الفصل الثامن والثلاثون: صراع الغنائم
داخل جناح "لينغ تيان "…
كان "بو تشيسو " المرتدي لأثواب داوية بسيطة ، يجلس في هدوء ممسكاً بمبخرة ، بينما كانت خيوط البخور العطرة تتصاعد بكسل نحو الأعلى. و قال بصوتٍ خافت "في طريق الاستنارة ، هناك ثلاثة أنواع من الزهد: لباسٌ بسيط ، وقوتٌ يسير ، و… ".
*صرير.*
انفتح الباب فجأة ، ودخل خادمٌ شابٌ دون استئذان ، وهو مَن يبدو أنَّه معتادٌ على طباع "بو تشيسو ". قال الخادم "أيها الوكيل ، لقد وصلت تجارةٌ جديدة ".
لم يبدُ على "بو تشيسو " بطبعه الهادئ ، أي انزعاج. التفت نحو المدخل حيث يقف "تشي يوان " وسأله بلطف "ما الذي أتى بضيفٍ جليلٍ مثلك إلى هنا اليوم ؟ ".
أجاب "تشي يوان " "أريد استخدام جناحكم ؛ جناح لينغ تيان ، لنشر إعلان. ثمة رسالةٌ تحتاج أن تصل إلى الآفاق ".
ناولهُ "بو تشيسو " لفافةً وقال "هذه قائمة أسعارنا ، تفضل بالاطلاع عليها واختر الفئة التي تناسبك ".
ألقى "تشي يوان " نظرةً على الأرقام ، ولعق شفتيه بحسرة. "يا للهول! هذه الأسعار باهظةٌ للغاية! حتى أرخص خيارٍ يكلف عشرات أحجار الروح! لو لم أكن قد نهبت طائفة الجبل الأسود ، لما استطعت تحمل تكلفة إعلانٍ واحد! ".
بعد لحظةٍ من التردد ، اتخذ قراره "سأختار فئة الثلاثة آلاف حجر روح ".
ظنَّ أنَّ هذا القدر من الترويج كافٍ لتحقيق غايته. فبمجرد أن ينتشر نبأ احتواء طائفة الجبل الأسود على "جسد الخيزران البنفسجي " ستنهال أفواجُ المزارعين على الجثث كما تنقض النسور على فرائسها. وبالطبع ، فإنَّ معظمهم لن يدركوا حقيقة هذا الجسد حتى لو كان نصب أعينهم.
عند سماع مبلغ الثلاثة آلاف حجر روح ، أطال "بو تشيسو " النظر إلى "تشي يوان " متسائلاً في نفسه عن حقيقة هذا الرجل. سأله بعد ذلك "وأيُّ رسالةٍ تود نشرها ؟ ".
خفض "تشي يوان " صوته قائلاً "أعلن أنَّ جسد الخيزران البنفسجي موجودٌ داخل طائفة الجبل الأسود ".
ارتجف حاجبا "بو تشيسو " وقال متعجباً "ماذا ؟ ".
تصارعت في ذهنه أفكارٌ شتى ، ثم تشكلت ابتسامةً خفيفةً وقال "هل تضمر ضغينةً لطائفة الجبل الأسود ؟ إنَّها لطريقةٌ بارعةٌ لضمان ألا يجد تلاميذهم راحةً في حياتهم ولا في مماتهم ".
أومأ "تشي يوان " برأسه ؛ فلقد أصاب الرجل نصف الحقيقة. فلم يكن هدفه الوحيد هو حرمان "شيطان الديك الأسود " من جسد الخيزران البنفسجي فحسب ، بل ترك الطائفة مدمرةً خاويةً على عروشها ؛ حتى إذا ما خرج ذلك الوحش العجوز من عزلته ، لن يجد شيئاً يذكر ، ولن يترك خلفه أثراً يدل على الفاعل الحقيقي.
لقد أراد "تشي يوان " أن يُشعل الفتنة في العالم بأسره.
ببصيرةٍ واثقة ، قال "بو تشيسو " بهدوء "قد تنأى الأجنحة الأخرى بنفسها عن هذه الأعمال خشيةً من غضب طائفة الجبل الأسود ، لكنَّ جناح لينغ تيان لا يخشى أحداً. سأقبل هذه المهمة ".
سلم "تشي يوان " أحجار الروح وقلبه يعتصره الألم ؛ فما كاد يربحها حتى طارت من يده ، لكنه عزَّى نفسه بأنَّه ظفر بغنيمةٍ دسمة.
بعد مغادرة الجناح ، استقل "تشي يوان " سفينةً روحية ، وعاد مسرعاً إلى طائفة "البريق الإلهي " تحت جنح الظلام. وما أن وصل إلى "القمة ذات الألوان السبعة " حتى انهار على سريره من الإجهاد ؛ فقد كانت المواجهة في طائفة الجبل الأسود قد جعلت أعصابه مشدودةً كوتر القوس. وأخيراً ، استطاع أن يترك كل شيء خلف ظهره.
بينما كان غارقاً في نومٍ عميق ، اجتاحت عالم المزارعين في مملكة "شانغ العظيمة " نبوءتان مروعتان كالإعصار: الأولى وجود جسد الخيزران البنفسجي في طائفة الجبل الأسود ، والثانية أنَّ الطائفة قد أُبيدت عن بكرة أبيها.
أولئك الذين لم يعلموا بتسلسل الأحداث ، وصلوا إلى استنتاجٍ تقشعر له الأبدان: مزارعٌ قديرٌ اكتشف جسد الخيزران البنفسجي وذبح الطائفة بأكملها للاستحواذ عليه.
توالت ردود الأفعال ؛ فبعضهم رفض تصديق سقوط الطائفة ، واعتبروه مجرد إشاعات ، وبعضهم شعر بأنَّ العدالة قد تحققت ، بينما راح آخرون يتكهنون حول هوية ذلك النخبة الغامض الذي تجرأ على مثل هذا الفعل الجسيم.
في هذه الأثناء كان الأذكياء منهم يتنكرون ويزحفون عبر الليل نحو طائفة الجبل الأسود ، حيث كانت الجثث تملأ الجبل ، ودماءٌ طازجةٌ لا تزال تتدفق أنهاراً.
تسلق رجلٌ حافٍ يرتدي الأسود المنحدر ، وكانت عيناه تلمعان وهو يتفحص المجزرة ، وقال "بفضل ذكائي وسرعة بديهتي ، كنتُ أول الواصلين ".
وفجأة ، قاطعه صوتٌ باردٌ شقَّ سكون الليل "أحتى أنت تطمع في جسد الخيزران البنفسجي يا "وو ديان " ؟ هل تخطط لتحويل الجثة إلى خادمك الصغير يا أيها الراهب كثيف الحواجب ؟ ".
التفت الرجل مذهولاً ، ليجد ثلاثة أشخاصٍ يرتدون الأسود يقفون خلفه.
سألهم "من أنتم ؟ وكيف عرفتم بوجودي ؟ ".
أجابت امرأةٌ بصوتٍ حاد "من غيرك يمشي حافياً كل يوم ؟ ".
كانت المتحدثة امرأةً شابة ، متشابكة الذراعين مع رفيقها ، وبدا جلياً أنهما زوجان.
في تلك اللحظة ، صرخ أحدهم بغضب "أنا "وو ديان " الحقيقي! من أنتم ؟! كيف تجرؤون على انتحال صفتي! ".
برز رجلٌ آخر حافٍ من بين الظلال ، ليتواجه الخمسة المغطون بالسواد في صمتٍ متوتر.
قالت المرأة الشابة بوقار "إبادة طائفة الجبل الأسود ، تليها أنباء جسد الخيزران البنفسجي… من خطط لهذا الأمر يضمر نوايا عظيمة ".
تمتم آخر "عادةً ما تتطلب إبادة طائفةٍ كاملة شيخاً في مرحلة "تكوين الجنين " ومع ذلك لا يوجد أثرٌ لقوةٍ بهذا الحجم هنا. هل يعقل أن يكون الفاعل في مرحلة "تشكيل النواة " ؟ ".
أضاف آخر "إنه بالتأكيد ليس شخصاً عادياً ".
ضيقت المرأة عينيها وهي تنظر إلى الرجل الحافي "الجروح تبدو كضرباتِ سيوفٍ مُوّهت بضرباتِ خناجر ، هل يعقل أنَّ الفاعل من "طائفة الجبل العائم " ؟! ".
نفى الرجل الحافي على الفور "هراء! طائفة الجبل العائم ليست الوحيدة التي تستخدم السيوف ".
صرخ آخر "أيها العجوز اللعين من طائفة الجبل العائم ، تجرؤ على انتحال شخصيتي! ".
ساد الصمت بين الجميع ، وكلٌّ منهم يحسب في سره: من ذا الذي محا طائفة الجبل الأسود من الوجود ؟
أخيراً ، قطعت المرأة الشابة الصمت قائلة "من يكون الفاعل ليس هو شاغلنا الآن ، لا تنسوا لماذا نحن هنا ".
"وماذا لو لم يكن هناك جسدُ خيزرانٍ بنفسجيٌ على الإطلاق ؟ ماذا لو كنا مجرد دمى في لعبة ؟ ".
نشروا حواسهم الإلهية فوق الجبل. وفجأة ، التقطت المرأة حشرةً تتلوى من الهواء وقالت "دودة الخيزران البنفسجي! ".
شحب وجه البقية ؛ فحيث تزدهر هذه الديدان ، لا بد أنَّ جسد الخيزران البنفسجي قد عاش لسنوات.
"لا بد أنَّ شخصاً بامتياز جسد الخيزران البنفسجي قد عاش هنا طويلاً! ".
تسارعت الأنفاس وخفقت القلوب ؛ فأهمية جسد الخيزران البنفسجي أعظم من أن تُوصف ، فهي فرصةٌ ذهبيةٌ للمزارعين في أواخر مرحلة "تكوين الجنين " لاختراق "مرحلة القصر البنفسجي ".
وجه هؤلاء الباحثون عن الغنائم أنظارهم الجائعة نحو الجثث.
تفرس أحد الرجال الحفاة في الأرض وتمتم "انتظروا ، جثة "يو لينغلونغ " شيخة طائفة الجبل الأسود في مرحلة تشكيل النواة ، مفقودة! ".
أشاح بنظره سريعاً ، وكأنه يخشى ما قد يعنيه هذا الأمر.
قال الرجل العجوز الذي ظل صامتاً حتى تلك اللحظة بصوتٍ أجش "هل يعقل أنَّ من دمَّر الطائفة قد أخذ جسد الخيزران البنفسجي بالفعل ؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا نشر الأخبار ؟ أيسخر منا ؟ ".
وفجأة ، اندفع الرجل الحافي الثاني ، مستحوذاً على جثة سيد الطائفة.
"يا "وو ديان " كيف تجرؤ! ".
قفز البقية واشتبكوا حول الجثة ، ممزقين إياها إرباً. يا لها من نهايةٍ بائسةٍ لسيد الطائفة الذي لم يجد السلام حتى في موته.
زأر الراهب الحافي "هذا ليس جسد الخيزران البنفسجي! و لماذا تقاتلونني لأجله ؟! ".
أجابت المرأة الشابة بعلمٍ ودراية "هذا جسد الخيزران الأزرق. اطحنوا الجثة حتى تصير رماداً ، وغذوها لتصبح عشبةً روحيةً نادرة ، وستثمر عن "فاكهة الطفل الأزرق " التي تعزز زراعة أي مزارع في مرحلة "تكوين الجنين ". أن نفكر أنَّ سيد طائفة الجبل الأسود كان والد "يو لينغلونغ " أو ربما جدها… ".
سرت قشعريرةٌ في أوصالهم ؛ فلو ظل هذا الأمر سراً ، لتمكن "شيطان الديك الأسود " من دخول "مرحلة القصر البنفسجي " خلال قرنين ، وكان توازن مملكة "شانغ العظيمة " سيختل تماماً.
لكنَّ هذا الخوف لم يدم طويلاً ، فبعد تمزيق جثة "طاوِي الرياح السوداء " اندفع مزارعو مرحلة "تكوين الجنين " نحو الجثث مرةً أخرى ؛ فمع ظهور أجساد الخيزران البنفسجي والأزرق تباعاً ، من يدري أيَّ البُنيات النادرة الأخرى كانت مخبأةً بين الأموات ؟
المجزرة لم تنتهِ بعد ، بل كانت قد بدأت للتو.
***
بينما كان النسور يتقاتلون على الجثث ، ظل "تشي يوان " غافلاً عما يدور. ومع بزغ الفجر تمدد بكسل ، وشعر بخفةٍ لم يعهدها من قبل.
ابتسم وبريقٌ يتلألأ في عينيه "أخيراً ، يمكنني ممارسة ألعابي في سلام. يا وحوش ملابسي الصغيرة ، لقد وصل مؤدي أصواتكم عبر الإنترنت! ".