والجوع تفوح في الأجواء. بكى الأطفال وهم يمدون أيديهم إلى أرغفة خبز لم يتمكنوا من لمسها، وانغرست صرخاتهم في قلوب الثوار أعمق من طلقات المدافع. ثم وسط تلك الفوضى، تجمد مشهدٌ أذهل كل من رآه.

قرب جدار منهار ما زال السخام يغطي حجارته، اقتربت امرأة من طاولة الإغاثة. كانت ملابسها ممزقة، وقدمها حافيتان تنزفان. لم يكن معها وعاء ولا قدر ولا كوب، لا شيء تحمل فيه العصيدة. وعندما جاء دورها لم تتردد؛ مدت يديها، وكفّاها مفتوحان.

انسكب الحساء من المغرفة، وتناثر السائل الساخن على جلدها. انتفضت وشعرت بحرارة تحرق لحمها، لكن يديها لم تنقبضا ولم تتراجعا. سال الحساء على ذراعيها، لكنها احتضنت أكبر قدر ممكن منه، متمسكة به ككنز ثمين. ارتجفت شفتاها في صمت، ليس من الألم، بل من الإصرار.

تراجعت مترنحةً، ثم جثَت بجانب طفلٍ نصف مختبئٍ بين الأنقاض؛ ابنها الذي لم يتجاوز السادسة من عمره، وعيناه تلمعان من الجوع. وبيدين مرتجفتين متقرحتين وحمراوين، رفعت العصيدة إلى شفتيه. شرب بنهم، غافلاً عن الدموع التي انهمرت على خديها بينما كان السائل الساخن يقطر من راحتيها المتضررتين.

ابتسمت له وسط الألم، وهمست بكلمات لم يسمعها سواه؛ تهويدة من بين الرماد. ومن حولهم، كان الحشد ما زال يغلي، والخبز ما زال يُنتزع من أيادٍ يائسة، والقبضات لا تزال مرفوعة في غضب. ولكن بالنسبة لأولئك الذين رأوا المرأة راكعة على التراب، تحرق نفسها لتبقي طفلها على قيد الحياة، بدا صخب العالم وكأنه يتلاشى؛ فهذه هي حقيقة التحرر المُرّة.

كانت الساحة في حالة فوضى عارمة؛ ملأ الصراخ والعويل وصوت ارتطام الأواني بالطاولات الفارغة الأجواء، بينما تتشبث أيادٍ يائسة بآخر ملاعق العصيدة. حاول الثوار تهدئتهم والحفاظ على النظام، لكن الحشد اندفع كالأمواج المتلاطمة على جدار البحر، لا يمكن إيقافه وهو جائع بشدة.

ومع ذلك، بعيداً عن ضوء نيران مركز الإغاثة، انحصر العالم في زقاق واحد يشق الأنقاض كجرح غائر. معظم المباني المحيطة به انهارت إلى أكوام من الحجارة والخشب، ولم يبقَ من المنازل والمتاجر سوى ظلال مشوهة. كانت رائحة الرماد الكريهة تلتصق بكل شيء، والصمت هنا ثقيل، لا يقطعه سوى حفيف أقدام حافية على الحجارة.

تعثّر صبي في الزقاق، لم يكن يتجاوز العاشرة من عمره. كانت ملابسه، رغم تمزقها وقذارتها، لا تشبه ملابس العامة؛ فمن خلال القذارة، كشف الحرير الباهت والشعار المطرز على حافة كمّه عن ماضيه: طفل من عائلة مرموقة، من طبقة النبلاء.

لكن النبل لم يعد يعني له شيئاً الآن؛ ثيابه بالية، وشعره ملطخ بالتراب والدم. ما زال جرح ينزف ببطء من صدغه، تاركاً أثراً قرمزي على خده. كتفه الأيسر متدلٍّ بشكل غريب، ويبدو مخلوعاً، لكنه تحمله بأسنان مكزوزة وصمت عنيد.

كان يضم رغيفين من الخبز إلى صدره، يحتضنهما كما لو كانا ذهباً، أو جوهرتين انتُزعتا من خزينة ملك. شد ذراعيه حولهما بحماية، وانحنى جسده النحيل كدرع يغطيهما؛ كأن الرغيفين كانا ثقيلين، لا لوزنهما، بل لما يمثلانه.

ارتجفت شفتا الصبي، لكن ليس خوفاً؛ بل كان يبتسم. رغم الألم، ورغم الوجع الذي يعتصر جسده المنهك، كان هناك رضا هادئ في عينيه. لقد ناضل من أجل هذا، ولقد استحقّه. في مكان ما في عمق الزقاق، بعيداً عن صخب الساحة، كان إخوته ينتظرونه، ولن يعود إليهم خالي الوفاض.

كان أصغر من أن يدرك قسوة الحرب كاملة، لكنه كان يفهم ما يكفي. أرسله والداه هو وإخوته بعيداً قبل الحصار، متسللين بهم عبر ممر الخدم وسط همسات متسرعة ووعود بـ "البقاء هادئين، والبقاء بأمان". كان يعلم حتى حينها ما يعنيه ذلك: لقد تُركوا لمصيرهم، لأن حتى الدم النبيل لم يكن يستحق الحفظ حين كانت الملكية نفسها تنهار.

كره المتمردين بشدة؛ كرههم لاقتحامهم القصر، ولتدميرهم الحياة التي عرفها، ولكن الكراهية لم تُشبع جوعه، ولم يُهدئ الكبرياء بكاء أخته ليلاً، ولم يمنع الغضب أخاه الأصغر من الهزال.

لذا، كتم كل شيء – الغضب، والحزن، والإذلال – وانقضّ على الحشد في مركز الإغاثة. كافح، ودفع، وقاتل حتى صرخ جسده. تلقى ضربات من رجال ضعف حجمه، وداسه الناس، وكاد يُسحق في سيل الأجساد، ومع ذلك، خرج من المعركة وهو يحمل رغيفين بين ذراعيه.

كان هذا كل ما يهم. وبينما كان ينعطف إلى داخل الزقاق، خيمت الظلال على طريقه. خرج ستة أطفال من بين الأنقاض، يسدون طريقه. كانت وجوههم شاحبة، وملابسهم مجرد قطع قماش تتدلى من أجساد نحيلة كالعظم، وعيونهم تتقد جوعاً وريبة.

أشارت إحداهن، وهي فتاة ذات شعر متشابك وندبة على خدها، إلى الأرغفة وقالت: "إنه يخفي الطعام."

حدق به صبي آخر، ثم سخر منه: "ليس مجرد طعام، انظر إلى ملابسه. إنه واحد منهم، نبيل!"

انسكبت الكلمة كالسم من لسانه. انقبض قلب الصبي وتراجع خطوة إلى الوراء، لكن الأطفال انتشروا في كل مكان، قاطعين عليه أي سبيل للهرب. ارتسمت على وجوههم ملامح أشد قتامة من الجوع: استياء، وغضب، وحاجة ماسة إلى كبش فداء.

صرخ أحدهم: "هذا خطأهم!"

وتابع آخر بصوت حاد: "كانت عائلاتهم تنعم بالولائم بينما كنا نتضور جوعاً! قتل جنودهم آباءنا، واستنزفت ضرائبهم ثروتنا! أتظن أنك تستطيع أن تأخذ من نفس الأشخاص الذين سحقتموهم؟ كم ليلة قضيتها تتناول الطعام بينما كنا نتوسل للحصول على الفتات؟"

هز الصبي رأسه، وكان صوته أجشاً: "أنا… أنا لست مثلهم بعد الآن. أريد فقط أن—"

لكنهم لم يرغبوا في سماع تبريره. سواء كانوا أطفالاً أم لا، فقد نحتتهم الحرب إلى كائنات وحشية.

أصابته الحجرة الأولى في كتفه فترنّح، ثم لكمته قبضة على فكّه. سقط على ركبتيه، لكن ذراعيه تشبثتا بالخبز بقوة؛ لن يتركه مهما كان الثمن.

ازدادت الضربات قوة وعنفاً؛ ركلات على أضلاعه، وأظافر تخدش وجهه. امتزجت صرخاتهم معاً في جوقة من الغضب والخوف.

التف حول الخبز، يحميه بجسده الصغير المنهك. كل ضربة كانت تدفعه أعمق في التراب، لكنه لم يُرخِ قبضته. كانت أفكاره تتشبث بصورة واحدة: إخوته ينتظرونه، وعيونهم الخاوية التي ستضيء عندما يُحضر لهم الطعام.

لن يخذلهم. تصاعد غضب الأطفال كالعاصفة، وانهمرت الدموع على وجوههم وهم يوجهون لكماتهم، ترتجف قبضاتهم من شدة الغل. لم يكونوا يضربونه هو فحسب، بل كانوا يضربون عالماً تخلى عنهم، يضربون الجوع، والفقدان، والموت نفسه.

وأخيراً، انتزع أكبرهم سناً – فتى يناهز الخامسة عشرة، وجهه شاحب وعيناه متوحشتان – قضيباً حديدياً مكسوراً من بين الأنقاض. ارتفع صدره وهو يرفعه عالياً، وصوته يرتجف من الغضب: "كفى! إذا قتلناه، فسنأخذ كل شيء! هذا هو العدل!"

تجمّد الصغار في أماكنهم، أنفاسهم متقطعة وعيونهم متسعة، بينما لمع القضيب الحديدي في ضوء النار الخافت المتسرب من الساحة. لم يتحرك الصبي الملقى على الأرض، بل شد ذراعيه حول الأرغفة، وهمس بكلمات غير مفهومة: "ليس بعد… فقط قليلاً. من أجلهم…"

سقط القضيب—

وتوقف على بُعد بوصات من صدره.

أمسكت يد شاحبة وقوية بالسلاح في الهواء، وشدت الأصابع حوله بقوة الحديد. اتسعت عينا الصبي الأكبر سناً عندما انتُزع السلاح من قبضته وأُلقي جانباً، فارتطم بالحجر بلا جدوى.

وقفت كريستينا هناك، محاطة بضوء خافت في الزقاق المدمر. ارتجف رداؤها قليلاً وهي تنظر إلى الأطفال، وكان تعبير وجهها غامضاً.

تسمّرت مجموعة الأيتام في أماكنهم، وتسارعت أنفاسهم. لقد رأوا الموت مرات عديدة، وشاهدوا رفاقهم يُقتلون بلا رحمة، وبالنسبة لهم، كان الشخص البالغ يعني السلطة، وغالباً القسوة. استعدوا للألم وللعقاب وللسيف الذي سيتبع ذلك حتماً.

لكن كريستينا اكتفت بالتنهد. انزلقت يدها إلى الحقيبة التي بجانبها، وفتحتها فظهرت عدة أرغفة من الخبز، لا تزال طازجة وقشرتها ذهبية. تلاقت عيون الأطفال مع الخبز على الفور، واتسعت حدقاتهم بجوع فطري.

ركعت كريستينا، وكان صوتها هادئاً، يكاد يكون متعباً: "لا داعي لإراقة الدماء من أجل هذا."

ناولت الرغيف الأول للفتاة ذات الندبة. ارتجفت الطفلة وتحدقت فيه كما لو كان فخاً. همس صبي آخر: "لا تلمسيه، قد تكون واحدة منهم."

لكن الجوع كان أقوى من الخوف. امتدت يد الفتاة المرتعشة بسرعة وانتزعت الرغيف، وفي لحظة مزقته بأسنانها والتهمته كحيوان جائع. عندها انفجرت رغبة البقية.

اندفع الآخرون إلى الأمام وانتزعوا الأرغفة التي قدمتها كريستينا، حتى أن بعضهم سقط على ركبتيه وهم يحشون أفواههم بالخبز، والفتات يتناثر على ذقونهم. اختلطت دموعهم بالخبز في حناجرهم، وكتمت شهقاتهم بمضغ يائس.

وفي غضون لحظات، اختفوا؛ تفرقوا في الليل بغنائمهم، خائفين من وجودها لدرجة أنهم لم يبقوا طويلاً، ويائسين لدرجة أنهم لم يضيعوا ثانية أخرى. عاد الصمت إلى الزقاق، ولم يقطعه سوى أنفاس الصبي المتقطعة وهو ما زال منكمشاً على الأرض.

نهض ببطء؛ كان جسده يرتجف ووجهه ملطخاً بالدماء والتراب، لكن ذراعيه ما زالتا متمسكتين بالرغيفين على صدره بإصرار لا يتزحزح.

راقبت كريستينا المشهد. لم ينظر إليها ولم يشكرها، بل ترنّح ببساطة إلى داخل الزقاق، حيث كان ينتظره طفلان أصغر سناً؛ صبي وفتاة، اتسعت أعينهما عندما رأيا الخبز، وأشرقت وجوههما بفرحة خافتة.

ابتسم لهما متناسياً ألمه. خفّت حدة نظرة كريستينا قليلاً، وكان صوتها منخفضاً كأنها تخاطب نفسها: "أطفال يتقاتلون مع أطفال… وحوش ولدت من رحم الجوع. هذا هو العالم الذي تخلقه حروبكم."

اختفى الصبي في الظلال مع إخوته، وأتبعته كريستينا ببطء؛ فقد رأت فيه صفة لا يمتلكها معظم الناس. وبينما خف وزن حقيبتها، ثقل الحمل على قلبها.

انزلقت قدما الصبي العاريتان على الحجارة المتكسرة وهو يدخل إلى هيكل مبنى سقفه منهار ونوافذه ثقوب متسعة. في الداخل، تجمعت الظلال بكثافة، وكان الهواء مثقلاً بالغبار ورائحة نار قديمة.

كان هناك طفلان متلاصقان قرب بقايا موقد؛ الفتاة لا تتجاوز السادسة، بشعر أشعث وعينين واسعتين، وبجانبها صبي في الثامنة، خدوده غائرة وجسده يرتجف تحت بقايا ملابس كانت يوماً فاخرة.

ترنّح الأخ الأكبر إلى الأمام، وانفرجت ذراعاه المصابتان بعناية فائقة، ووضع الأرغفة على الأرضية كما لو كانت كنزاً مقدساً.

همس قائلاً: "ها هو ذا، كُلوا." كان صوته مبحوحاً من الإرهاق.

صفقت الطفلة بيديها بحماس وأمسكت الرغيف تلتهمه بشراهة، بينما تناول الأخ الأوسط حصته بخشوع وكأنه يخشى أن يختفي الخبز إن لمسه بخشونة. ثم نظر إلى الأخ الأكبر متأملاً إياه.

استند الأخ الأكبر إلى الحائط، وصدره يرتفع وينخفض، وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه المدمى، ولم يحرك ساكناً ليأخذ نصيبه.

سألته أخته بلقمة في فمها: "لماذا لا تأكل؟"

مد يده وأزاح خصلة شعر عن جبينها وقال كاذباً: "لقد تناولت طعامي بالفعل."

لكن فجأة، قرقرت معدته بصوت واضح وسط الصمت. أمالت الفتاة رأسها بحيرة: "لكن معدتك ما زالت تتحدث…"

تجمّد الصبي وارتسمت على وجهه ملامح الخجل، فأدار وجهه، لكن أخاه كان يراقبه. حدق الصبي الأصغر فيه لبرهة، ثم انتزع قطعة من رغيفه دون تردد وناولها لأخيه الأكبر دون كلمة، ثم عاد ليقضم ما تبقى معه.

حدق الأخ الأكبر في الهدية، وارتجفت شفتاه بينما تجمعت الدموع في عينيه، وهمس وهو يكتم غصة: "شكراً لك." ثم أخذ يقضم الخبز، ولأول مرة منذ أيام، بدا الطعم لذيذاً لدرجة لا تُحتمل.

فجأة، هز صوت خافت أرجاء المكان؛ حفيف قماش وصرير خشب قديم.

اتكأت كريستينا على المدخل، ذراعاها مطويتان وعباءتها تلامس الغبار. تبعته بصمت ولم يصدر حذاؤها أي صوت. كان تعبيرها هادئاً غامضاً، وعيناها تلتقطان ما تبقى من ضوء يتسلل عبر الأنقاض.

توتر الصبي لكنه لم ينهض؛ أدرك أنها لا تنوي إيذاءه، فقد أنقذته وأطعمت من هاجموه. ومع ذلك، كان وجودها ثقيلاً؛ كشخص بالغ قادر على تحطيم عالمه الهش بلمحة.

راقبت كريستينا الصمت حتى اختفت آخر فتاتة خبز، ثم تكلمت: "لقد كافحتَ بشدة من أجل تلك الأرغفة، بشدة تفوق معظم الرجال الذين رأيتهم."

لم يُجب الصبي، بل جلس مع إخوته وعيناه مثبتتان على الأرض. خطت كريستينا خطوة للأمام وتابعت: "أنت لست كالبقية؛ كنت تعرف ما تفعله، حميت الخبز بجسدك وتلقيت الضرب ولم تفلته. لم يكن ذلك مجرد يأس، بل كان إصراراً."

أخيراً نظر إليها وقال بصوت أجش وثابت: "كان عليّ فعل ذلك، فهم كل ما تبقى لي."

أطالت كريستينا النظر إلى الطفلة التي بدأت تغفو، ثم نظرت إلى الأخ الأكبر وسألت: "وماذا ستفعل غداً؟"

رمش بعينيه مفاجأً: "غداً؟"

"أجل،" انحنت كريستينا وانخفض صوتها ببرودة: "اليوم أحضرت لهم الخبز، لكن ماذا عن الغد؟ وماذا بعده؟ أتظن أن هذا الحال سيدوم؟ كلا."

صمت الصبي، فتابعت كريستينا بكلمات كالسيف: "عندما يرحل الثوار – وسيرحلون حتماً – ماذا سيحل بهذه المدينة؟ ستجف طوابير الخبز وتفرغ القدور، ثم ماذا؟ ستعود الغوغاء، أقوى وأكثر جوعاً، وسيتحول هذا المكان إلى جحيم أسوأ مما رأيت."

خفض الصبي بصره وقبض يديه؛ كان يعلم ذلك في قرارة نفسه. تركت كريستينا الصمت يطول ثم قالت: "لا يمكنك إبقاؤهم على قيد الحياة وحدك، أنت صغير جداً وضعيف. وعندما يشتد الجوع، لن يقتصر الأمر على الغرباء، بل سيكون جيرانك وأطفالاً مثل الذين هاجموك اليوم."

عض الصبي شفته حتى نزفت، واحتضن أخته التي تمتمت في نومها، وقال بحدة: "سأجد طريقة، سأحافظ على سلامتهم مهما حدث."

حدقت كريستينا فيه، ورأت في عينيه تصميماً قاتلاً لا ينتمي لطفل في عمره. ارتسمت ابتسامة موافقة خفيفة على شفتيها وقالت: "لقد أصبحت بالفعل أكثر حكمة من رجال يبلغون ضعف عمرك."

مدت يدها تحت عباءتها وسحبت شارة فضية منقوشة بزخرفة على شكل صليب، لمعت بوضوح تحت ضوء القمر. وضعتها في كفها وقالت بصوت يحمل ثقل عرض لا يُرد:

"قلت إنك ستجد طريقة، وأنا يمكنني أن أمنحك إياها. تعال معي… انضم إلى عائلة 'دون كيهوتي'."

تجمد الصبي وهو يحدق في الشعار، وقلبه يدق بعنف بين الخوف والإغراء.

تابعت كريستينا بنظرات حادة: "معنا، لن تضطر للبحث عن الفتات أو قتال الغوغاء. ستنال القوة والحماية والمستقبل، وستكون قادراً على حمايتهم. والأهم، ستكون لك عائلة تسندك…"

تركت الكلمات معلقة في الهواء، ثقيلة ومغرية. لمع الشعار كوعد أو كلعنة، بينما ارتعشت أصابع الصبي وتقطعت أنفاسه. نام إخوته غافلين عن الخيار المصيري الذي يواجهه أخوهم الآن، بينما انتظرت كريستينا وسط صمت الخراب الذي ضغط عليها كثقل العالم.

تعليق

Subscribe
Notify of
0 التعليقات
Oldest
Newest
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

لقد اكتشفنا أنك تستخدم إضافات لحجب الإعلانات. يرجى دعمنا بتعطيل هذه الإضافات.

لماذا تظهر لك هذه الرسالة بالرغم من انك لا تستخدم مانع اعلانات؟!

قد تكون تستخدم غي بي ان به خاصية منع الاعلانات.

او قد تكون اعدادات الشبكة تحمل DNS يقوم بحظر الاعلانات.

الحل الامثل استخدام متصفح كروم او اي منصفح لا يملك خاصية منع الاعلانات واذا كانت المشكلة موجودة وانت لا تستخدم اي شئ جرب فتح الموقع بإستخدام في بي ان ولتكن الدولة مثلا امريكا.

ايضا العضوية المدفوعة تمنع ظهور هذه الرسالة وتمنع الاعلانات.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط