الفصل 745: المغادرة
كنا قد حزمنا أمتعتنا وأصبحنا على أهبة الاستعداد لمغادرة "دراغوس"؛ أُخلي الرصيف تماماً للإقلاع، وكان دويّ محركات السفن القريبة يتردد في الأرجاء، كأنه تذكير دائم بأن السكون لا يعرف مكاناً هنا.
وقف "خارزون" بالقرب من الحافة، وقد عقد ذراعيه فوق صدره، ودرعه محكم الإغلاق، وقد استعاد هيبته الرسمية ووقاره، متخلياً عن تلك العفوية التي بدت عليه خلال الاحتفال. وقف "ساليوس" إلى جانبه، منتصب القامة، بتركيز حاد وعينين ترقبان كل شاردة وواردة دون أن تستقرا على شيء بعينه.
كسر "خارزون" حدة الصمت قائلاً: "لقد غيرتم مسار هذه الحرب بالنسبة لنا، ليس فقط فيما يخص هذا الصدع أو هذا الكوكب فحسب، بل في الطريقة التي سنخوض بها معاركنا من الآن فصاعداً".
هززتُ رأسي بخفة وقلت: "لقد كشفتُ الغطاء عن ثغراتكم الخفية ليس إلا، فأنتم تملكون القوة بالفعل، وستتولون إتمام الباقي".
حدق بي للحظة، كأنه يتردد في مجادلتي، ثم آثر الصمت لبرهة قبل أن يقول: "ربما، ولكن الثغرات الصغيرة هي التي تهوي بالإمبراطوريات".
ثم التفت "ساليوس" نحوي قائلاً: "لقد فعلتم ما هو أكثر من مجرد تحسين استراتيجيتنا؛ لقد منحتمونا الوقت، وفي حرب كهذه، الوقت هو أثمن الموارد على الإطلاق".
توقف لبرهة، ليدع كلماتهِ تترك أثرها في نفوسنا، ثم أردف: "لم ندرك مدى حاجتنا الماسة إلى ذلك الوقت إلا حين قدمتموه لنا".
لم يكن في نبرته أي زيف أو تملق، بل كان الصدق وحده ما يطغى عليها، وأضاف بهدوء: "شكراً لكِ".
أملتُ رأسي إيماءةً بالقبول.
خلفنا، وعلى بُعد مسافة قصيرة، وقف "بريموس" مع "لانا". لم تكن تشبه تلك المرأة التي رأيتها لأول مرة في القاعة؛ فقد تلاشت تلك الثقة الطاغية التي كانت تتحلى بها، مخلّفة وراءها انكساراً وهدوءاً مشوباً بالهشاشة. لم تكن تنظر إلى أحد، بل بقيت نظراتها معلقة في فراغ ما بين ألواح سطح السفينة والسماء المفتوحة.
لم يلمسها "بريموس"، لكنه وقف على مقربة منها بحيث لم يترك لها مجالاً للابتعاد.
مشيتُ نحوه، فلاحظ اقترابي واستدار إليّ، وكان تعبير وجهه ثابتاً ومتحكماً، لكن ثقلاً غامضاً بدا واضحاً في عينيه الآن.
قلتُ: "إلى هنا ينتهي طريقنا معاً".
أومأ برأسه وقال: "أجل، سأعيدها إلى موطنها".
لم يشُب صوته أي تردد.
مددتُ يدي إليه، فصافحني على الفور بقبضة قوية مألوفة تبعث على الطمأنينة.
قلتُ له: "سأترك لكَ الجانب الشيطاني؛ وأي مهمة تُوكل إليك من الآن فصاعداً، أتمّها على أكمل وجه. لا تماطل، ولا ترضَ بالقليل، وانطلق لترتقي إلى أعلى المراتب".
ضغط بأصابعه على يدي قليلاً وقال: "هذا ما كنتُ أصبو إليه".
نظرتُ في عينيه مباشرة وأضفتُ: "أنا جادة، سأحتاج إليك يوماً ما، ليس كمجرد تابع أو ظهير، بل سأحتاج إليك وأنت سيد قرارك، تعتمد على نفسك تماماً".
أخيراً، ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، لم تكن تلك الابتسامة الماكرة التي اعتاد عليها، بل كانت أكثر هدوءاً وواقعية.
قال: "سأكون عند حسن ظنك، ولن أجعلكِ تندمين على هذه الثقة".
وقبل أن أنطق بكلمة، تقدم خطوة وجذبني إلى عناق قصير مفعم بالقوة.
همس قائلاً: "شكراً لكِ على كل شيء".
لم أحر جواباً، فقد كان الصمت أبلغ من أي كلام.
ابتعد عني، ثم استدار واتجه نحو السفينة الصغيرة المنتظرة في الطرف الآخر من الرصيف. تبعته "لانا" بعد لحظة بخطوات وئيدة ومترددة، لكنها تبعته في النهاية. وحين أُغلق الباب وبدأ هسيس المحركات، لم ألتفت لأشاهد رحيلهما.
فبعض النهايات لا تحتاج إلى شهود.
اقترب "خارزون" مجدداً، وكان يمسك هذه المرة بجسم صغير مختوم في إحدى يديه المكسوتين بقفاز. كان الغلاف معدنياً داكناً، ثقيلاً مقارنة بحجمه، ومنقوشاً برموز تفيض هيبة حتى قبل تفعيلها.
قال وهو يضعه في يدي: "هذه القطعة تحمل ختم ملك الشياطين، وستمنحكِ حق المرور إلى القطاع صفر".
توقفتُ للحظة، وشعرتُ بثقل القطعة في كفي.
قلتُ: "المركز".
أومأ برأسه مؤكداً: "العناصر، والناغا، والفيران.. جميعهم يتخذون من ذلك القطاع مقرات رئيسية لهم. الدخول إلى هناك.. مراقب بدقة".
قلّبتُ الرسالة المختومة في يدي وقلت: "هذا سيسهل الأمور كثيراً".
عقب "ساليوس": "بالتأكيد، وسيكون لوجودكم هناك صدى ملحوظ".
نظرتُ إليه وقلت: "جيد".
انفصلت سفينتان ضخمتان عن المنصات المجاورة، وقد نُقش على هياكلهما شعار "دراغوس" بوضوح. تحركتا إلى موقعهما دون أي مراسم، وحاصرتا سفينتنا بمهارة المحاربين المتمرسين.
كانتا مرافقين حارسين.. ورسالة صامتة للقوة.
ألقى "خارزون" نظرة خاطفة نحوهما وقال: "سيرافقونكم حتى الحدود، وبعدها ستكونون وحدكم".
أجبتُه: "هذا يناسبني تماماً".
أومأ برأسه مرة واحدة وقال: "إذن، انطلقي. فدراغوس لا ينسى أبداً من وقف معه".
وقبل أن نصعد على متن مركبتنا، تحول انتباهي إلى جانب الرصيف.
وقف "ستيف" على مسافة قصيرة مع "مازيكين"، قريبين بما يكفي للحديث، وبعيدين لدرجة توحي بجهلهما بما يجب أن يفعلاه في لحظة الوداع هذه. وفر ضجيج السفن المغادرة وطواقمها غطاءً لحديثهما، لكن الارتباك بينهما كان جلياً لا يخطئه بصّر.
قال "ستيف" وهو يفرك مؤخرة عنقه، وزاغت عيناه بعيداً عن وجهها: "إذن، يبدو أن ساعة الرحيل قد حانت".
شخرت "مازيكين" بهدوء وقالت: "لقد لاحظت ذلك.. وداع درامي حافل، مع مرافقة عسكرية وكل تلك الجلبة".
رسم "ستيف" ابتسامة متوترة وقال: "أجل، أعتقد أن هذا هو نمط حياتي الجديد الآن".
ساد بينهما صمت مؤقت.
قال أخيراً: "اعتني بنفسكِ، فدراغوس ليس مكاناً يرحم الغرباء".
نظرت إليه حينها ورفعت حاجبها قائلة: "هل أنت قلق عليّ؟".
أجابها بجدية: "أنا واقعي، وربما قلق بعض الشيء".
انحنت شفتاها عن ابتسامة خفيفة وقالت: "جيد، كنتُ أخشى أنك قد نسيتني بالفعل".
تردد قليلاً ثم أضاف: "إذا أصابكِ مكروه، فسأعود".
ضحكت ضحكة خافتة تحمل نبرة خطيرة وقالت: "للانتقام؟".
قال: "شيء من هذا القبيل، وإلا فلن يكون الأمر عادلاً".
اقتربت "مازيكين" منه وقالت: "على رسلك، لقد كانت ليلة واحدة فقط، وقد نجوتُ مما هو أسوأ بكثير".
تراجعت خطوة إلى الوراء، وألقت عليه نظرة أخيرة قائلة: "ولكن، إياك أن تموت هناك".
راقبها "ستيف" وهي تولي ظهرها، ثم زفر ببطء وعاد نحونا وعلى وجهه علامات التفكير العميق.
صعدنا على متن سفينتنا بعد ذلك بوقت قصير، بينما بدأت المنصة تخلو من الحركة خلفنا.
باستثناء "بريموس"، عدنا جميعاً إلى السفينة. وبينما كانت "دراغوس" تتوارى خلفنا، شعرتُ بجاذبية مألوفة تستقر في صدري، لم تكن نابعة من الكوكب الذي نغادره، بل من شيء جديد ينتظر في الأعماق. كان هناك استدعاء واحد لم أفعّله بعد، استدعاء تعمدتُ كبحه حتى نبتعد عن "دراغوس"، وزاد ترقبي لرؤيته أخيراً من حدة تركيزي بينما كانت السفينة تشق طريقها في الفضاء السحيق.
ومع ارتقاء السفينة، أخذ كوكب "دراغوس" يتضاءل تحتنا.
من هذا العلو، كان التباين صارخاً لا يمكن إغفاله؛ فنصفه المتحضر يمتد في أنماط منظمة، بأنوار مهذبة وبنية أحكمتها الإرادة والتقاليد. أما الجانب الآخر خلفه، فكان عالماً جامحاً يغلي بلا هوادة، كأنه ندبة حية من اللهب والفوضى والحرية، حيث تجوب الشياطين بلا رادع، وحيث القوة هي المقياس الوحيد للبقاء.
كوكب واحد.. وحقيقتان متناقضتان.
ولا يحاول أي منهما التظاهر بأنه الآخر.
ألقى "ستيف" نظرة خاطفة إلى الوراء وقال بابتسامة باهتة: "إذن، القطاع صفر هو وجهتنا التالية؟".
أجبتُه: "في نهاية المطاف".
اخترقت السفينة طبقات الجو العليا، فتلاشى الحر والرماد ليحل محلهما برد الفضاء المفتوح وسكونه، وتقلص حجم "دراغوس" خلفنا شيئاً فشيئاً.
اتخذت سفن المرافقة تشكيلها الحربي دون نبس ببنت شفة.
وفي الأفق البعيد، كانت المجرة بأسرارها تنتظرنا.