الفصل 129: درهم وقاية خير من قنطار علاج
سارت "إيزانامي " عبر الردهات متبعةً الحارس إلى قاعة الضيوف التي أُعدت خصيصاً لاستقبالها.
على عكس عشيرة "يوتشيها " التي بدلت معظم مبانيها من التصاميم القديمة إلى أخرى حديثة ، لا تزال عشيرة "هيوغا " متمسكة بهندستها المعمارية التي تعود لعصر الحروب ؛ وكأنهم جماعة من المتصلبين الذين يأبون التأقلم مع العصر الجديد.
ومع ذلك لهذا التمسك سحره الخاص ، لاسيما بالنسبة لـ "إيزانامي " التي عاشت دهوراً طويلة ؛ فلو لم تكن لهذه العشيرة تلك الأجواء المتسمة بالجدية والوقار ، لربما رغبت "إيزانامي " في المكوث هنا طويلاً.
لكنها في المقابل ، ستضطر لإغماض عينيها طوال الوقت حتى لا تقتل أحد أولئك الشيوخ المتزمتين الذين يسيئون استخدام سلطتهم.
"تفضلي بالجلوس يا سيدة إيزانامي ؛ ستصل المرطبات والحلويات بعد لحظات " هكذا تحدث الحارس الذي رافقها باحترام وهو يفتح لها الباب.
"حسناً " أومأت "إيزانامي " برأسها وهي تلج الغرفة.
كانت الغرفة بسيطة ومفروشة بحصير "التاتامي " في كل أرجائها ، وبها باب منزلق يفتح جانباً ليتسنى للمرء تأمل الحديقة الصغيرة. وفي منتصف الغرفة ، وُضعت طاولة صغيرة ووسادتان للجلوس.
توجهت "إيزانامي " إلى وسط الغرفة وجلست ؛ وبصفتها ممن عاشوا في العصور السحيقة كانت معتادة على الجلوس بوضعية "الحجم " (الجلوس على الركبتين) ، رغم أنها لا تزال تفضل الجلوس على كرسي.
ثم حولت بصرها نحو الحديقة لترى إن كان ثمة ما يثير الاهتمام ، وكان عليها فعل ذلك لأنها بدأت تشعر بالضيق من كل تلك الأعين التي كانت ترقبها.
"تنهدت في سرها قائلة: أكلّ أعضاء عشيرة هيوغا متلصصون ؟ ألا ينبغي عليكم على الأقل انتظار زعيمكم قبل أن تقرروا التجسس علي ؟ "
منذ اللحظة التي دخلت فيها تلك الغرفة ، شعرت "إيزانامي " بأكثر من عشرين نظرة تركز عليها ، ولم تكن بحاجة لتخمين هوية أصحابها ؛ فمن غير شيوخ العشيرة -الذين أمرتهم ضمنياً بعدم الظهور- قد يرغب في التجسس عليها ؟
وهؤلاء القوم يفتقرون حقاً إلى الاحترافية ؛ فنياتهم كانت واضحة لدرجة أن أي "جونين " أو نينجا متخصص في الاستشعار كان ليدركها بسهولة. حيث كان يجدر بهم أن يأخذوا بعض الدروس من "جيرايا " الذي يعد سيداً في فن التلصص.
رغم ذلك هل يملك هؤلاء المنحرفون في الخفاء الشجاعة لمثل هذا الأمر ؟ لكنهم دائماً ما يجدون الفرصة للتلصص على المدنيين الذين لا يملكون وسيلة لكشف نظراتهم.
شيء واحد يُميز الناس في هذا العالم هو أن معظمهم يتمتعون بجمال الملامح وقوام متناسق ، وإن كان أغلبهم يميلون إلى النحافة ، لكنهم مع ذلك يمتلكون أجساداً ممشوقة.
لحظة.. لماذا هناك نظرة تتفحص صدرها ؟ هل يوجد بينهم شيخ مريض بالولع بالأطفال ؟
وبينما كانت تعابير وجه "إيزانامي " على وشك أن تتغير غضباً ، انفتح أحد الأبواب المنزلقة في الجهة المقابلة.
"السيدة إيزانامي ، وصلت الوجبات الخفيفة التي طلبتِها " جاء صوت يبعث الراحة في النفس ، تزامناً مع دخول فتاة ذات شعر أسود طويل وعينين بيضاوين مع ابتسامة خجولة.
توقفت "إيزانامي " التي التفتت لتقول شيئاً ما ؛ اتسعت عيناها وبدأ جسدها يرتجف.
*****
في قلب عشيرة "هيوغا " يوجد مبنى يُعرف بقاعة الاجتماعات الرئيسية. يتألف هذا المبنى من غرفة واحدة ، وهو المكان الذي تُتخذ فيه كافة قرارات العائلة.
عادة ، لا يُفتح هذا المبنى إلا عندما يعقد زعيم العشيرة اجتماعاً ، لكن الغرفة الآن تعج بمجموعة من الأشخاص.
كان هؤلاء يرتدون ملابس تقليدية فاخرة تفوق ما يرتديه بقية أفراد العشيرة ، وكانت عيونهم بيضاء ووجوههم مكسوة بالتجاعيد. لم يضعوا عصابات الرأس أو أي شيء مما يستخدمه عامة أفراد "هيوغا " مما يشير إلى مكانتهم كجزء من العائلة الرئيسية.
ورغم كبر سنهم كان لديهم قاسم مشترك واحد ، ألا وهو الغطرسة التي تجري في عروقهم ؛ لقد كانوا أشبه بجماعة من النبلاء الذين يكثر رؤيتهم في عاصمة "بلاد النار ".
"أيها الشيخ الأكبر ، هل الأنباء صحيحة حقاً ؟ هل جاءت تلك الفتاة إلى عشيرتنا بالفعل ؟ " سأل أحد الشيوخ وهو ينظر إلى أكبرهم سناً.
"نعم ، لقد أكد لي رجالي ذلك للتو " أجاب من نادوه بالشيخ الأكبر.
"إذن علينا الذهاب لاستقبالها. وبما أن الزعيم 'هياشي ' ما زال في مبنى الهوكاجي ، فمن واجبنا نحن الشيوخ الترحيب بضيفتنا " تحدث شيخ يبدو أنه الأصغر سناً بينهم بلهجة تملؤها الزيف.
لكن الخبث في عينيه كان يشي بأمر آخر تماماً ؛ فيبدو أنه ينتمي للفصيل الذي يرغب في إثارة المتاعب للزعيم ، وربما كان يطمع في بناء صلة مع "إيزانامي " ليعزز نفوذه داخل العشيرة.
"لا ، لن نفعل ذلك. و لقد ذكرت السيدة إيزانامي تحديداً أنها هنا لمقابلة الزعيم " تحدث أحد الشيوخ المعارضين على الفور. حيث كان هذا الرجل جزءاً من الفصيل الداعم للزعيم ، وكان ذلك الحارس عند الباب واحداً من رجاله ، لذا كان على دراية تامة بالأمر.
"أجل ، لا نريد إغضاب السيدة إيزانامي بتصرفاتنا غير الضرورية. لا يمكننا السماح لعشيرة 'هيوغا ' بمواجهة نفس الكارثة التي حلّت بـ 'دانزو ' " وافقه شيخ آخر.
عند سماع كلماته ، شعر بقية الشيوخ بقشعريرة تسري في أجسادهم حتى إنهم ابتعدوا لا شعورياً عن ذلك الشيخ الشاب.
أما ذلك الشيخ الطموح ، فقد كان يريد البكاء دون دموع ؛ فقد تبخرت خطته بالكامل بسبب تلك الكلمات العابرة والقاسية ، والأدهى أنه ربما خسر المزيد من نفوذه في مجلس الشيوخ بسبب تصرفه هذا.
ظل الشيخ الأكبر الذي شهد كل هذا ، صامتاً. فبصفته عاش طويلاً أكثر منهم جميعاً ، فقد عاصر هذا المشهد مرات عديدة. وإلى جانب ذلك كان انتباهه منصبّاً على شخص آخر.
بفعله لـ "البياكوغان " ظل يراقب "إيزانامي " التي كانت تُرافق إلى الغرفة. وعلى الرغم من أن "إيزانامي " تعيش في "كونوها " منذ أكثر من عام إلا أن المعلومات عنها شحيحة جداً.
لهذا السبب أراد الشيخ الأكبر تحليلها ؛ فقد أراد معرفة سبب قدومها لعشيرة "هيوغا " وما هي حقيقتها.
وفي الحقيقة كان يشعر بالخوف منها ؛ فهذه الفتاة الصغيرة تتمتع بنفوذ هائل لدرجة أنها استطاعت تغيير "الهوكاجي " نفسه ببضع كلمات. ولهذا السبب تمادى إلى حد استخدام "البياكوغان " للتجسس عليها.
إنه دائماً من النوع الذي يؤمن بمبدأ "درهم وقاية خير من قنطار علاج ".
لسوء الحظ ، وبسبب انشغاله لم يدرك أن الشيوخ الآخرين الذين كانوا يتجادلون قبل لحظات ، بدأوا هم أيضاً باستخدام "البياكوغان " للتجسس على "إيزانامي ".
لقد كانوا من النوع الذي يحب ركوب الموجة ؛ فبمجرد أن رأوا الشيخ الأكبر يتجسس على شخص ما ، أرادوا تقليده ، فإذا ما انكشف أمرهم و يمكنهم دائماً إلقاء اللوم على الشيخ الأكبر.
حقاً ، هؤلاء الذين لم تطأ أقدامهم أرض المعارك الخطرة لا يدركون مدى خطورة أفعالهم.
فمن المعروف أن النساء حساسات جداً تجاه نظرات الرجال ، وما بالك بنظرات أكثر من عشرين رجلاً ؛ لذا سيكون من قبيل المعجزات ألا يتم اكتشافهم.
"هاه! " صرخ أحد الشيوخ فجأة مندهشاً ، مما جعل البقية يلتفتون نحوه.
ولكن قبل أن يسألوه عن ماذا يجري ، شعروا جميعاً فجأة بضغط هائل هز كيانهم بأكمله. وقبل أن يدركوا ما حدث ، بدأ الجميع يفقدون وعيهم. أما الشيخ الأكبر الذي كان آخر من سقط ، فلم يلمح سوى "إيزانامي " وهي تنظر إليهم بعينيها الحمراوين قبل أن يغيب عن الوعي هو الآخر.
وبينما كان جميع شيوخ عشيرة "هيوغا " مغشياً عليهم لم يكن أحد يعلم بذلك وسيستمر الحال على ما هو عليه حتى يعود "هياشي " إلى العشيرة ؛ فبخلافه ، لا يجرؤ أحد على دخول الغرفة التي يجتمع فيها جميع الشيوخ.
قواعد عشيرة "هيوغا " محفورة في عظامهم ؛ لذا لن يجرؤ الحراس حتى على استخدام "البياكوغان " للاطمئنان عليهم ، خوفاً من العقاب بتهمة التجسس أو الإزعاج. ومن المفارقات الساخرة أن الشيوخ أنفسهم هم من كانوا يتجسسون.