تم البدأ بإستخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق على الفصول المنشورة من تاريخ ٣١-١-٢٠٢٦ نتمنى لكم قراءة ممتعة

المزارع القتالي 1095

هذا الراهب المعدم يريد أيضاً أن يصبح معلماً وطنياً - الجزء الثاني

حرّك تشين تشاو طاقته الروحية قليلاً ليجفف ملابسه. ومهما كانت أسرار هذا العالم خفية، فهي في نظره ليست بذات أهمية كبرى؛ ففي نهاية المطاف، يبقى المعول الحقيقي على التدريب الدؤوب والجهد المستمر. فمتى بلغ المرء مرتبةً سامية وقوةً كافية، صار بمقدوره كشف أي سرّ، وإحباط أي مكيدة بلكمة واحدة لا غير.

وعندما خطر له هذا الخاطر، مدّ تشين تشاو يده لا شعورياً ليقبض على مقبض سيفه عند خصره، لكن كفه لم تلمس سوى الفراغ.

حينها فقط تذكر أنه في رحلته هذه نحو الشمال، وتجنباً للفت الأنظار، قد أخفى سيفه "السحابة الهائجة" عمداً. فأنى له أن يجد سيفاً بجانبه الآن؟

رسم تشين تشاو على وجهه ابتسامة ساخرة من نفسه، ثم سحب يده واستدار ليغادر المكان.

لقد حُسمت الأمور هنا، ولم يبقَ أمامه إلا التعامل مع قضية أخرى، وبمجرد الانتهاء منها بالكامل، سيتمكن أخيراً من العودة إلى العاصمة الإلهية.

هذه المرة، حين يعود إلى العاصمة، سيعمل على توجيه تلاميذه القلائل بشكل صحيح، كما سيتسنى له تمحيص وجوه الحاشية في البلاط ليرى من منهم الثابت والمخلص حقاً لواجباته. وبالطبع، ما زال في جعبته الكثير مما يود إخبار شقيقه الأصغر به، لكنه سيصيغ حديثه تلميحاً لا تصريحاً، وسيدور حول مقصده مرة بعد أخرى.

عادت سفينة إلى الميناء بعد أن أمضت في عرض البحر أقل من نصف يوم. وبعد الرسو، نزل منها عدة أشخاص بدت على وجوههم ملامح الكآبة والإنكسار، وخلفهم كانت تمشي فتاة صغيرة نحيلة القوام، تحمل صرة ملابس رُقعت وأُصلحت مراراً، وقد شحب لونها من كثرة الغسيل.

وفي الميناء، كان هناك مسؤول صغير مرابط بانتظام لتفتيش حمولة السفن وحساب الضرائب البحرية. ولما رأى هذا المشهد، لم يسعه إلا أن يتنهد في سره، وسألهم بنبرة هادئة: "هل داهمتكم أمواج عاتية؟"

فأجاب رجل مسن من "شعب دان" في مقدمتهم بصوت واهن: "يا لسوء الحظ، لم نكن قد ابتعدنا إلا لنصف يوم، وعندما غصنا لجمع اللؤلؤ، صادفنا ملك تنانين البحر".

وسواء أكانوا من شعب دان أم من الصيادين، فقد جرت عادتهم على إطلاق اسم "ملوك تنانين البحر" على الأسماك الضخمة والوحوش الكاسرة. وكان حال الصيادين أفضل قليلاً، إذ لم يكونوا يغوصون في الأعماق لجمع اللؤلؤ، ونادراً ما كانوا يصادفون تلك الوحوش إلا في العواصف. أما شعب دان، فبسبب اضطرارهم للتوغل عميقاً في قاع البحر بحثاً عن المحار القديم، كان تصادمهم مع تلك الأسماك الكبيرة أمراً متكرراً. وحين تقع الواقعة، ففي تسع مرات من كل عشر، تبتلعهم تلك الوحوش بالكامل.

وهذه المرة، كان حظهم في البحر عاثراً للغاية؛ ففي منطقة مائية نادراً ما تظهر فيها "ملوك التنانين"، برز لهم واحد، وابتلع عدداً من غواصي شعب دان في لقمة واحدة، ولم يعد إلا هؤلاء الناجون.

حك المسؤول ذو الرتبة المتدنية رأسه وتنهد مراراً. فبصفته مسؤولاً بحرياً في البلاط الإمبراطوري متمركزاً هنا منذ سنوات، لم يعد يحصي عدد الصيادين الذين رآهم يلقون حتفهم وتوارى أجسادهم في بطون الأسماك.

قال شيخ شعب دان بوجه يعكس بؤساً شديداً: "يا سيد يانغ، هذه الرحلة لم تسفر عن شيء على الإطلاق، فهل من سبيل للإعفاء من ضريبة الإبحار.. أو على الأقل تخفيضها قليلاً؟"

فبحسب قوانين أسرة ليانغ العظمى، تُفرض على كل سفينة تبحر في البحر ضريبة مغادرة. وعلى الرغم من أن المبلغ لم يكن ضخماً، إلا أنهم قد بلغوا من الفقر حداً لم يعودوا يطيقون معه صرفاً ولا عدلاً، ولم يعد بمقدورهم جمع المال.

ابتسم المسؤول الصغير ابتسامة مريرة وقال: "للبلاط الإمبراطوري قوانين صارمة، فكيف يكون هذا الأمر بيدي أو بيدك؟"

عند سماع ذلك، ابتسم قائد القارب ابتسامة يائسة، وهمّ بأن يستدير ليطلب من رفاقه تدبير المال بشق الأنفس. ولكن قبل أن ينطق بكلمة، أمسك المسؤول بذراعه وقال له خفية: "لا داعي لذلك، سأتكفل أنا بدفع هذا المبلغ".

وبعد أن قال ذلك، دفع المسؤول قائد القارب برفق مشيراً إليه ألا يطيل الوقوف، إذ ما زال لديه الكثير من المهام والقيود التي يجب عليه إنجازها.

وفي الأفق، كان الشاب ذو الرداء الأسود الذي غادر المكان ثم عاد إليه، يقف بهدوء يراقب هذا المشهد دون أن ينبس ببنت شفة. وفجأة، دوى صوت بجانبه يقول: "بماذا يفكر قائد الحرس؟"

أدار تشين تشاو رأسه، ليكتشف أنه شخص لم يتوقع رؤيته هنا مرة أخرى؛ إنه الراهب ذو الرداء الأسود.

نظر إليه تشين تشاو بدهشة طفيفة وقال: "ألم يعد السيد يمارس شعائره بسكينة في ديره القديم، بل آثر التجول في غمار العالم الفاني؟"

ابتسم الراهب وقال: "إن موظفاً بسيطاً في بلاط أسرة ليانغ العظمى، حتى لو كان في العاصمة الإلهية، فإن راتبه لا يسمن ولا يغني من جوع، ولن يكفيه لشراء وجبة هنيئة، فما بالك بهذه الضريبة البحرية؟ ومع ذلك، فإن مثل هذه الأفعال لا تُقاس بالمال أبداً". وأضاف: "لو وُجد في البلاط المزيد من هؤلاء الموظفين الصغار ذوي القلوب الرحيمة، لكان لهذا العالم وهذا العصر أملٌ مهما اشتدت الصعاب. وعلى النقيض من ذلك، حتى لو كانت أسرة ليانغ العظمى أكبر طائفة على وجه الأرض ولا منازع لها، لظل العالم يرزح في شقاء مرير".

كثيراً ما يقال إن حكم الدولة يشبه طهي سمكة صغيرة، وهذا كناية عن الحذر والرفق وتجنب التخبط. لكن هذا الراهب الفقير يرى أن كلمة "صغيرة" هي لبّ الأمر؛ فالكثير من العظائم تكمن في التفاصيل الدقيقة، لا في الأمور التي توصف بالجسيمة.

تحدث الراهب ذو الرداء الأسود بابتسامة هادئة ونبرة رصينة، فعبس تشين تشاو وسأل: "ماذا يقصد السيد بهذا الكلام؟"

أجاب الراهب: "يشعر هذا الراهب المعدم أن اللورد قائد الحرس قد أحسن التدبير في الأمور الكبرى، ولكن للقدرات البشرية حدوداً. فبعد أن تستهلك الأمور العظيمة طاقتك، قد لا يتبقى لديك متسع للأمور الصغرى. أما أنا، أيها الراهب المتواضع، فأفهم شأن الأمور الكبيرة والصغيرة على حد سواء".

نظر الراهب إلى تشين تشاو مبتسماً بعينين تشعان حكمة وأردف: "بما أن قائد الحرس هو الآن الوزير الأعلى والأقوى في سلالة ليانغ العظمى، فإن هذا الراهب يطمع في طلب منصب رسمي منه".

فوجئ تشين تشاو بهذا الطلب، وبعد تفكير ملي، قال متردداً: "هل يرغب المعلم حقاً في اقتفاء أثر ذلك المعلم الوطني السابق، ويصبح ثاني معلم وطني ذو رداء أسود لسلالة ليانغ؟"

فمنذ تأسيس السلالة قبل أكثر من مائتي عام، لم يبرز إلا معلم وطني واحد، وهو الراهب ذو الرداء الأسود الذي ساند الإمبراطور المؤسس في حروبه، ومنذ وفاته لم يُعين الإمبراطور أحداً في هذا المنصب.

وهذا الراهب الذي يرتدي السواد أيضاً، بدا وكأنه يعلن نيته ليكون الخلف لذلك السلف.

ابتسم الراهب وقال بكل ثقة: "ولماذا لا؟"

سأل تشين تشاو بفضول: "وما رأي دير 'ديركراي' في هذا الأمر؟"

أجاب الراهب وهو ينظر إليه: "قبل أن يأتي هذا الراهب لرؤية قائد الحرس، كان قد حسم أمره مع الدير وانتهى".

ازداد فضول تشين تشاو وسأل: "وكيف حسم السيد نظام أمره؟"

فكر الراهب للحظة ثم قال: "في السابق، كان اسم هذا الراهب هو هوي شوان".

فكر تشين تشاو في مغزى الاسم وفهمه، لكنه قال: "ولكن… هذا المسؤول ليس هو الإمبراطور، وليس لي من السلطة ما يخولني تعيينك معلماً للأمة".

ابتسم الراهب وقال: "وهل يُعقل أن يأتي راهب لا فضل له ويطلب أن يكون معلماً وطنياً فيصبح كذلك فوراً؟ على أي أساس؟ أمجرد أنه والمعلم السابق يشتركان في حب الرداء الأسود؟ هذا منطق لا يستقيم".

ابتسم تشين تشاو وقال: "إذن يبدو أن على السيد أن يبدأ مسيرته كمسؤول صغير أولاً".

رد الراهب بابتسامة: "ولماذا لا؟"

قال تشين تشاو فجأة: "في هذه اللحظة، لا يشعر هذا المسؤول أن المعلم هو تجسيد حقيقي لمعلم الأمة".

لم ينطق الراهب بكلمة، فتابع تشين تشاو: "ما زال أمام هذا المسؤول اتفاق يحتاج إلى تفاوض. فهل أنت مستعد، يا سيدي، للمجيء معي؟"

عند سماع ذلك، رفع الراهب ذو الرداء الأسود حاجبيه، ووضع كفيه معاً في وضعية التعبد، وقال: "بالطبع".

تعليق

Subscribe
Notify of
0 التعليقات
Oldest
Newest
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

لقد اكتشفنا أنك تستخدم إضافات لحجب الإعلانات. يرجى دعمنا بتعطيل هذه الإضافات.

لماذا تظهر لك هذه الرسالة بالرغم من انك لا تستخدم مانع اعلانات؟!

قد تكون تستخدم غي بي ان به خاصية منع الاعلانات.

او قد تكون اعدادات الشبكة تحمل DNS يقوم بحظر الاعلانات.

الحل الامثل استخدام متصفح كروم او اي منصفح لا يملك خاصية منع الاعلانات واذا كانت المشكلة موجودة وانت لا تستخدم اي شئ جرب فتح الموقع بإستخدام في بي ان ولتكن الدولة مثلا امريكا.

ايضا العضوية المدفوعة تمنع ظهور هذه الرسالة وتمنع الاعلانات.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط