«هيا نأكل.»
بعد أن تلت سارييل دعاء ما قبل الطعام، مدّ الأطفال أيديهم لتناول الطعام الموضوع على المائدة. قد يُتوقع أن تكون أوقات الوجبات أشبه بساحة معركة بالنسبة للأطفال في سن النمو، إلا أن حصص الطعام هنا كانت محددة مسبقاً، فلم يكن هناك أي تدافع عليها. وبالنسبة لصغارٍ في مقتبل العمر، قد يُثير ذلك شعوراً بسيطاً بالتململ، لكن سرقة الطعام من الآخرين كانت ممنوعة منعاً باتاً، وحتى لو نجح أحدهم في ذلك، فلن يُسمح له بتناوله؛ والسبب يكمن في أن هؤلاء الأطفال كانوا يمرون بظروف استثنائية، تجعل نظامهم الغذائي خاضعاً لرقابة صارمة.
كان هذا ملجأً للأيتام تديره سارييل، وبشكل أدق، كان ملجأً ومستشفى في آن واحد؛ حيث كان الأطفال في هذا الملجأ ضحايا لتجارب بوتيماس، وم ممن أُخذوا من مؤسسات البحث التي نشرها في كل مكان لرعايتهم وعلاجهم. كانوا جميعاً كائنات هجينة من صنع بوتيماس، كائنات خُلقت باستخدام البشر كأساس، ومُزجت بنباتات وحيوانات مختلفة في تجارب محظورة. أما الناجون القلائل...
كشف تفتيش قوات الشرطة لمراكز أبحاث بوتيماس عن وجود العديد من البشر الذين خضعوا للتجارب، وقد لقي معظمهم حتفهم؛ فمنهم من انتهت تجاربهم بالفشل، ومنهم من نجحت تجاربهم لكن حياتهم لم تدم طويلاً، ومنهم من فارق الحياة أثناء خضوعهم لتجارب أخرى. سُجّلت نتائج تلك التجارب بمنتهى القسوة والبرود، حيث عُومل الضحايا معاملة حيوانات المختبر، وتُلاعب بحياتهم بلا رادع.
الأطفال الذين نجوا بأعجوبة هم من حظوا بالرعاية في دار الأيتام، ومع ذلك، وللتعامل مع الآثار الجانبية للتجارب والإعاقات التي وُلدوا بها، أُلحقت الدار بمؤسسة طبية. في الوقت ذاته، كان الهدف أيضاً إخفاء هؤلاء الأطفال عن أعين العالم الفضولية؛ صبي صغير ذو بشرة خضراء، فتاة ذات آذان مدببة، وأخرى يغطي الحراشف جسدها... لقد كان من الضروري إبعاد هؤلاء الأطفال الذين يختلف مظهرهم الخارجي عن المألوف عن الأنظار.
مع اختفاء بوتيماس، علم العالم أجمع أنه وُضع على قائمة المطلوبين، ثم بدأت أسرار أبحاثه تتسرب من أماكن متفرقة، لتنتشر كالنار في الهشيم بين العامة. تراوحت هذه الشائعات بين الزيف والحقيقة، فكانت مزيجاً من الواقع والخيال. زعمت بعض تلك الشائعات أن بوتيماس خلق وحوشاً بشعة المنظر، وكانت هذه الأقاويل صحيحة إلى حد ما، وبعيدة عن الواقع في آن واحد؛ ففي الحقيقة، كانت هناك كائنات هجينة (كيميرا) صُنعت دون استخدام البشر كأساس، بل خلقها بوتيماس عن طريق دمج حيوانات مختلفة، وبعضها كان ذا مظهر غريب حقاً. ومن بينها كائنات هجينة يُمكن وصفها بالتنانين الزائفة، إذ زُرعت فيها جينات تنينية من مصادر مجهولة، ورغم أنها لم تكن بحجم التنانين الحقيقية، إلا أنها أظهرت قدرات قتالية عالية. وقد وقع حادثٌ دهس فيه تنين زائف هائج رجال الشرطة الذين داهموا أحد المختبرات، مما أدى لانتشار شائعات مبالغ فيها على نطاق واسع. لكن المشكلة الكبرى كانت تكمن في إمكانية التشكيك في وجود هؤلاء الأطفال ذوي المظهر الغريب؛ إذ انتشرت قصص عجيبة عن أطفال مشوهين نتيجة تجارب يهاجمون الناس، فصار الأمر أشبه بحكايات الأشباح المرعبة.
لم يكن مروجو هذه الشائعات يقصدون الخبث دائماً، فكثير منهم لم يصدقوا وجود هؤلاء الأطفال أصلاً، بل كانوا يبالغون في الحديث عن قصص لا تُصدق. ومع ذلك، كان الأطفال ضحايا التجارب موجودين بالفعل، ولأنهم يمتلكون سمات جسدية توصف بالغرابة، فقد تحولت تلك الأساطير في نظرهم إلى حقيقة مرة. لو علم العالم بأمرهم، لكان من المؤكد أن يتعرضوا للأذى بمختلف أشكاله، ولهذا السبب تحديداً لم يُعترف بوجودهم إلا أمام الأشخاص المتعاطفين، وأُبقي الأمر سراً دفيناً عن بقية العالم.
أخذت سارييل زمام المبادرة لرعاية هؤلاء الأطفال. وبعد أن فقدت "جمعية سارييل" أكبر متبرع لها، فودواي، تقلص نطاق أنشطتها بشكل ملحوظ. ومع ذلك، وبسبب هذا العامل وعوامل رئيسية أخرى، وجدت سارييل نفسها مضطرة للتخفي، وهكذا استقرت للعمل في دار الأيتام.
كان سبب اضطرار سارييل للاختباء هو معارضتها لنظرية "طاقة إم إيه" (MA energy). وكان بوتيماس -الذي اختفى لاحقاً- هو من أعلن عن هذه النظرية، وبحسب زعمه، يمكن من خلالها توليد كميات لا نهائية من الطاقة دون أن تنضب، كما أنها سهلة الاستخراج للغاية. إضافةً إلى ذلك، أذهل العالم بإعلان أن هذه النظرية توفر سبيلاً لتحقيق تطور ثوري في جسد الإنسان.
لكن سارييل كانت تدرك الحقيقة؛ كانت تعلم أن "طاقة إم إيه" تستنزف قوة الحياة الكامنة في الكوكب نفسه. إن مصطلح "إله" هو وصف عام يُطلق على الكائنات التي تمتلك كميات هائلة من الطاقة، وبناءً على هذه النظرية، يمكن اعتبار الكواكب نوعاً من الآلهة؛ إذ توجد كميات هائلة من الطاقة داخلها، وهي طاقة لا يمكن قياسها بالمعايير المادية. هذه الطاقة هي شريان الحياة للكوكب، وإذا استُنفدت، سيموت الكوكب لا محالة. لذا، فإن "طاقة إم إيه" هي جوهر الكوكب، واستخدامها ليس سوى استنزاف لسنوات عمره المتبقية.
مباشرةً بعد الإعلان عن نظرية تلك الطاقة، أدلت سارييل بتصريح رسمي حول خطورتها، إلا أن كلامها قوبل بالرفض. وبينما كان جزء من المشكلة يكمن في انجذاب الناس إلى سهولة استخدام "طاقة إم إيه"، كانت المعضلة الأكبر في افتقار كلام سارييل إلى المصداقية في نظرهم؛ فقد نُظر إلى هذه الطاقة على أنها طاقة غامضة لا يفك شفرتها سوى بوتيماس، وبغض النظر عن النظرية، لم يكن أحد يعلم يقيناً مصدر تدفقها. بعبارة أخرى، رغم تصريح سارييل الرسمي، لم يكن من الممكن إثبات صحة ادعاءاتها علمياً. وللأسف، أدلى باحثون آخرون بآرائهم الشخصية حول الطبيعة الحقيقية لهذه الطاقة، فاعتُبر كلام سارييل مجرد وجهة نظر أخرى لا تزيد عنها أهمية. أضف إلى ذلك أن سارييل كانت تترأس منظمة خيرية ولم تكن باحثة متخصصة، لذا لم يعرها أحد اهتماماً، بل على العكس، عوملت كشخصية مضطربة تتفوه بكلمات غير مدروسة.
ويعود جزء من سبب هذا الرفض إلى أن "ديانة التنين" أصدرت بياناً متطابقاً تماماً مع كلامها. وكما يظهر من اسمها، فإن "ديانة التنين" هي جماعة تقدس التنانين. ونظراً لمأساة "تيتمايا" وغيرها من الحوادث، كان الناس يعتبرون الخوف من التنانين وتجنبها أمراً بديهياً، بل كانوا ينظرون إلى المؤمنين بها على أنهم مختلون عقلياً. ولأن "جمعية سارييل" أصدرت بياناً يتقاطع مع معتقدات تلك الجماعة، فقد نظر الناس إلى ما قالته بعين الريبة والتشكيك، رغم أنه كان الحقيقة المحضة.
ومع ذلك، دافعت سارييل بضراوة عن موقفها المحذر من مخاطر "طاقة إم إيه"، فقد كانت على دراية تامة بالكوارث التي قد تترتب على استخدامها. حاولت بكل ما أوتيت من قوة إقناع الناس بضرورة التوقف التام، ولكن دون جدوى. ثم بدأت فئةٌ تؤيد بشدةٍ استخدام هذه الطاقة بمضايقة سارييل، وأُرسلت رسائل تهديدٍ إلى منزلها، وعندما لم يثنها ذلك، وصل بهم الأمر إلى استئجار قتلةٍ مأجورين. ورغم أن سارييل لم تتضرر جسدياً، إلا أن أشخاصاً أبرياء لا علاقة لهم بالجمعية تعرضوا للهجوم، مما اضطرها إلى كبح جماح أنشطتها والابتعاد عن الأضواء؛ فقد فضلت سارييل سلامة المقربين منها على مصير العالم، وهو أمر لا يمكن لأحد أن يلومها عليه.
وهكذا، اغتنمت سارييل الفرصة للاختباء، وكرست وقتها للعناية بالأطفال. وبينما كانت أصداء الدمار تقترب شيئاً فشيئاً، كان ذلك الوقت بالنسبة لها وقتاً من السكينة والسلام.