Switch Mode

ساحر ؟ مهندس سحري! 300

ليلة الجزيرة+


الفصل ثلاثمائة: الفصل السابع والتسعون بعد المائتين: ليلة جزيرة إيل

شمالي جزيرة إيل كانت جميع القوات المسلحة التابعة لمملكة إستاني تستنفر قواها. حيث كانت المملكة تمتلك العديد من المستعمرات ، أقربها جزيرة إيل التي لا يفصلها عنها سوى بحر ضيق.

احتدم الصراع بين الطرفين منذ تأسيس المملكة. حيث كانت الجزيرة الرئيسية مأهولة بأتباع إيس الذين ابتهجوا بقوته التي أطاحت بالإمبراطورية القديمة وكنيسة النظام. أما الجان الرماديون في جزيرة إيل ، فقد توجسوا من هذا الكيان الإلهيّ الوافد ونأوا بأنفسهم. و بعد أن دُحر غزاة الإمبراطورية في البحر ، حاولوا استعادة مجد وتقاليد أسلافهم ، عائدين إلى عبادة ملك الجان أو إله الطبيعة.

«أيها الزنادقة ، يا حثالة! إنهم جميعاً كسالى ، حمقى ، ونغول. و لكن فيهم شيئاً من المكر ، لذا تَنَبَّهُوا ، تَنَبَّهُوا جيداً. إياكم أن تلاقوا حتفكم على أيدي هؤلاء الضعاف. فليس في موت كهذا شرف. لن يندبكم إخوتكم ، بل سيضحكون عليكم!»

بعد حصولها على استقلالها لم تلبث إستاني أن صبّت جام قمعها واستعبادها على جيرانها ، لكن بضعف الشدة التي عانتها هي نفسها. دمروا مذابح جزيرة إيل وقصورها العتيقة ، وأبادوا طبقتها الحاكمة ، وحولوا الجزيرة إلى مجرد صومعة للحبوب ، وشعبها مجبر على الكدح في المستنقعات والجبال.

كان السيد الكبير لفرسان الأسد المحترق يتوشح وجهه ندوبٌ حفرت مجاريها في عضلاته المفتولة. مقترناً بلحيته الذهبية الكثة ، بدا كأنه أسدٌ هادرٌ بحقٍّ. جالت نظرته الشرسة على رجاله. وقف كل من هؤلاء الفتيان اليافعين بملامح عابسة تحت سماء الليل ، متحرقين للقتال ، متعطشين للفتك. سرّ السيد الكبير. نقر غمده مرتين. فجلب خادم فارس صينية محملة بقارورات صغيرة من العقاقير.

«اصغوا يا شباب! لقد تفضلت جلالة الملكة بمنحكم شيئاً خاصاً ، هذا الزيت المقدس. ما عليكم سوى مسح قليل منه تحت أنوفكم ، وستكونون أشجع من أبطال ميادين القتال في الإمبراطورية القديمة. لن يرهبكم ألم ، ولن يخشى أيٌّ منكم شيئاً... لكن إياكم والمبالغة في استخدامه. فإن انتهت هذه العملية على عجل ، فلن تدروا ما تفعلون بكل تلك الطاقة المتبقية!»

«أبهذه الروعة ؟» امتلأ الفرسان بالفضول والحماس ، فتلقفوا القوارير واحداً تلو الآخر. حيث استخدمه البعض في الحال وأطلقوا زئيراً عفوياً.

كانت فرقة الفرسان هي القبضة الفولاذية المعدة لسحق القوة الرئيسية لجيش متمردي جزيرة إيل. وفي غضون ذلك في الحقول والقرى كانت قوات الأمن العام التابعة لإستاني تتولى أمر عمليات التطهير.

غير أن الجان الرماديين كانوا قد علموا بتحركاتهم سلفاً.

حزمت امرأة شابة من الجان الرمادي ما خفّ من مقتنياتها الثمينة في كوخ من القش ، لفّتها بعناية في قماش نسجته بنفسها. و كما أمسكت بمؤونتها الجافة التي أعدتها منذ زمن بعيد. حيث كانت جزيرة إيل معروفة بنوع معين من الدرنات ، المصدر الرئيسي للنشا لمملكة إستاني بأكملها. حيث كان خبزه صعب التخمر ، وللحفاظ عليه كان يُجفف إلى أقصى حد ممكن ويُخبز صلباً كالحجر.

«أماه ، أرجوك ، تعالي معي إلى الغابة...» أمسكت الشابة بيد طفلها. بخبرتها كانت تدرك أن أمامهم حوالي ربع ساعة للإخلاء بعد دقات جرس القرية. أي تأخير بعد ذلك وسيكون الجنود قد وصلوا.

«أنا عجوز. لم أعد أستطيع المشي... امضوا في طريقكم. اختبئوا بإحكام. سأبقى هنا وأدعو لابني...» كان سيد العائلة على الأرجح مع جيش المتمردين. جاء الخبر بأن قوة القمع الإستانية أكبر من أي وقت مضى ، وتملك القلق الجميع على مصير المتمردين.

غير أنه لولا المقاومة ، لازداد قمع المملكة للجان الرماديين فجوراً. و يمكن استرقاقهم بلمح البصر ، واستلاب آخر لقمة من أفواههم دون أدنى تفكير..

علّقت العجوز نظرها على مذبح صغير في منزلها. فوقه نصب خشبي بوجه خاوٍ من الملامح ، منقوش عليه رموز من ذات النوع الذي سبق لرورشاخ أن رآه في متحف.

ترددت الشابة لحظة قبل أن تضع قطعة من الخبز القاسي بجانب العجوز.

«وداعاً ، جدتي...» لم يفقه الطفل أن هذا وداعٌ أخير. حيث كان غافلاً بسلام ، لا يعلم سوى أنه سيقضي بقية الليل في الغابة ، متسائلاً لماذا سُمح للجدة بالبقاء في المنزل ، بعيداً عن الريح الباردة.

لم تجب العجوز. التقطت الخبز ، وضعته على المذبح ، وواصلت الصلاة. لم تكن تدري لمن توجه صلواتها ، أو لماذا لم تكن قرون من الدماء والدموع التي أريقت من الجان الرماديين يكفى لملء مذبح ذلك الكيان الإلهيّ.

لكنها كانت واهنة ومتقدمة في السن ، لا تقوى على اجتياز الغابة. وإن تبعت زوجة ابنها وأحفادها ، فما كانت لتفعل سوى إبطاء حركتهم. فلم يبقَ لها سوى تكرار هذا الفعل العبثي.

شاع بين الناس أن الجان عرقٌ طويل العمر. تروي ترانيم المنشدين عن حكيم من الجان أضاء دروب ثلاثة أجيال من البشر ، وعن بطل حرب من الجان واجه قائدين مختلفين من القزم في حرب امتدت لأكثر من قرن من الزمان.

لكن منذ عصر الصمت ، ومنذ احتلال جزيرة إيل بلا رحمة وإخضاعها لجارتها ، تقلصت أعمار الجان الرماديين. حيث كان ذلك وليد كدحهم الشاق ، وظروفهم المعيشية القاسية ، و "الإبادات " المنظمة.

في غابر الأزمان ، حين عاشوا أحراراً كانت جانية في مثل سنها لتكون في أوج عطائها. و لكنها الآن ، غدت كـ 'الجمبرية ' المنكمشة الذابلة ، جسدها النحيل الواهن منحني بالألم والتقوى.

دَوِيٌّ!

لم يكد يمضي على رحيل العائلة وقتٌ طويل حتى رُكل الباب بعنف واقتُحم. حيث كانوا 'الكركند ' حاملي البنادق. حيث كانوا قد فتشوا بيتاً بيتاً ، غير أن معظم قاطنيه كانوا قد غادروا.

ما إن لمحوا الجانية العجوز حتى برقت عينا قائد 'الكركند ' بوهج. «بقية عجوز أخرى! هاها ، ما حثالة هؤلاء إلا بهائم. هجرهم أهلهم وذووهم.»

لم تتحرك العجوز قيد أنملة ، تتابع صلواتها المتمتمة أمام المذبح.

«يا امرأة ، ما الذي تمتمين به ؟» لم تزده هذه الألغاز غير المفهومة إلا غيظاً. حيث كانت اللغة القديمة تذكيراً صارخاً بأنهم غزاة ، يمارسون العنف على أرض ليست لهم.

غاص طرف حربة في لحم ظهرها. حيث توقف ترتيل العجوز لحظة ، لكنها سرعان ما استأنفتها.

«اللعنه الالهيه! ما زلتِ تصلين لإله ما في وقت كهذا ؟ لا وجود لهكذا أمر... لقد تُركتم جميعاً ، وقُدر لكم أن تتعفنوا في الوحل...»

في تلك اللحظة بالذات ، سال الدم متدفقاً على الأرضية الحجرية الخشنة ، ناقعاً القش الجاف الذابل ، ومتسرباً وصولاً إلى مركز المذبح.

لوى الجندي الشفرة بقسوة ، محاولاً غرسها أعمق ، لكن الحربة ارتطمت بعظم. انزعج ، وسحبها رغبة منه في الحفاظ على حد نصله.

دَوِيُّ سَقُوط. و في سجل هذا القائد ، سقطت حثالة أخرى. حيث استخدم نصله لقلبها على ظهرها ، وقطع أذنها اليسرى الطويلة. و بعد أن انتهى ، وجه للجثة بضع طعنات سريعة للتأكد من أن الجانية العجوز قد ماتت حقاً.

«ألم تطلب القيادة الأذن اليمنى ؟»

«هل أنت أعمى ؟ أذن العجوز الشمطاء اليمنى كانت مفقودة سلفاً. سنبلغ القائد ، ولنرى إن كنا سنتمكن من احتسابها ضمن العدد.»

«هيا بنا ، هيا بنا...» تمتم ، ثم استدار ليتجه إلى المنزل التالي مع رجاله. بدا أن الجان الرماديين هنا قد تبلغوا بالأمر مجدداً ، مما جعلهم يعودون خاويي الوفاض.

وما كاد يتجاوز العتبة حتى ارتفع صوت الترتيل مجدداً ، آخذاً في التسامي والارتفاع.

«هل يوجد شخص آخر هنا ؟» أرادوا أن يستديروا وينظروا ، لكن شعورهم انتصبت على أعناقهم ، وغريزتهم تصرخ فيهم محذرة من الاقتراب!

صوتٌ – حادٌّ كحدِّ حراب بنادقهم – اخترق طبلة آذانهم ، وتغلغل عميقاً في أذهانهم ، يحيلها إلى جنون. فجأة ، أضحوا يفقهون كلمات الجانية العجوز. طوال هذا الوقت كانت تكرر عبارة بسيطة واحدة: «أقتلك ، أقتلك ، أقتلك ، أقتلك...»

انبثقت زهرة فاتنة غريبة الجمال من باطن الأرض. اندفعت كرمات برية من المستنقع القريب وبئر القرية ، وغدت فرقة 'الكركند ' غذاءً لتلك النباتات الغريبة البشعة.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط