Switch Mode

أنا عنكبوت وماذا في ذلك؟ 522

جيوري


تأملات الفصل الماضي: جيوري

هل يراودني الندم؟ إن ندمي لا حصر له. لو أنني فعلتُ هذا هنا، أو اتخذتُ ذاك القرار هناك.. ما إن أشرع في التفكير في تلك الاحتمالات حتى أغرق في دوامة لا تنتهي. خاصة في حالتي هذه، حيث كانت الخيارات أمامي وفيرة. لا، ربما الأصح أن أقول إنني لم أكن أملك أي خيار حقيقي؛ فلو كان بوسعي الاختيار فعلاً، لكان المستقبل قد اتخذ مساراً مغايراً تماماً. وعندما أستغرق في هذا التفكير، تبتلعني الحيرة في لُجّتها.

لكن في نهاية المطاف، ومهما أمعنتُ النظر في هذه الأمور، فلن أتمكن من تغيير ما مضى. وبناءً على ذلك، ليس أمامي سوى التماهي مع خياراتي وتقبلها. ورغم أن وضعي لا يقارن بصلابة "داستن"، إلا أن عليّ تحمل تبعات أفعالي الغابرة. ولهذا السبب تحديداً، ظللتُ عاجزاً عن اتخاذ أي قرار حاسم حتى اللحظة.

سواء تعلق الأمر بـ "داستن" أو بي، فقد كبّلت خياراتنا الماضية علاقتنا، ولا تزال تضيّق علينا الخناق وتحدّ من حريتنا في الاختيار. أما "داستن"، فإنه يواصل المضيّ في الطريق الذي خطّه لنفسه قديماً بإصرار لا يلين. ومهما كان ذلك الدرب شائكاً، ومهما أدمى قلبَه وأنهكه، فإنه لن يتوقف أبداً. وإن إخلاصه لهذا الطريق وعدم حياده عنه ولو لمرة واحدة هو أمر يثير الرعب في النفس. فمن حيث قوة الإرادة، يتفوق عليّ هذا الرجل بمراحل ضوئية. قد لا يكون إلهاً، لكنه في هذه النقطة "وحش" كاسر بمقدوره صرع الآلهة.

أما عن خياراتي أنا؟ فأنا لم أختر شيئاً. لم أستطع اتخاذ أي قرار. عاماً تلو الآخر، لم أكن أقوم إلا بتصرفات عشوائية غير مدروسة، ومهما فعلت، لم يتغير من الواقع شيء. كنتُ عاجزاً تماماً، فجلستُ مكتوف الأيدي، ولا أزال على حالي هذا حتى الآن. الإنجاز الوحيد الذي يمكنني الادعاء بتحقيقه هو ذهابي للتوسل إلى "دي" طلباً للرحمة. إنه أمر مثير للشفقة إلى حدٍّ لا أطيقه. ومع ذلك، أجدني عالقاً في مأزق، عاجزاً عن الحكم ما إذا كان توسلي إليها صواباً أم خطأ، ولا ينفك عقلي يخبرني بأنه كان لا بد من وجود وسيلة أخرى.

𝓫𝒏𝙫.𝙤𝙢

حتى أنا أدركتُ أخيراً أن "دي" لم تمد يد العون لنا بدافع حسن النية. أو لعلني لم أدرك ذلك في حينها. فبعد مضي فترة طويلة، بدأت الشكوك تساورني بشأنها، وتأكدت ظنوني عندما انقطع اتصالي بها تماماً. لقد أدركتُ الحقيقة بعد فوات الأوان، أليس كذلك؟

لا أعرف ما هو مراد "دي" الحقيقي. وفقاً لقولها، فعلت ذلك لأن الأمر بدا لها "مثيراً للاهتمام"، وأنا موقن أنها تشعر بذلك حقاً، لكنني أعتقد أن جعبتها تحوي أهدافاً أخرى. وأحد هذه الأهداف، على الأرجح، هو نوع من التجارب العلمية. لقد سمعتُ عن طقس يسمى "كودوكو" على كوكب الأرض، وهذا "النظام" يتبع نفس المبدأ تماماً؛ إنه "كودوكو" عملاق. جهاز يدفع جميع الكائنات الحية لقتل بعضها البعض من أجل خلق كائن هو الأقوى على الإطلاق. والهدف النهائي هو صناعة إله. وبما أن مهارات "الخطايا السبع المميتة" و"الفضائل السبع" تتضمن في توصيفها عبارة "بلوغ مرتبة الألوهية"، فإن هذه النقطة تصبح واضحة وضوح الشمس. من المرجح أن "النظام" ليس سوى مفاعل تجريبي صُمم لخلق إله بشكل اصطناعي.

أما عن مغزى ذلك، فلا علم لي به، وربما يكون الأمر مجرد تزجية وقت بالنسبة لها. إضافة إلى ذلك، لاحظتُ في "النظام" مواصفات عديدة يمكن اعتبارها من قبيل "نزوات دي" أو دعاباتها الثقيلة. لا أجد تفسيراً منطقياً لكل تلك التفاصيل، وأنا على يقين بأنني لن أفهمها إلا إذا سألتُ "دي" مباشرة. وحتى لو سألتها، فربما لن أستوعب إجابتها؛ فهذه هي طبيعتها الغامضة، ومحاولة فهمها ستكون ضرباً من العبث وخسارة فادحة لي في الواقع.

نعم، كان من العسير فهمها. لم تكن لدي أدنى فكرة عما قد يثير مشاعرها أو يحرك سواكنها، وحتى الآن لا أزال أجهل ذلك. لو أنني تصرفتُ بتهور، لربما استجلبتُ غضبها، ولهذا السبب لم أجرؤ على فعل شيء سوى الامتثال لهدوء. حتى في هذه النقطة، تنازلتُ عن حقي في الاختيار. أو ربما، بالنظر إلى شخصية "دي"، لو استطعتُ فقط إثارة فضولها وجعلها تعتقد أن الأمر ممتع، لكنتُ قد حظيتُ بهامش أكبر من الحرية في التصرف. ولكن، نحن نتحدث عني أنا، أليس كذلك؟ هل تعتقد حقاً أن شخصاً مثلي بمقدوره إثارة اهتمام كيان مثل "دي"؟ رغم أنني أقول هذا بلساني، إلا أنني لا أؤمن بقدرتي على ذلك. وعندما يراودني خاطر بأنني قد أدمر كل شيء بجهلي، أفقد الشجاعة للإقدام على خطوة واحدة للأمام. ولهذا السبب، وبينما كانت "دي" تعبث بمصائر هذا الكوكب، وقفتُ عاجزاً لم أحرك ساكناً، ولم أفعل شيئاً على الإطلاق.

ومع ذلك، فرغم عبثها بهذا الكوكب، إلا أنها هي من أنقذته في النهاية. وبالنظر إلى الوضع الراهن، ورغم قلقي الشديد بشأن صحة ما كنتُ أفعله آنذاك، إلا أنه من المؤكد لم يكن لدي خيار آخر، وأن ذلك كان "أهون الشرين" والخيار الأمثل المتاح. وفي الواقع، حتى لو استطعتُ العودة بالزمن إلى تلك اللحظة، لربما ارتميتُ في أحضان "دي" مجدداً. همم، عندما أطيل التفكير، يبدو أن هذا هو المستقبل الوحيد الذي كان مقدراً لي سلوكه. فمهما بلغت مخاوفي، فمن السهل جداً أن أتخيل نفسي أهدر فرصة اتخاذ القرار غارقاً في قلقي؛ لذا، فإنني أرتضي لنفسي وصف "الخاسر".

آه.. آه، هذا صحيح، ها أنا أدور في حلقة مفرغة من جديد. أعتقد أنني أمتلك ما يمكن تسميته بـ "الروح المستنزفة". لستُ مختلفاً عن عامة الناس؛ فأنا مجرد كائن ينساق مع مجرى الأحداث، مسايراً للتيار. وإذا كان هناك من يُطلق عليهم لقب "أبطال" أو "شخصيات رئيسية"، أولئك الذين يسبحون عكس التيار ويفرضون إرادتهم ويغيرون وجه العالم، فعندئذٍ سأكون مجرد "شخصية ثانوية" هامشية تُضفي بعض النكهة على القصة. ومع ذلك، ورغم عجزي عن تغيير مجرى الأحداث، إلا أنني لا أزال أمتلك قوة ما؛ لذا لا يمكنني حتى أن أكون شخصية ثانوية حقيقية، بل أنا وجود ناقص يتسكع على هامش المسرح. مهما كان الأمر، فأنا كائن ناقص، أليس كذلك؟

ومهما بلغت درجة نقصي، ومهما كان دوري ثانوياً، فأنا موجود هنا بكينونتي. ربما لم أتخذ قرارات حاسمة في الماضي، لكن هذا لا يعني أنني سأظل مشلول الإرادة للأبد. وربما أساير التيار حالياً، لكنني لا أزال أسير معه بوعي. وربما أكون مجرد أداة في يد "دي"، لكن على عكس "النظام"، هي لم تخلقني؛ فأنا هنا بمحض إرادتي. أريدك أن تتذكر هذا جيداً.

حسناً، بما أننا نحتسي الشراب هنا، فربما لن تعي شيئاً مما أقول. ما زال في الكأس بقية، وما زال لدي الكثير لأشربه. ابقَ معي قليلاً، فما زال في جعبتي بعض التذمرات التي أود إخراجها.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط