Switch Mode

الإحياء الغامض 1610

الطريق القديم


في مواجهة قوى غامضة وخارقة للطبيعة، لم يجرؤ وانغ بينغ على التهاون؛ فبالرغم من اطلاعه الواسع على ملفات الحوادث الماورائية التي خلفها والده، وإدراكه لكيفية التصدي للأشباح الشرسة، إلا أنه لم يختبر ذلك فعلياً من قبل، لذا كان الحذر الشديد واجباً لا مناص منه.

"جائع... أنا جائع..."

كان ذلك الرجل الغريب، القابع ببدلته الرسمية على طاولة الطعام، لا يزال يردد الكلمات ذاتها بصوتٍ متهدج وغير واضح، وكأنه قد فقد صوابه تماماً.

ثبت وانغ بينغ نظراته عليه لبرهة، ثم استنتج في قرارة نفسه: "إنه عاجز عن التواصل الطبيعي، وهذا يعني أنه ليس مروضاً للأشباح، بل على الأرجح هو شبح شرس، لذا لا مجال هنا للخطأ في التقدير أو القتل الخطأ".

وعندما استقر في ذهنه هذا الخاطر، انتقلت نظراته إلى ما خلف الرجل ذي البدلة.

هناك، وقف خلفه كيانان باردان يبعثان القشعريرة في الأبدان؛ رجل عجوز وامرأة عجوز، أحدهما عن اليمين والآخر عن اليسار. كانا بوجهين غضنين تملأهما التجاعيد، وبدا جسداهما بلونين أبيض وأسود، وكأنهما خرجا للتو من لوحة زيتية قديمة، في مشهد يثير الاشمئزاز والرهبة.

لم يكونا سوى جده الأكبر وجدته الكبرى، وهما يمثلان الجيل الأكثر بطشاً وشراسة من أشباح عائلة "وانغ".

أما إلى جوار وانغ بينغ، فكانت هناك روحان تبدوان أصغر سناً، إحداهما تعود لوالده، وانغ تشالينغ.

"أبي، احمني"، هكذا هتف وانغ بينغ، متبعاً عادته في طلب الحماية من والده كلما أحدق به خطر أو واجه معضلة.

كانت روح وانغ تشالينغ تحوم في الأرجاء، تذود عن وانغ بينغ وتمنع أي سوء من الدنو منه. ولم يكن وانغ بينغ ليجرؤ على الإقدام بشجاعة لولا وجود روح والده إلى جانبه، التي تبدد مخاوفه من أي عواقب مستقبلية؛ فقد أدرك أن كل الأشباح الشرسة التي سخرها والده قبل رحيله كانت تهدف لغاية واحدة: حمايته.

أصدر وانغ بينغ أمره قائلاً: "فككاه".

وما إن نطق بالأمر، حتى مد العجوزان المرعبان ذراعيهما وقبضا على كتفي الرجل الغريب من الجانبين. تمايل جسداهما النحيلان قليلاً، ثم وقع ما لا يصدقه عقل؛ بدأ جسد الرجل ذي البدلة يتمزق إرباً، كأنه لوحة ورقية مسطحة تُهتك، دون أن يصدر عنه صرخة واحدة أو يبدي أي ألم، وكأن الأمر يسير وفق سياق طبيعي تماماً.

راقب وانغ بينغ المشهد بهدوء، بينما كان عقله يشرد في كيفية التخلص من الأشلاء لاحقاً؛ هل يواريه الثرى في مكان مجهول، أم يحبسه في "البيت الآمن" الذي تركه والده؟

ولكن، في تلك اللحظة الحرجة..

وبينما كان الجسد على وشك التلاشي، تشنج وجه الرجل ذي البدلة فجأة، وانفتح فوه بفتحة واسعة كأنه يطلق صرخة صامتة، فاستحال حلقه إلى لون أحمر قانٍ، كأن لهيباً خامداً منذ أمد بعيد قد استعر فجأة.

امتقع لون وانغ بينغ وتراجع للوراء بسرعة، مستشعراً القوة غير العادية الكامنة في ذلك اللهب؛ فرغم كونه إنساناً عادياً، شعر بقشعريرة باردة تسري في جسده تحت وطأة ذلك الوهج.

تأجج ضوء النار وازداد سطوعاً، وبدا وكأنه سيحرق الرجل بالكامل، غير أن هجوم الجد الأكبر والجدة الكبرى الخارق للطبيعة كان أسرع.

دوى صوت تمزيق عنيف، فانشطر جسد الرجل إلى نصفين، وخمدت النيران التي كانت على وشك الاشتعال وانطفأ أثرها.

عليك أن تدرك أن قوى أجيال عائلة "وانغ" لا تفكك الأجساد فحسب، بل تبطل مفعول كل ما هو خارق للطبيعة أيضاً.

"هل انتهى الأمر؟" تنفس وانغ بينغ الصعداء أخيراً.

يبدو أن سجلات والده لم تكن تكذب؛ فأرواح عائلة "وانغ" كانت من أعتى الأرواح، وقدرتها على سحق الأشباح الشرسة الأخرى بسهولة في عصر انبعاث الخوارق كانت من الطراز الأول.

سقطت الجثة هامدة فاقدة لأي قدرة على الحركة أو إبداء رد فعل. وعندئذٍ، أمر وانغ بينغ أجداده من الجيل الثاني، "وانغ لو" وزوجته، بتفتيش الجثة بحثاً عن أي أدلة أو مقتنيات؛ إذ كانت بعض الأشباح الشرسة تحمل أدوات خارقة تمنح صاحبها قوى غريبة تساعد في ترويض الأرواح.

ولسوء الحظ، لم يعثروا على أدوات خارقة، لكنهم وجدوا في جيب سترته بطاقة هوية.

"بطاقة ذهبية؟" ارتفع حاجبا وانغ بينغ دهشة.

من المعروف أن القوى الخارقة لا تؤثر في الذهب، لذا فإن صنع بطاقة من الذهب يعني أن هذا الرجل لم يكن مجرد شبح، بل كان على الأرجح "مروض أشباح".

التقط البطاقة بحذر، فلاحظ أنها رغم مرور السنين الطويلة لا تزال تلمع كأنها صُنعت اليوم.

"المدير - تشانغ لي".

عندما قرأ وانغ بينغ الاسم، اضطربت مشاعره: "كيف يعقل هذا؟ هل كان مروض أشباح من جيل والدي؟"

كان يعلم أنه قبل ستين عاماً، ولمواجهة انبعاث الخوارق، كان لكل مدينة "مدير" مسؤول عن إدارة الأحداث الماورائية وحماية السكان. غير أنه مع انحسار ذلك العصر، أُلغي المنصب واختفى أولئك المدراء ولم يعد لهم أثر، ولم يعد أحد يكترث لمصيرهم، ظناً بأنهم هلكوا في غياهب النسيان.

"الأسرار المدفونة منذ ستين عاماً بدأت تطفو على السطح، ويبدو أن فجراً جديداً للخوارق أوشك أن يبزغ"، تمتم وانغ بينغ وهو يضغط على البطاقة الذهبية، والقلق يعتصر قلبه؛ فإذا عاد ذلك العصر كما وصفته السجلات، فإن الجميع سيواجهون رعباً ويأساً لا قبل لهم به.

"لكن الوضع اليوم يختلف عما كان عليه قبل ستين عاماً، فهذا العصر يضم شخصاً استثنائياً".

ثم رمق وانغ بينغ بطرفه صحيفة ملقاة على الطاولة، ربما نسيها أحد الزوار، وكانت تتصدر صفحتها الأولى كلمتان بخط عريض وواضح: "يانغ جيان".

في تلك اللحظة..

في بلدة متهالكة طغت عليها الأعشاب البرية وهجرها الإنس منذ عقود، تسبب ظهور شخص واحد في ذعر أسراب الطيور التي اتخذت من البيوت القديمة عششاً لها، محطماً الصمت المطبق الذي خيم على المكان.

ورغم مرور ستين عاماً، ظل هذا المكان معزولاً عن العالم؛ فلا أحد يطأ أرضه سوى الحيوانات البرية، ولا أحد يذكر اسم هذه المدينة المنسية.

لكن "يانغ جيان" لم ينسَ.

قبل ستين عاماً، كانت تُعرف ببلدة "بايشوي".

كانت بلدة وادعة قبل أن يكتسحها الخوارق ويحولوها إلى واحدة من أخطر البؤر الماورائية في العالم، لدرجة أن قادة مروضي الأشباح كانوا يتحاشون القرب منها، مما اضطر السكان للنزوح وعزل المنطقة تماماً.

سار يانغ جيان وحيداً في الطريق المهجور، وبدت صورته ضبابية مهتزة، كأنه كيان لا ينتمي لهذا الواقع.

ومع تقدمه، تبدل المشهد تماماً؛ اختفى الطريق المعشب واستحال شارعاً يمتد في دياجير الظلام، نظيفاً وخالياً، وحلت محل الأشجار الطويلة مجموعات من الزهور الغريبة، التي تبين عند التحديق فيها أنها ليست زهوراً طبيعية، بل أزهار ورقية مطوية ببراعة وألوان شتى.

أما المباني، فكانت هي الأكثر غرابة؛ فرغم مرور ستين عاماً من التحلل، عادت لهيئتها الأصلية، بل إن بعضها كانت تتدفق منه الأضواء وكأنها مأهولة بالسكّان.

وبينما كان يتقدم في الطريق الأسود، بدأت أشباح المارة بالظهور، يتسكعون بلا هدى كأنهم في انتظار غائب.

ومع اقتراب يانغ جيان، بدأ أولئك الناس يتجمهرون نحوه، وأخذت وجوههم الضبابية تتضح شيئاً فشيئاً.

بلمحة سريعة، ميز يانغ جيان وجوهاً مألوفة بين الحشد: "لي جون"، "تساو يانغ"، "وانغ تشالينغ"، "شوه دينغ"... وحتى "تشانغ وي" و"مياو شياوشان".

كلهم رفاق وأشخاص عرفهم، لكنهم جميعاً قد فارقوا الحياة؛ فهذا الطريق لا تطؤه إلا أرواح الموتى.

اقتربت تلك الوجوه المألوفة، ممددة أيديها بتعابير جامدة تشي بلهفة خفية، آملين أن ينتشلهم يانغ جيان ويعيدهم إلى عالم الأحياء.

فوفقاً لأسطورة بلدة "بايشوي": إذا تمكنت من إخراج روح ميت من هنا، فستبعث حية في الواقع.

لكن الأساطير تظل أساطير، ويانغ جيان كان يدرك الحقيقة المرة؛ فهذه الأرواح ليست بعثاً حقيقياً، بل هي أرواح شريرة تتقمص هيئة الراحلين من الذاكرة، ولهذا التقليد أمد محدد، فبمرور الوقت ستتبدل تلك الملامح المألوفة لتصبح وجوهاً مرعبة لا تختلف عن الأرواح الشريرة، ولن يبقى من الميت سوى ذكرى وجهه القديم.

تجاهل يانغ جيان تلك الأرواح وواصل مسيره بصلابة. ومهما حاولت تلك الأرواح الدنو منه، لم تكن لتجرؤ على إعاقته أو لمسه، بل كانت تتجنبه وتفسح له الطريق؛ ليس لقوة خارقة استعملها، بل لأن لهذا الطريق قواعد صارمة: فالحدود بين الموت والحياة لا يكسرها إلا الأحياء، ولا يملك الأموات تجاوزها.

ومع التوغل أكثر، اتسع الطريق وتوارت المباني، وقل عدد الأرواح الهائمة. وفي تلك العزلة، انتصب أمام يانغ جيان منزل خشبي عتيق لم ينل منه الزمن شيئاً.

قبل ستين عاماً، كان هنا لإنقاذ "وانغ تشينشان". أما اليوم، فلم يأتِ لإنقاذ أحد، بل ليفي بوعد قطعه على نفسه.

دخل المنزل الخشبي متجاهلاً كل الأخطار، ليجد بداخله توابيت عدة؛ بعضها مشرع الأغطية وبعضها لا يزال موصداً.

"لقد جئت"، رن صوت يانغ جيان بارداً حازماً.

وبعد صمت طويل، أتاه رد واهن من ناحية الدرج الخشبي المؤدي للطابق العلوي: "ثلاث سنوات تلوها ثلاث، وثلاث أخرى تتبعها ثلاث... لقد مرّ دهر من الزمن. وعدتني بأن تنقذني من هنا لكنك نكثت بعهدك. لو كنت أعلم أن هذه ستكون نهايتي، لما مددت لك يد العون في ذلك اليوم".

ثم استدرك الصوت بفزع: "لا... هذا ليس صحيحاً، أنت لست هو... أنت ذلك... الطفل الشبح".

قال يانغ جيان بنبرة قاطعة: "الأمر سيان".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط