جالسةً على صخرةٍ في ساحة التدريب ، صببتُ تركيزي بالكامل على نوعَي المانا المختلفين داخل جسدي ؛ لدغة الريح الباردة الحادة ، وجريان الماء الدافئ الرقيق.
كنتُ أشعر بهما بسهولة ؛ لم تكن تلك هي المشكلة.
المشكلة الحقيقية كانت تكمن في محاولة التلاعب بالمانا داخل جسدي بدقة متناهية ، وبالأخص السيطرة عليهما كليهما في آنٍ واحد.
كان الأمر أشبه بالمُناورة إلا أنه عوضاً عن كرتين متطابقتين تُقذفان من يدٍ لأخرى كانت إحداهما بالون ماءٍ والأخرى كرة تنس طاولة ، مما جعل مهمة التوفيق بينهما عسيرة للغاية.
كان استخدام كليهما في آنٍ واحد أمراً مزعجاً ، فأطلقتُ همهمة أخرى غاضبةً حين شعرتُ بأن قبضتي على المانا الرياح تتفلت مني.
تنهدتُ ، ثم أخذتُ أنفاساً عميقة قليلة وبدأتُ من جديد.
متلمسةً اللذعة الحادة لمانا الرياح ، وجهتُها بلطف حول جسدي.
بعد بضع دورات ، حبستُ أنفاسي بينما كنتُ أحاول إبقاء المانا الرياح متحركةً حينما أمسكتُ بالمانا الماء المتدفقة.
أرسلتُها تتدفق عبر جسدي جنباً إلى جنب مع المانا الرياح ، فغمرني شعورٌ بالدوار حين تمكنتُ من إبقائهما تتحركان بذات الوتيرة.
استطعتُ أن أشعر بهما تتحركان متجاورتين ، مما جعلني أرتجف قليلاً من هذا الشعور الغريب.
ولكن ، ها قد حان الجزء الأصعب.
أخذتُ المانا الرياح ، وجهتُها فوق المانا الماء ، قبل أن ألفّها حول تيار المانا الماء بأكمله.
مستخدمةً المانا الماء كـ 'نواة ' ، سمحتُ ببطء لمانا الرياح أن تتغلغل في المانا الماء ، فارتعش جسدي بينما صار يبرد شيئاً فشيئاً.
ومع بدء اندماج تيارَي المانا ، لهثتُ حينما اندلعت المانا الماء ، دافعةً المانا الرياح إلى الخارج.
صككتُ أسناني بينما وخزت المانا الرياح داخل جسدي ، وكأن آلاف الإبر الصغيرة تحاول يائساً الفرار من عروقي.
تاركةً المانا المختلفة تتحرر ، لهثتُ بينما عاد جسدي إلى توازنه ، قبل أن أحاول من جديد.
للأسف لم أتمكن من السيطرة على التيارَين في آنٍ واحد مرة أخرى ، وارتعشتُ بينما تسارعت المانا الماء خاصتي لتتجنب المانا الرياح.
فتحتُ عيني ، وشاهدتُ جاحي تمارس روتينها المعتاد ، وجلدها الأزرق الشاحب يتلألأ بالعرق.
نظرتُ إلى جسدي المبلل ، وتنهدتُ بانزعاج.
كان هذا اليوم الخامس الذي أحاول فيه هذا ، وكل فشل كان مثبطاً للعزيمة.
على الرغم من إخفاقاتي المتواصلة ، كنتُ مصممةً على إتمام عملية الدمج. حيث كانت رغبتي في استخدام سحر الجليد أقوى من أن أتوقف هنا فحسب. حيث فكرة القدرة على تجميد الأشخاص واستدعاء عواصف من الجليد والبَرَد كانت شيئاً لطالما حلمتُ به.
أرحتُ رأسي المتألم لبرهة ، وتاهَ ذهني بينما شاهدتُ جاحي تنهي مجموعتها التدريبية ، قبل أن تعود لتهبط إلى وقفة منخفضة وهي تؤدي الحركات المختلفة التي غرستها الماركيزة فيها.
وبالحديث عن ذلك نظرتُ بحذر نحو المرأة الطويلة الياقوتية التي كانت تستند إلى عمودٍ بينما تراقب ابنتها تتدرب.
مستشعرةً نظراتي ، حولتْ عينيها الياقوتيتين نحوي ، وابتسمتْ بسخرية قبل أن تتقدم إليّ.
مستندةً إلى الصخرة بجانبي ، سألتِ الماركيزة "هل ما زلتِ تواجهين مشاكل ؟ "
أومأتُ برأسي ، متنهدةً وأنا أنظر إلى يديّ.
"حسناً ، ربما جربي هذا ؛ استخدمي العنصرين معاً في آنٍ واحد. اصنعي تسلسلاً باستخدام كلٍ من المانا الرياح والمانا الماء في آنٍ واحد. و بعد أن تتمكني من فعل ذلك بسهولة ، حينها يجب أن تحاولي دمجهما معاً. هكذا تعلمت ريا ، على أي حال... "
نظرتُ إلى الماركيزة بدهشة ، مما جعلها تضيق عينيها وهي ترسل لي ابتسامة باردة مخيفة.
"أنتِ تفكرين: 'يا للعجب ، الماركيزة مفتولة العضلات هذه قدمت لي نصيحة حكيمة! ألا تمتلك عقلاً إذاً! ' "
هززتُ رأسي ناهيةً بشدة ، رافعةً يديّ بينما تلعثمتُ "لا- لا أبداً! لقد كنتُ أعلم دائماً أنكِ ذ-ذكية! أجل! "
حدقتْ بي ، وظلت صامتةً قبل أن تضحك بخفة.
نهضتْ ، وقالت "نعم ، لا أصدقكِ حقاً~ لنقم بجولة تدريب ، همم ؟ "
تأوهتُ ، ونهضتُ ، أمسكتُ بخنجري بينما استعددتُ لأتلقى 'درساً ' من الماركيزة.
~~~
سمحت لي جاحي بالاستناد إليها للعودة إلى غرفتنا ، فقد كنتُ مُنهكةً تماماً بعد التدريب الشاق الذي فرضته الماركيزة.
ما إن دخلنا حتى استحممنا قبل أن نستلقي على السرير ، مستمتعتين بدفء إحدانا الأخرى بينما تعانقنا.
نظرتُ إلى وجهها الهادئ ، وسألتُ "هل ردّت الإمبراطورة أو السلطانة بعد ؟ "
ربتت جاحي على رأسي ، ونظرتْ من النافذة ، مبتسمةً بسخرية وهي تقول "نعم و كلتاهما وافقتا. و لكنهما قالتا إننا لن نرى إنبوت أو ليوني حتى نذهب إلى الأكاديمية. حيث يبدو أن الإمبراطورة تمتلك مكاناً صغيراً لا يبعد سوى عشر دقائق مشياً على الأقدام من الأكاديمية ، وقد أقنعتها ليوني بالسماح لنا باستخدامه! "
"صغير بمعنى... كقصرٍ أم كوخٍ ؟ "
ضحكت جاحي بخفة ، وقبلتْ جبيني وهي تقول "إنه كوخٌ ، يقع على جانب البركان الذي يقف عليه القصر والأكاديمية. ثلاث غرف نوم ، وحمامان ، وغرفة مشتركة كبيرة. مما شرير... "
مبتسمةً ، مررتْ جاحي إصبعها على بشرتي ، وعيناها تلمعان وهي تقول "رسمياً ، لكلٍّ منا غرفتها الخاصة ، وأنتِ ستنامين في غرفتي. ولكن ، إحدى الغرف تحتوي على سريرٍ بحجم هذا السرير ، لذا... "
ابتسمتُ إليها ، مدركةً ما كانت تلمح إليه.
ستمتلك إنبوت وليوني غرفتيهما الخاصتين ، وستأخذ جاحي الغرفة الأكبر لنفسها. وهذا يعني أننا إما أن نجد أنفسنا بمفردنا ، أو أن تتمكن الفتيات من التسلل إلى سريرنا.
على النقيض ، إذا أرادت جاحي ، يمكنها التسلل إلى غرفهما ، حسب مزاجها.
أخذتْ يدي في يدها ، وقبّلتْ الخاتم في إصبعي ، ناظرةً إليّ بلطف وهي تهمس "أحبكِ يا كات... "
وما تبع ذلك كان ليلة طويلة أخرى ، غمرتني فيها جاحي بحبها.
~~~
جالسةً قبالة الكونتيسة ، نظرتُ من نافذة العربة ، أراقب المدينة وهي تقترب أكثر.
"كات يا عزيزتي ، تعالي إلى هنا. "
نظرتُ إلى الكونتيسة ، وأملتُ رأسي قبل أن أجلس بجانبها ، وما لبثتُ أن أطلقتُ شهقةً حين جذبتني إليها أقرب.
أسندتْ رأسها على رأسي ، تنهدتِ الكونتيسة ، وشفتاها مضمومتان وهي تقول "جاحي أكبر من أن أفعل هذا بها ؛ سينتهي بي الأمر على ذراعها... "
رفثتْ أذنيّ ، أغمضتُ عينيّ بينما شعرتُ بذلك الشعور المألوف الذي يعود لزمنٍ طويل مضى.
ضحكتِ الكونتيسة بخفة ، قائلةً "أفكرتِ في الأمر أنتِ أيضاً ؟ كيف كان قبل سنتين عندما ذهبنا لزيارة فيوليت في "أنجلز ثريدز " وفعلتُ الشيء ذاته... هاه ، الوقت يمرّ سريعاً حقاً ، أليس كذلك ؟ "
أومأتُ برأسي ، مائلةً أكثر إلى يدها بينما داعبتِ الكونتيسة رأسي بلطف.
فقط هي ووالدتي من فعلتا هذا كثيراً ، ومؤخراً لم يكن لدي الوقت لأرى والدتي حقاً ؛ ولا هي كان لديها الوقت لتراني.
لقد انغمست كلتانا في حياتنا الخاصة ، ومع ذلك...
فكرتُ في أنني لن أراها لبعض الوقت ، فانقبض قلبي.
كانت العاصمة على بُعد يوم ونصف ، وبينما كان لدينا أيام راحة في الأكاديمية إلا أنها كانت مرة كل ثلاثة أيام ؛ ويبدو أنهم وجدوا ذلك الأكثر فائدة للطلاب.
بجدول زمني صارم كهذا لم نكن لنستطيع العودة إلى المنزل متى ما أردنا ، لذا بمجرد مغادرتنا كان من غير المرجح أن نرى الماركيزة أو الكونتيسة أو والدتي حتى نهاية الفصل الدراسي ، بعد عام كامل.
تنهدتُ ، ونظرتُ إلى الكونتيسة التي كانت تبتسم لي.
"أنتِ وجاحي... ستغادران في غضون أسابيع قليلة... سيكون الأمر غريباً ، ألا نسمع جاحي تتجول مسرعةً في أرجاء المنزل ، أو الصوت المألوف لها ولـ 'كورديفا ' وهما تتدربان في الفناء... "
نظرتِ الكونتيسة بعيداً ، وزفرتْ ، وكتفاها مالتا قليلاً بينما واصلت حديثها.
"المنزل سيشعر... بالفراغ ، بدونكما. لا تخبريها ، لكنني سأفتقد لسانها اللاذع ذاك الذي يسعى دائماً للكلمة الأخيرة في أي نقاش ، ودائماً ما تطلق تعليقات ساخرة على هذا أو ذاك... "
ضحكتُ بخفة عند ذلك وأخذتِ الكونتيسة نفساً عميقاً ، قبل أن تستدير لتنظر إليّ بابتسامة.
شعرها الأشقر الطويل لمع في الشمس ، والأقراط المعقدة على أذنيها الطويلتين أحدثت رنيناً خفيفاً بينما تحركنا.
"حسناً ، علينا فقط أن نستغل الأمر قدر الإمكان ، أليس كذلك ؟ "
أومأتُ برأسي ، قبل أن أقول "لن نغيب إلى الأبد ؛ يمكنكن جميعاً الزيارة دائماً. و علاوة على ذلك أنتِ بنفسكِ قلتِ ذلك ؛ الوقت قد مضى سريعاً. ستطرفين بعينيكِ ، وستكون جاحي وأنا عائدتين إلى المنزل! "
ابتسمتِ الكونتيسة لي بابتسامة عريضة ، واضعةً يدها بلطف على خدي.
"أنتِ حقاً تماماً مثل جولي... "
ضحكت بخفة ، ثم تركتني ، قبل أن تقول "أوه ، لقد وصلنا! هيا ، هيا! نحتاج أن نشتري لكِ ملابس وكتباً وحبراً وأدوات ، أوه~ وربما بعض الزينة أيضاً! "
ابتسمتُ بابتسامة عريضة بينما فتحت الباب ، وخطتْ إلى الخارج بخطواتٍ خفيفةٍ ومرحة ، وهي تنظر فى الجوار بابتسامة رقيقة.
حقاً لم تتصرف الكونتيسة هكذا قط إلا عندما تكون تتسوق...