الفصل 557: الفصل 557
كانت مملكة فيلوس تُعرف ذات يوم بجوهرة الأزرق الغربي، وكانت حقول قمحها الذهبية وقلاعها الشامخة رموزاً للرخاء تحت ظل التاج. أما الآن، فقد أصبحت الجوهرة متصدعة تنزف، ويتصاعد الدخان في أعمدة سوداء كثيفة عبر الأفق.
لقد ابتلعتها الحرب بالكامل.
كانت شوارع عاصمتها المرصوفة بالحصى مغطاة بالأنقاض والجثث. والبيوت التي كانت تعجّ بالضحك أصبحت الآن خاوية، ونوافذها محطمة كأحداقٍ مفقوءة. لا تزال رايات الملكية ترفرف فوق أعلى الأبراج، بلونها القرمزي المتحدي الذي ازداد قتامةً بفعل السخام، لكن تحتها كان الناس ينوحون يأساً.
كل يوم كان يُراق المزيد من الدماء. كل يوم كانت الحرب بين النظام الملكي والجيش الثوري تُعمّق جراح الأرض. ولم يكن الجنرالات أو الملوك هم أكثر من نزفوا، بل كانت الأمهات والأطفال.
في ساحة السوق التي كانت يوماً ما قلب المملكة النابض، كانت الجثث ملقاة مغطاة بأغطية ممزقة. جلست فتاة لا تتجاوز العاشرة من عمرها بجانب إحداها، ممسكة بيد والدها التي كانت تبرز من تحت القماش. كان صوتها أجش من فرط الصراخ، لكن لم يتوقف أحد ليواسيها.
لم يستطيعوا؛ فقد مرّ الحشد بعيون خاوية، ينقبون بين ما تبقى من الأكشاك عن خبز متعفن وفاصولياء مجففة وأي شيء صالح للأكل. غرق كل صوت تحت دوي المدافع البعيد.
"تحركوا أيها الجرذان!" صاح صوت جهوري.
شقّ الحرس الملكي، بدروعهم المصقولة، طريقهم عبر المكان، وهم يجرّون السجناء المكبّلين بالسلاسل. كان هؤلاء السجناء، المتهمون بـ "التواطؤ الخائن" مع الثوار، مجرد فلاحين هزيلين. تعثّر أحدهم لضعفه الشديد عن المشي، فغرز أحد الحراس رمحاً في ظهره، فسقط صريعاً على الأرض.
ارتجفت الطفلة الصغيرة لكنها لم تفلت يد والدها؛ فقد كانت تعلم أن الكلام يورد المهالك. فكل من يجرؤ على معارضة النظام الملكي يُزجّ به في الزنازين، أو يُعلق على الجدران ليكون عبرة للآخرين. وهذا هو "السلام" الذي وعدت به الملكية شعبها.
على التلال الواقعة خلف العاصمة، بين أنقاض معسكر التدريب المحترقة، تجمع الثوار، أو بالأحرى، تجمع المضطهدون تحت راية الثورة. لم يكونوا الأبطال النبلاء الذين تغنت بهم الحكايات، بل كانوا رجالاً ونساءً قست عليهم المجاعة، وأطفالاً يحملون بنادق تفوق أحجامهم، ومنشقين عن الجيش الملكي فقدوا ثقتهم بملكهم.
وقف قائدهم، "داريوس"، أمامهم بعباءة ممزقة، وندبة تمتد من جبينه إلى خده، بينما كانت عيناه تشتعلان بنور متعصب.
قال بصوتٍ مدوٍّ يتردد صداه في أرجاء المخيم الملطخ بالطين: "نحن لا نقاتل من أجل المجد، بل نقاتل لكي لا يموت طفل جوعاً بينما تنعم الملكية بالولائم. نقاتل لكي لا يُجلد أحد لعدم دفعه الضرائب على حقولٍ أُحرقت بالفعل. إن الدم الذي نسفكه هو ثمن الحرية".
هتف الحشد، لكن وراء الحماس كان الجوع والإرهاق ينهشان الأجساد. اشتعلت نيران مخيماتهم بخشب مسروق من القرى التي "حرروها". لقد لعنت أكثر من عائلة هؤلاء المتمردين حتى وهم يدّعون القتال في صفوفهم.
رفع داريوس سيفه قائلاً: "غداً سنضرب أسوار العاصمة. غداً سينزف الطاغية".
هدر الجيش الممزق بالهتاف. وفي الظلال، قبض فتى في الثانية عشرة من عمره على بندقيته بقوة، وعيناه قاسيتان رغم أن خديه كانتا مبللتين بدموع صامتة.
كان الهواء داخل الحظيرة مشبعاً برائحة العرق والدم والقش الرطب. تذبذب ضوء الفانوس بشكل خافت على العوارض الخشبية البالية بفعل عوامل الطقس، مُلقياً بظلال طويلة على مجموعة الجنود المنهكة. اخترقت همهمات اليأس الصمت حتى نطق أحد الرجال، وهو يمسك ببقايا ذراعه المبتورة الملفوفة بضمادة، بصوت يرتجف بين الإرهاق والرعب:
"ماذا عن تعزيزاتنا؟ هل ستصل؟ لقد بلغنا حدّ الانهيار. إذا زحفنا نحو العاصمة دون دعم الثوار في هذه الحالة، فسنسقط لا محالة يا قائد…"
علقت الكلمات في الهواء كأنها حكم بالإعدام. انحنى بعض الجنود، مثقلين بعبء الحتمية. نعم، لقد بدأوا هذه الحرب مدفوعين بوعود المساعدة من الثوار، لكن عامة الشعب هم من تحملوا وطأة القتال.
وقف الجنود، والبناؤون، وحتى الأطفال الذين جُندوا قسراً، جنباً إلى جنب حاملين بنادق أثقل من أجسادهم الصغيرة. وبدون الدعم الموعود، ستكون الهجمة الأخيرة غداً أقرب إلى المذبحة منها إلى المعركة.
وبينما كان اليأس يهدد بإخماد ما تبقى من أمل ضئيل، انفتحت أبواب الحظيرة بصوت صرير مدوٍّ جعل كل رجل ينتفض. دخلت شخصيات ملثمة، فملأ وجودها الجو توتراً. رُفعت البنادق بأيدٍ مرتعشة، وأُغلقت مزاليج الأمان حتى انطلق صوت حاد، آمر، مهيب:
"أيها الأدميرال!"
اندفع الضابط الثوري في الغرفة إلى الأمام وأدى التحية العسكرية، وعيناه تلمعان بالارتياح. ومن تحت غطاء رأسه، كشف "زفير" عن وجهه، وقد نُقشت على ملامحه آثار ندوب جندي مخضرم. كانت نظراته ثابتة، قاسية كالفولاذ، وعندما أنزل غطاء رأسه بالكامل، بدا وكأن الغرفة قد حبست أنفاسها.
تحرك دون تردد، ودوت خطواته على الأرضية الخشبية وهو يقترب من طاولة الحرب. أما "كاراسو" الذي كان يتبعه عن كثب، فقد ألقى نظرة خاطفة عبر الحظيرة، فرأى رجالاً ذوي وجوه غائرة وفتياناً ذوي عيون واسعة يمسكون ببنادق أطول من أذرعهم. انقبضت شفتاه في خط رفيع؛ لم يكن هذا جيشاً، بل كان يأساً متجسداً.
قادته خطوات زفير إلى أحد هؤلاء الصبية، الذي كان بالكاد أطول من البندقية التي يمسكها. كانت مفاصل الصبي بيضاء من شدة قبضه على المقبض، ووجهه شاحب من الخوف لكنه متصلب بعزيمة عنيدة. توقف زفير أمامه، شامخاً كعاصفة متجسدة. ودون أن ينبس ببنت شفة، مد يده وانتزع السلاح من يدي الصبي المرتجفتين. صرّ الخشب احتجاجاً على قبضة الصبي، لكن في قبضة الأدميرال كان الأمر يسيراً.
ساد الصمت في الحظيرة، حتى الجرحى بدوا وكأنهم نسوا آلامهم، يراقبون وينتظرون.
أسقط زفير البندقية بقوة على الأرض، فتردد صدى صوتها كصوت مطرقة تقرع حكم الإعدام. نظر إلى الصبي، وارتفع صوته كصوت الرعد، عميقاً وآمراً، وصل إلى كل زاوية من زوايا الحظيرة:
«هذا—» ركل البندقية جانباً بازدراء—«ليس عبئاً يُفترض أن تتحملوه. الحرب ليست من شأن الأطفال. الفولاذ مكانه في أيدي الرجال الذين عاشوا ما يكفي ليدركوا ما يجب أن يفقدوه، وما يجب أن يحموه. أعماركم هي ربيع الأحلام، لا خريف الأسلحة. سنكم هو سن التطلع إلى السماء، لا سن الانجرار في وحل المعركة».
دوّت كلماته في الهواء كدويّ المدافع، فأسكتت حتى أكثرهم تشاؤماً. حوّل نظره عبر الحظيرة، وعيناه تشتعلان كالجمر.
كانت الحظيرة لا تزال تعج بآثار وصول زفير عندما اخترق صوته المكان مرة أخرى، أكثر هدوءاً الآن، وممزوجاً بشيء لم يكن غضباً بل ألماً:
"لماذا يتم تسليح الأطفال؟ لماذا تُوضع البنادق في أيدي من ينبغي أن يتعلموا القراءة، لا أن يتعلموا القتل؟"
انتفض القائد "داريوس"، الرجل عريض المنكبين ذو الوجه الذي نقشت عليه ليالي الأرق وبقع الدخان القديمة، وكأنه تلقى ضربة. وللحظة، عجز عن الكلام، إذ كشف سؤال الأدميرال عن جرحٍ عميق كان يحاول إخفاءه. ثم أجاب، بمرارة رجلٍ كفّ منذ زمنٍ بعيد عن التظاهر بأن كل شيء على ما يرام:
"تتحدث وكأننا كنا نملك ترف الاختيار". كان صوته خافتاً بين العوارض الخشبية، لكنه ظل ثابتاً. "لو رأيت ما خلّفته لنا العاصمة – الغارات الليلية، والجنود وهم يسحبون الأمهات من مخادعهن، والأولاد يُؤخذون كخدم، والفتيات يُبَعن كسلع – لما سألت عن السبب. لقد وُعدنا بتعزيزات قبل أسبوع. انتظرنا، ونزفت دماؤنا، ودفنّا رجالاً لا يُمكن تعويضهم. وعندما لم يأتِ الجيش الذي أرسلته، ماذا كان علينا أن نفعل؟"
زفر زفيراً عميقاً يحمل حزناً دفيناً. تحرك الرجال من حوله، خجلين من النظر إلى الأطفال، أو إلى أي مكان آخر. "وضعتُ الفولاذ في أيدي كل من يستطيع حمله، لأني لم أحتمل تسليمهم لما سيحدث إن انتصر التاج. أفضل أن أراهم يموتون برصاصة واحدة على أن أراهم يعيشون تحت نير ذلك الظلم. هل هذه رحمة؟ لا أدري. كل ما أعرفه أنني لم أكن أملك خياراً آخر".
راقبه زفير بنظرة متأنية متأملة، كمن وقف في غرف مماثلة في ليالٍ مماثلة. رأى يدي القائد اللتين تغطيهما الندوب، ومفاصل أصابعه المتقرحة من الحبال واللجام، وهي ترتجف الآن وهو يفركهما ببعضهما. رأى كتفي الجندي اللتين تحملان العالم وكأنه حملٌ من الحجارة. شعر باعتراف القائد كما يشعر رجل آخر بثقل جرح قديم.
صمت زفير لبرهة طويلة، ثم تقدم خطوة إلى الأمام ووضع يده على ساعد القائد؛ لمسة لم تكن متعالية، بل إنسانية بحتة. خفت صوته حتى كاد يكون همساً، لكن كل رجل في الحظيرة انحنى ليسمع:
«لقد فعلتَ ما اعتقدتَ أنه الصواب لحمايتهم من مصيرٍ أسوأ من الموت». جاء اعتذار زفير دون أيّ مراسم، ولكنه كان صريحاً وصادقاً، نابعاً من رجلٍ يُدرك معنى التضحية. «أنا آسف لتأخرنا. وأنا آسف لأنك تُركتَ أمام خيارٍ لا ينبغي لأحدٍ أن يُجبر عليه».
امتلأت عينا القائد بالدموع. ابتلع ريقه كجندي يبتلع كبرياءه وخجله معاً، وقال: "حافظنا على إيماننا لأننا كنا مضطرين لذلك، ولأنه لم يكن هناك شيء آخر نتمسك به".
استقام زفير، وتأمل الوجوه الصغيرة المتجمعة في الزوايا، وكيف كانت أحذية الأطفال إما كبيرة جداً أو صغيرة جداً، وكيف ارتخت أفواه الأمهات من فرط الإرهاق. لم تكن تعليمات الأدميرال التالية توبيخاً، بل كانت أمراً مُغلّفاً بوعد.
قال بصوتٍ حازمٍ ينمّ عن عزيمةٍ لا تلين: "استدعوا كل طفلٍ دون سن السادسة عشرة. اسحبوا كل فتىً وفتاةٍ لا يستطيعون تحمّل وطأة الحرب. سيقود الجيش الثوري الطليعة غداً. سنخوض هذه المعركة بأنفسنا. ستمنحوننا أفضل رجالكم – الأقوياء والمستعدين – وسنقود نحن الهجوم. لن يشارك أيٌّ من هؤلاء الأطفال في مسيرة الفجر".
انتشر ارتياح هادئ ومرتجف في أرجاء الحظيرة كما ينتشر النسيم بين القش. انحنى كتفا القائد كما لو أن جبلًا من الأعباء قد رُفع عنه. أغمض عينيه، وعندما فتحهما كانتا محمرتين لكنهما أكثر ثباتاً.
"هل ستفعل هذا حقاً؟" سأل، وهو بالكاد يصدق أن الكلمات حقيقية.
كان رد زفير بسيطاً، خالياً من التباهي: "نحن ثوريون أولاً، ورجال ثانياً. لن نفرط في المستقبل".
شدّ القائد فكّه، ولأول مرة في تلك الليلة، ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة؛ لم تكن ابتسامة انتصار، بل ابتسامة امتنان صادقة. ومن حولهم كان الجنود الأشداء يمسحون دموعهم التي رفضوا إظهارها. الحظيرة التي كانت تفوح منها رائحة الخوف قبل ساعة، أصبحت الآن تفوح منها رائحة العزيمة الصارمة.
في اللحظة التي تقدم فيها الضباط الثوريون، تغير شكل الحظيرة؛ فقد حلت الخرائط والاستراتيجيات المتهامسة محل القش والدخان، وبحلول الليل كانت الخطة النهائية للحصار قد اكتملت.
انحلّ مجلس الحرب في صمتٍ مطبقٍ بينما لُفّت آخر الخرائط وأُغلقت تحت وطأة قرارات الضباط الأخيرة. وخلف الحظيرة، حمل هواء الليل هديراً خافتاً لرعدٍ بعيد، أو ربما دويّ مدافع من مناوشةٍ بعيدة. كان النوم مستحيلاً، ولم يكن لأحدٍ رغبةٌ فيه. بدلاً من ذلك تجمعوا حول نارٍ متأججةٍ في الخارج، حيث ألقت ألسنة اللهب بظلالٍ طويلةٍ على وجوهٍ نحتها التعب والعزيمة.
جلس زفير أقرب إلى النار، يرقص ضوؤها على الندوب التي نقشت ملامحه. ألقى بقطعة خشب أخرى على اللهب، فتطاير الشرر في دوامة صاعدة في الليل. حوله جلس ضباطه الموثوق بهم – رجال ونساء الثورة الأشداء الصامتون. ولكن كان بينهم شخص غريب.
"كريستينا".
كان معطفها أفخم، ووقفتها أكثر حدة، وابتسامتها مصقولة. تألق شعار عائلة "دون كيهوتي" على صدرها كشارة تُلبس بفخر، علامة أثقل من أي وسام. جلست برشاقة من شهدت البلاط والمذابح على حد سواء، ساقاها متقاطعتان، وأصابعها تعبث بقلادة فضية كما لو أن الحرب الدائرة مجرد مسرحية تُعرض لتسليتها.
حدّق زفير فيها بينما كانت النار تتكسر. هدر صوته قائلاً: "لا يبدو عليكِ أي استغراب من كل هذا… الجوع، والموت، واليأس".
أمالت كريستينا رأسها، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة ساخرة ذات مغزى:
"الحرب ليست غريبة عليّ يا زفير-سان. لقد رأيتُ ما هو أسوأ، أسوأ بكثير". لمعت عيناها بضوء النار، ثابتة لا تلين. "لكن ما يثير فضولي هو أنت. بقوتك، يمكنك اقتحام العاصمة مع بزغ الفجر وإنهاء هذا الصراع في دقائق بمفردك. وبدلاً من ذلك، تدع هؤلاء المتدربين ينزفون من أجلك. أتساءل لماذا تُصرّ على إزهاق كل هذه الأرواح بلا داعٍ".
تسللت كلماتها إلى الدائرة كالسم. انتفض بعض الضباط الأصغر سناً، ولكن قبل أن يتمكن زفير من الرد، انحنى كاراسو إلى الأمام، وكان صوته حاداً كزجاج مكسور:
"وماذا يعرف القرصان عن التحرير؟" كان احتقاره واضحاً، ينطق كل مقطع بدقة. "لو دخل زفير تلك المدينة وحيداً وسحق العرش بقبضتيه، فماذا بعد؟ سيسقط ملك، نعم، لكن الشعب سيبقى عبيداً في قلوبهم. الثورة لا تعني استبدال طاغية بآخر، بل تعني انتفاضة الشعب وتعلمه استخدام قوته، وإلا، فالحرية ليست سوى وهم".
دوّت ضحكة كريستينا الجريئة والساخرة في سكون الليل: "إذن، الهدف الأسمى للثورة هو ترك البلاد بأكملها تحترق؟ ترك الأمهات يدفنّ أطفالهن، وترك المدن تتحول إلى رماد، كل ذلك حتى إذا انتهى الأمر، تقولون: 'آه، على الأقل حرروا أنفسهم'. يا له من نبل! ويا له من حماقة! أترى من سيبقى ليتمتع بهذه الحرية الثمينة التي تنعمون بها؟"
انقبض فك كاراسو، لكن عينيه اشتعلتا بحرارة أكبر: "أتجرئين على الحديث عن الحماقة؟ على الأقل نحن نضحي من أجل شيء أعظم من أنفسنا. على الأقل نسعى جاهدين من أجل مستقبل لا يفترس فيه الأقوياء الضعفاء. أخبريني أيتها القرصانة، ما الخير الذي قدمه أمثالك لهذا العالم؟ الاغتصاب والنهب والاستعباد – هذه هي مهنتكم. حتى عائلة دون كيهوتي، بكل ثروتها وسلطتها… ماذا جلبتم للعالم سوى قيود متنكرة في زي الذهب؟"
أجابت كريستينا، بصوتٍ يخفي مرارةً وفرحاً غامراً: "يا لكم أيها الثوار ومبادئكم! دائماً ما تدّعون الصلاح، ودائماً ما تغفلون عن الحقيقة. تتحدثون عن 'الصالح العام' بينما تشاهدون حلفاءكم يتضورون جوعاً. تتحدثون عن الضعفاء، ومع ذلك تتركونهم يذبلون لإثبات وجهة نظركم. عائلتي تفعل ما يحلو لها، نعم، نحن نُخضع العالم لإرادتنا. هذه هي الصراحة، وهذه هي الحقيقة. ثورتكم ليست سوى حلم آخر ينتظر أن يغرق في الدماء".
تطايرت النيران، وتناثرت شراراتها في الهواء. ازداد توتر حلقة الضباط، وتصاعدت حدة الصدام الكلامي. ارتعشت يدا كاراسو وكأنه على وشك سحب سلاحه، لكن زفير رفع يده، فأسكت العاصفة قبل أن تنفجر. ثبتت نظراته على كريستينا، باردة لا تتزحزح.
"كفى…! لم تخبرينا بعدُ لماذا أنتِ هنا". كان صوته هادئاً، لكنه يحمل ثقل المدافع. "لن أنكر أن مؤن عائلتكِ قد أنقذت أرواحاً. الخبز والدواء أغلى من الكلام الآن، وأنا ممتن لذلك. ولكن افهمي هذا يا آنسة – إذا تجرأتِ أنتِ أو أقاربكِ من "دون كيهوتي" على استغلال هذه الحرب لمؤامراتكم، أو استخدمتم هذه البلاد كساحةٍ للعبةٍ خاصةٍ بكم… "
ترك الكلمات معلقةً، غير مكتملة، لكن ضوء النار انعكس على الفولاذ في عينيه. شعر كل ضابط في الدائرة بذلك التحذير والوعد.
ظلت ابتسامة كريستينا الساخرة عالقة، لكن لأول مرة، لمعت عيناها بشيء أشد حدة من مجرد التسلية. انحنت أقرب إلى اللهب، وامتدت الظلال على وجهها كقناع.
"أسبابي تخصني وحدي يا أدميرال. ولكن ربما، مع مرور الوقت، ستدرك أن ليس كل القراصنة يمكن التنبؤ بأفعالهم كما تتمنى مُثُلك العليا".
شق ضوء النار وجه كريستينا كالسيف. لم تفارقها عينا زفير – باردتان لا ترمشان – فتنهدت وتركت الكلمات تتساقط كاعتراف وتحدٍ في آن واحد.
قالت: "حسناً، سأخبرك. أنا هنا من أجل أيتام الحرب".
انقطع الصمت فجأة. نهض كاراسو قبل أن تكمل آخر حرف، واضعاً يده على مسدسه. كانت حركته كسلك كهربائي يمر عبر الدائرة. همس الجلد، وصدح الفولاذ، ولبرهة، حبس الليل أنفاسه.
كانت كريستينا أسرع؛ فقد كان سلاحها جاهزاً وموجهاً، وصوت مطرقته نقرة باردة في الظلام. كانت فوهة السلاح على بُعد بوصات من فك كاراسو. زمجر كاراسو بصوت خشن: "أنتِ هنا لتأخذي عبيداً؟"
تزايد الضغط على المجموعة كعاصفةٍ وشيكة. وظلت الاتهامات معلقةً في صمت، وتلألأ تاريخ الصراع بين القراصنة والمستضعفين بينهم. اشتدّت قبضة زفير على فكّه؛ كان يكره الافتراضات، لكنه كان يكره تجاوز الخطوط الحمراء أكثر. لم يُقدم على منعها، ليس بعد، بل انتظر ليسمع، لأنه إن كانت كريستينا تستغل الأطفال كوسيلةٍ للربح، فسيقطع دابرها كما يُقطع العفن.
تركت كريستينا غضب كاراسو ينفجر أمام هدوئها، وقالت بصوت ثابت يكاد يكون متعباً:
"هل نستنتج الأمور هكذا اعتباطاً؟ اسأل نفسك هذا السؤال: إذا أطاحت الثورة بالتاج غداً، فماذا بعد؟"
لم تنتظر إجابة، بل سردت المستقبل كما لو كانت تحصي الجثث، وتحدثت بالحقائق كالمشرط، وشعر الثوار بكل جرح في كلماتها.
قالت كريستينا وهي تحدق في اللهب: "لن تكون هناك سعادة قصوى فورية. سيكون هناك ركام، وجوع، وسيأكل الجائعون من لا يستطيعون إطعامهم. إعادة البناء تتطلب مالاً ووقتاً وأكثر مما يمكن أن تشتريه خطاباتكم الرنانة. من سيبقى ليجمع تلك الأنقاض؟ من سيحمي المخازن من النهب إن بقي منها شيء؟ من سيعلم الأطفال كيف يثقون بدلاً من القتال؟"
جابت عيناها الدائرة واستقرت على زفير: "أنت وثوارك ستواصلون المسير، أنتم تفعلون ذلك دائماً – تنشرون الشعلة حيثما دعت الحاجة، لكنكم لا تصبحون أطباء أو نجارين. أنتم تلهمون، أنتم تضربون، لكن عملية إعادة البناء ليست رومانسية؛ إنها قذرة، مضنية، ولا تُنظم فيها الأغاني".
كانت الحقيقة غير المعلنة تحوم كالدخان: سيف الثورة حاد، لكنه لم يُصمم لترميم بلدٍ مُنهك. قد تتمكن القوة الثائرة من الاستيلاء على عاصمة، لكنها لن تستطيع دون موارد هائلة وإرادة قوية أن تُنقذ أمة بأكملها من حافة الهاوية بمفردها. لم يكن لدى أحد القوة البشرية أو الإمكانيات الكافية لرعاية كل يتيم، ويبدو أن أحداً لم يُفكر ملياً فيما سيحدث بعد سقوط الرايات.
قالت كريستينا: "إذن، لا داعي لموعظتك. إذا أنقذت أفعالي على الأقل بضع عشرات من الأطفال من الموت، إذا انتشلتهم من طريقٍ سيدفنون فيه بحلول الشتاء، فسأفعل ذلك. ليس لديك أدنى فكرة عن عدد هؤلاء الأطفال الذين ينتظرون المساعدة. وإذا كنت نبيلاً كما تدّعي، فخذهم أنت؛ أطعمهم، وآوهم، وعلّمهم. أرني، أثبت أن مُثُلك أسمى من مجرد كلام".
ابتعدت عن جذع الشجرة ووقفت. لمع رمز دون كيهوتي على عنقها وهي تخطو إلى حافة الدائرة المظللة. لم يكن هناك انحناء مسرحي، ولا استعراض، بل مجرد حقيقة بسيطة تُرِكت كعملة معدنية على الطاولة: لكل منهما لغته الخاصة في الرحمة.
لم يجد كاراسو رداً. بدا وكأنه على وشك الغضب، لكنه كان عاجزاً عن إيجاد إجابات. شعر فجأةً أن وزن المسدس في يده لا معنى له؛ فقد تغيرت موازين اللحظة.
راقب زفير كريستينا وهي تبتعد، بينما ألقت النيران بظلالها الطويلة. مرّ شيءٌ غامض على وجهه – ربما انزعاج، ولكن كان هناك أيضاً احترامٌ خافتٌ مترددٌ لامرأةٍ مستعدةٍ لتجاوز كل الخطوط لإنقاذ الصغار.
لم يتكلم هو، ولم يتكلم الآخرون؛ فقد حفرت كلمات كريستينا أعمق من أي سيف. ولأول مرة في تلك الليلة سمع الضباط صدى قاسياً وبارداً للسؤال الذي لم يتمكنوا من الإجابة عليه بعد.
خلف الحظيرة، اشتدت الرياح. كانت خريطة معركة الغد مطوية، لكن خريطة أخرى انطبعت في أذهانهم: خريطة ما بعد النصر، التي كانت فوضوية ومكلفة، ولم يذكر أحدٌ خطةً لها. كانت الحقيقة تفصل بينهم كجرحٍ لم يندمل بعد.
وفي اليوم التالي، اهتزت الأرض تحت وطأة الحرب.
دوّت مدافع الثوار من التلال، تنفث الدخان والنيران. وردّت مدفعية الجيش الملكي بزمجرة مدوية، مرسلة قذائفها فوق رؤوس الثوار لتحصدهم وسط ألسنة اللهب.
كانت أسوار "لوريدان" تغص بالجنود. انهمرت السهام والرصاص بينما ارتطمت السلالم بالحجارة. تسلق الثوار إلى الأعلى يقطعون بسيوفهم، ليُقذفوا وهم يصرخون إلى الحتوف بالأسفل.
صرخ الكابتن "فيريك"، وهو ضابطٌ مُكرّمٌ في جيش التاج: "اصمدوا على الأسوار!". لمع سيفه وهو يُسقط أحد المتمردين، ولكن مقابل كل متمرد يسقط، كان اثنان آخران ينهضان. قاتل الثوار بيأس، مدفوعين بسنوات من القمع، فاجتاحوا الأسوار كأمواجٍ تضرب جرفاً.
لجأ المدنيون إلى الأقبية خوفاً بينما كانت المدينة تترنح. سُوّيت أحياء بأكملها بالأرض جراء نيران المدافع الطائشة، وامتزجت صرخات الأبرياء مع صليل السيوف.
في أحد الشوارع، كانت امرأة تحتضن مولودها الجديد في مدخل منهار، تحميه من الأنقاض المتساقطة. رفعت بصرها فرأت جنوداً ملكيين يسحبون رجالاً من منازلهم بتهمة مساعدة المتمردين. وعندما صرخت مستغيثة، لطمتها يدٌ مُغطاة بقفاز حديدي وأسقطتها أرضاً.
لم تكن الحرب تعبأ بالبراءة.
في قاعات القصر الملكي المذهبة، كان الملك "هالبرشت الرابع" مسترخياً على عرش مرصع بالذهب. في الخارج كان شعبه ينزف، وفي الداخل كان هو يتجرع النبيذ الفاخر.
"جلالة الملك،" تلعثم وزير وهو يركع، "يضغط الثوار بشدة. نطلب تعزيزات من حكومة العالم، فبدون مساعدة—"
استهزأ هالبرشت قائلاً: "لقد وُعدنا بالمساعدة بالفعل. سيصل جنود البحرية قريباً، وسنحرق هؤلاء الأوغاد جميعاً. سيهرع عملاء حكومة العالم لإنقاذنا. إلى ذلك الحين، سنصمد؛ ففيلوس هي جوهرة الأزرق الغربي وسلة غذائه، ولن يسمحوا بتشويه جوهرتهم".
أدار كأس النبيذ في يده وأردف: "دع العامة يموتون في الشوارع؛ جثثهم أفضل من وجودهم كخونة".
مع حلول الغسق، تمكن الثوار من اختراق السور الخارجي، وامتد القتال إلى زواريب المدينة. تحولت المنازل إلى ساحات معارك، وأصبحت المداخل ثغرات للموت، وصَبغ الدم الحجارة المرصوفة باللون القاني.
اقتحمت فرقة من المتمردين مخبزاً، وسحبوا الخبز من الرفوف لإطعام رفاقهم الجائعين. ولكن عائلة الخباز كانت مختبئة تحت المنضدة، وعندما انكشف أمرهم، تردد المتمردون. رفع مراهق بالكاد يكبر ابنة الخباز الكبرى بندقيته، ويداه ترتجفان.
"أرجوك،" توسل الخباز، "لدينا أطفال".
زمجر قائد الصبي قائلاً: "ارحلوا… ارحلوا عن العاصمة وابحثوا عن الأمان في ضواحيها حتى تنتهي هذه الغمة…"
مع حلول الليل لم يحقق أي من الطرفين نصراً حاسماً، ولم يتبقَ سوى الجثث. احترقت العاصمة، وتحولت ساحتها النبيلة المتألقة سابقاً إلى أطلال مشوهة في مواجهة السماء المشتعلة. امتلأت الشوارع بجثث الثوار، وتناثرت جثث الجنود الملكيين محطمة، ودروعهم تلمع بحمرة الدماء.
وفي خضم كل ذلك كان الناس؛ مساعد الإسكافي الذي سُحق تحت عربة انقلبت، الخياطة التي اخترقها سهم طائش، والطفل الذي تاه عن القبو ولم يعد أبداً. لم تُعر الحرب أي اهتمام لهم.
عند الفجر كان الدخان ما زال يخنق الأنفاس. وفي أطلال كنيسة، جلست أمٌّ تحمل طفلها في حجرها. كان الصبي شاحباً، وقد انغرس حجر في صدره من جراء القصف. كانت أنفاسه ضحلة، وكل نفس أضعف من سابقه.
همست بأغانٍ هادئة وسط دموعها، تهزه برفق وكأنها تستطيع أن تعيد إليه الحياة. وفي الجوار كانت المقاعد محطمة والمذبح محترقاً. الأجراس التي كانت تدق للصلاة أصبحت الآن صامتة، معدنها ملتوٍ ومسودّ من اللهب.
في الخارج، أعاد الثوار تنظيم صفوفهم لشنّ هجوم آخر، ولا تزال الرايات الملكية ترفرف فوق القصر. ستستمر الحرب، ولكن بالنسبة للأم وللطفل، وللآلاف الذين قضوا نحبهم، لم يعد يهمّ من يتربع على العرش؛ فكل ما تبقى من فيلوس هو الرماد.