بيد أن العملية كانت ستستغرق وقتاً أطول ، وما تقدير "لي جون " بـخمسة إلى سبعة أيام إلا انعكاسٌ لأمانيه فحسب. فمن ناحية كان يأمل أن تصمد قواته لفترة أطول قليلاً ، ومن ناحية أخرى كان يتوقع أن يتباطأ زحف جيش "تانغ " حذراً من تكبد الخسائر ، أو ربما من قبيل الحيطة والحذر.
وعندما سمع "شينغ تونغ " تفسير "لي جون " بدأت ملامحه الحساسة والهشة تضطرب من جديد ، وفجأة قبض على الكأس التي أمامه وحطمها على الأرض. ظل "لي جون " صامتاً ، بينما فزع "تشانغ مينغ " -الذي كان غارقاً في رعب اختراق المدينة- من صوت تحطم الكأس المفاجئ. و نظر إلى "شينغ تونغ " الذي بات يتخبط في كلامه خلال اليومين الماضيين ، ووجد الملك يعاني في صياغة أفكاره ؛ فقد كان "شينغ تونغ " قد فكر قبل اندلاع معركة "تونغ تشنج " في إمكانية التنازل عن كل الأراضي الواقعة شرق "تونغ تشنج " لصالح "مجموعة تانغ العظيمة " مقابل السلام.
لكن في ذلك الوقت ، ما كان "شينغ تونغ " ليوافق أبداً على التنازل عن نصف بلاد "شينغ " من أجل هدنة مؤقتة ؛ فآنذاك كان عقله مفعماً بأفكار الهجوم المضاد واستعادة الأراضي المفقودة! حيث كان "شينغ تونغ " قادراً على تحمل فقدان جزيرة خارجية ، أو حتى كل الجزر ، لكنه لم يكن ليقبل قط بفقدان أراضي البر الرئيسي بهذه السهولة. وبالطبع ، ربما كان ليتغاضى قليلاً ، لكنَّ شرق "تونغ تشنج " يمثل نصف بلاد "شينغ " تقريباً!
أما الآن ، فقد أدرك "تشانغ مينغ " أنه لو كان في موضع صناع القرار في "تانغ العظيمة " لما أوقف العمليات العسكرية في معركة "تونغ تشنج ". وحتى لو أبدت بلاد "شينغ " استعدادها للولاء وتقديم الجزية والتنازل عن نصف البلاد ، فمن غير المرجح أن توقف "تانغ العظيمة " قواتها وتتحدث عن السلام ؛ فقد أعدت "تانغ العظيمة " العدة لابتلاع بلاد "شينغ " بالكامل ، فلماذا تكتفي بنصف وجبة واللحم بين يديها ؟ والآن ، وفي هذه اللحظة لم يتبقَّ لبلاد "شينغ " سوى مدينة الملك ، وأصبح من غير المرجح أن تسمح "تانغ العظيمة " لبلاد "شينغ " بإملاء أي شروط.
لذلك ورغم أن "تشانغ مينغ " فتح فاه للحديث إلا أنه لم يستطع النطق باقتراح اللجوء إلى "تانغ العظيمة " للتفاوض ، ومع ذلك لم يكن راغباً في تقبل أن الأمور قد انتهت فجأة. التفت "تشانغ مينغ " إلى "لي جون " بجانبه ، وبعد أن حطم "شينغ تونغ " المهووس كل الكؤوس على الطاولة وغادر الغرفة عاصفاً ، همس قائلاً "أحقا لم يعد بأيدينا حيلة ؟ ألا يمكن لآلاف جنودنا أن... "
نظر "لي جون " إلى "تشانغ مينغ " وهز رأسه قائلاً "لو كان ثمة سبيل آخر ، ألا تظن أنني سأسلكه ؟ في هذه المرحلة ، أي إجراء لن يكون سوى رفسات المحتضر. "
تنهد "تشانغ مينغ " "آه... "
وفي الوقت نفسه تقريباً ، تنهد "لي جون " أيضاً "آه... "
سأل "تشانغ مينغ " مجدداً ، وهو ما زال غير قادر على الاستسلام ، كامرأة مكلومة لا تطيق الفراق "ألا يمكننا... الصمود لأيام قليلة أخرى ؟ "
رد "لي جون " "سأحاول... سنصمد لأطول فترة ممكنة. " وشعر بشيء من التفاؤل حين سمع خصمه القديم يتحدث بهذه النبرة ، وكأنه استمد بعض القوة.
للأسف ، أثبت الواقع أن "لي جون " قد أخطأ في تقدير القوة القتالية لقواته وعزيمة قوى العدو. و في ليلة هادئة كان البعض يرتجف رعباً والآخر لا يغمض له جفن ، ولم يقطع الصمت دوي مدفع أو رصاص ، وكأن الجميع ينتظر بزوغ فجر اليوم التالي. وكما كان متوقعاً ، ما إن أشرقت الشمس حتى ترددت أصداء طلقات جيش "تانغ " مرة أخرى. و هذه المرة ، نُصبت مدفعية جيش "تانغ " في جميع اتجاهات مدينة الملك ، وبدا أن عدد المدافع قد تضاعف عما كان عليه في اليوم السابق!
تُركت عشرات الأجزاء من أسوار المدينة مدمرة بفعل القصف ، وتلا ذلك استسلام منهجي لجيش "شينغ "... سابقاً كان "لي جون " يمني نفسه بأن تنسحب قواته إلى داخل المدينة لخوض حرب شوارع مع جيش "تانغ ". لكن في الواقع ، وبحلول ظهر اليوم التالي كان حوالي خمسة آلاف جندي من "شينغ " قد استسلموا على الأسوار وما فى الجوار ، وخرج الموقف تماماً عن سيطرته.
لقد انحرف كل شيء عن الخطة الأصلية. ثم قام "لي جون " بجولة تفقدية واكتشف أن القوات قد غرقت في فوضى عارمة. حيث كانت بعض الوحدات تتراجع إلى المدينة ، ولكن بسبب الفوضى كان يُعد من المحظوظين مَن بقي منهم ثلاثمئة جندي من أصل ألف. حيث كان الجنود يستغلون الفوضى للفرار ، باحثين عن زاوية لخلع ملابسهم العسكرية ، وكان ذلك بمثابة النجاة من الجحيم.
كانت هذه القوات لا تزال منظمة نسبياً ؛ ففي أسوأ الحالات كان مئات الرجال يرفعون الراية البيضاء مباشرة دون دخول المدينة ، متوجهين إلى مؤخرة قوات "مجموعة تانغ " لتناول وجبات ساخنة. وبحلول المساء كانت الفرقة الأولى للمشاة في "تانغ العظيمة " قد اقتحمت المدينة وسيطرت على الزاوية الجنوبية الشرقية ، أي ما يعادل ربع مساحة المدينة تقريباً. و بعد العشاء ، ومع حلول الغسق ، تلقى "تاغ " تقرير المعركة اليومي: لقد قبل جيش "تانغ " استسلام 11 ألف جندي من "شينغ " وقتل أكثر من 700 ممن قاوموا.
ومن خلال هذه الأرقام الباردة فقط ، أدرك "تاغ " أن جيش "شينغ " قد انهار تماماً. ففي اليوم السابق ، تكبد جيش "شينغ " 3 آلاف قتيل وجريح واستسلم 9 آلاف بعد يوم من القتال الضاري. حيث كانت هذه النسب تشير إلى أن جيش "شينغ " كان ما زال يقاوم بشكل منظم ، لكن بيانات اليوم التالي أظهرت أنهم قد تشتتوا.
كان أسفه الوحيد هو أن الوقت قد فات ، وحتى لو كانت قواته قادرة ، فإنه من غير الممكن "طرق الحديد وهو ساخن " وشن هجوم ليلي. فلم يكن أمامه سوى انتظار ضوء النهار لمواصلة الهجوم على مدينة ملك بلاد "شينغ " ؛ فمهما بلغ قلقه لم يكن مستعداً للمقامرة بحياة جنوده الثمينة.
لم يكن "تاغ " يعلم أن مدينة ملك "شينغ " في تلك اللحظة قد غرقت في فوضى عارمة ، فبالنسبة لنخبة "شينغ " كانت تلك الليلة مقدرة أن تكون صاخبة. و لقد جن جنون الملك "شينغ تونغ "! فقد اقتحم الملك "شينغ تونغ " -برفقة أتباعه- مكان وجود "لي جون " وسط الجنود الفوضوين ، ودون طرح أي أسئلة ، انطلق عليه. وبطبيعة الحال كان لـ "لي جون " جنوده المخلصون بجانبه ، وأدى دوي الطلقات فوراً إلى اندلاع اشتباك عنيف بين الطرفين. وفي حين لم يكن جيش "شينغ " فعالاً ضد قوات العدو إلا أنهم كانوا أشداء حين يتقاتلون فيما بينهم.
في ذلك الوقت كان جيش "تانغ " المتمركز داخل المدينة يستغل ما تبقى من ضوء النهار لاستقبال المدنيين الباحثين عن ملاذ والجنود المهزومين المستسلمين ، وفجأة اندلع صوت نار في الأفق! وقبل أن يفهم جيش "تانغ " ما يحدث كان الصراع الداخلي في جيش "شينغ " قد حُسم بالفعل! قُتل الملك "شينغ تونغ " وأتباعه في الحال على يد حراس "لي جون " الشخصيين ، ثم قاد "لي جون " -الذي أصيب بجرح طفيف- قواته مباشرة إلى قصر "شينغ تونغ " دون تردد.
اكتسحت القوات الفوضوية حراس القصر ، واندلع قتال دموي عنيف. اقتحم "لي جون " -وعيناه تقدحان شرراً- القصر وذبح عائلة "شينغ تونغ " بأكملها. وبعد أن فقد عقله بدوره ، وبعد أن قتل ثلاثاً وثلاثين من جواري الملك "شينغ تونغ " في نوبة واحدة ، وذبح جميع أبنائه وبناته -الذين ناهز عددهم سبعة عشر أو ثمانية عشر- تذكر "تشانغ مينغ ". لذا أخذ قواته وراح يبحث عن "تشانغ مينغ " طوال الليل! ومصادفة كان "تشانغ مينغ " -الذي أرهبه الاضطراب في المدينة- قد فر مع عائلته تحت جنح الظلام تاركاً منزله ، فقضى "لي جون " ليلته باحثاً بلا جدوى عن "تشانغ مينغ " وعائلته.
في الواقع كان من المستحيل عليه العثور عليهم ؛ فبعد أن وصل إلى طريق مسدود ، استسلم "تشانغ مينغ " لـ "مجموعة تانغ العظيمة " عند الفجر. وبعد ليلة من القتل ، تذكر "لي جون " أيضاً الجيش المحاصر خارج المدينة ، فجمع ما استطاع من قوات وأرسل مبعوثاً ، معلناً استسلامه الصريح لـ "مجموعة تانغ العظيمة ". ولكي يرفع من قيمته ، جلب جنرال "شينغ " العظيم معه جثة الملك "شينغ تونغ ". حدث كل شيء بسرعة مفاجئة ، لدرجة أن "تاغ " نفسه لم يكن مستعداً.
إنه حقاً لم يتوقع أن تنتهي حملة ضم بلاد "شينغ " بهذه الطريقة الهزلية. وهكذا ، التقى "لي جون " -الذي طالما سعى للعب دور المسؤول المخلص- ورئيس الوزراء الساخط "تشانغ مينغ " في مقر "مجموعة تانغ العظيمة " في لقاء محرج. "لي جون " الذي لا تزال الضمادات تلف كتفه ، و "تشانغ مينغ " الذي تنكر في زي عامة الناس بعد أن حلق لحيته لم يعرفا للحظة أكان عليهما الضحك أم البكاء.
سأل "تشانغ مينغ " -الذي لم يكن يعلم بعد بموت "شينغ تونغ "- وهو ينظر باحتقار إلى "لي جون " رث الثياب "أيامك الخمسة أو السبعة... أصبحت مجرد يومين ؟ "
رد "لي جون " وهو يزفر غاضباً ، نادماً لأنه لم يتمكن من قتل هذا الخصم القديم بيديه في النهاية "لن أجادلك ؛ فأنت محظوظ. لو لم تهرب بسرعة ، لقتلتك أنت أيضاً هذه الليلة! "
صُعق "تشانغ مينغ " حين سمع كلمة "أيضاً " في ثنايا الجملة ، وحدق في "لي جون " بعينين جاحظتين "أنت! أتجرؤ على ارتكاب جريمة قتل الملك ؟ "
اندفع "لي جون " نحو "تشانغ مينغ " وعيناه محتقنتان بالدم كوحش كاسر "الملك شينغ تونغ هو من وجدني وانطلق عليّ دون أي سؤال! لولا أن ابني تلقى الرصاصة بدلاً مني ، لكنت أنا القتيل! ابني مات لينقذني ، أليس من حقي أن أقتل عائلته بأكملها ؟ "
عند سماع كلمات "لي جون " تراجع "تشانغ مينغ " حتى وصل إلى طاولة ، فاستند على حافتها ليتمكن من الوقوف. أراد أن يقول شيئاً لكنه وجد نفسه عاجزاً عن النطق ؛ لقد صدق كل ما قاله "لي جون " بمجرد النظر في عينيه... لذا أطرق برأسه يائساً وتنهد دون أن يضيف كلمة.
في تلك الليلة ، أرسل "تاغ " برقية إلى "جزيرة التنين " يُعلم فيها "تانغ مو " أن الحرب في بلاد "شينغ " قد انتهت. وفي صباح اليوم التالي ، بدأت قوات "مملكة تانغ العظيمة " بدخول المدينة. وبسقوط "مملكة شينغ " أصبحت الأجزاء القليلة المتبقية من أسوار مدينة الملك ترفرف عليها رايات التنين. لم تكن هناك أي مقاومة تُذكر ؛ فقد تقبل مدنيو بلاد "شينغ " حكم "مملكة تانغ العظيمة " بكل أريحية ، واتخذوا هوياتهم الجديدة كـ "شعب تانغ " إذ لم يكن لديهم أي ود تجاه بلاد "شينغ ".
وفي حين لم تستوعب دول العالم بعد الظهور المفاجئ لـ "مملكة تانغ العظيمة " صُدم الجميع بخبر ضمها لبلاد "شينغ ". والآن ، برزت معضلة جديدة أمام قادة التحالف التجاري: كيف يتعاملون مع علاقتهم بـ "مملكة تانغ العظيمة " ؟ إن منح الأراضي والموانئ لنبلاء داخل البلاد أو تأجيرها لالتحالف هو أمر ، لكن التنازل عنها مجاناً لمملكة هو أمر آخر تماماً. ففي السابق كان بإمكانهم وضع موانئهم أو أراضيهم بين يدي "مجموعة تانغ " دون مخاوف بشأن السيادة ، أما الآن ، فقد أصبحت هذه الأماكن غنية ومثقلة بنزاعات إقليمية قانونية... ومَن ذا الذي يستطيع مقاومة التفكير في الأمر مرتين ؟
--------
حسناً ، لقد عدنا اليوم أخيراً إلى فصلين في اليوم. دعوا "روح التنين " تستريح قليلاً ، وفي غضون أيام قليلة سنبدأ في سداد الفصول المتأخرة... تنهيدة... يتزايد عدد التحديثات الفائتة باستمرار ، إنها حقاً قصة تفطر قلوب القراء.