Switch Mode

محاكي الخلود 13

إعادة تشكيل العالم بقلبة يد +


**الفصل الثالث عشر: إعادة تشكيل العالم بلمحة بصر**

في «جناح تشوانغيوان» بمدينة شيوانغينغ ، تجمعت ثلةٌ من أهل العلم والبيان ؛ ليتدارسوا تلك النصوص القديمة التي هزت أرجاء العالم وأحدثت فيه ضجةً كبرى.

ومنذ أن ظهرت هذه النصوص قبل أيام لم تألُ مطابع المدينة جهداً في العمل ليل نهار لإنتاج المزيد من النسخ ، ومع ذلك ظل الطلبُ يفوق العرض بمراحل. وقد نال هؤلاء العلماءُ بضع مجلدات بشق الأنفس ، فدعوا أقرانهم ليتذاكروا ما فيها معاً.

قال أحدهم: «أسمى الفضائل مثل الماء ؛ فالماء ينفع كل شيء ولا يخاصم أحداً. عمقٌ ، أيُّ عمقٍ هذا!»

وأضاف آخر: «الداو يُولِد الواحد ، والواحد يُولِد الاثنين ، والاثنين يُولِد الثلاثة ، والثلاثة تُولِد كل الأشياء. و هذه الكلمات القليلة وحدها تكشف عن حقائق لا حدَّ لها. إن هذه الصحف لشيءٌ عُجاب!»

وعقب ثالثٌ: «في رأيي ، هذه الكلمات الثلاثة آلاف وحدها تفوق كل ما قرأتُ من مؤلفات في حياتي!»

فأيده غيره: «وأنا أشعر بالشعور نفسه!»

لكنَّ صوتاً آخر قاطعهم: «لا ، لا.. ففي نظري ، عمق «كتاب التغيرات» يتجاوز حتى «كتاب الداو». ومع أن لغته غامضة ومكثفة إلا أن كل كلمة فيه كالجُمان ، وكأنها تحوي الحقائق المطلقة للسماء والأرض.»

«صدقتَ! فكما تتحرك السماء بقوة ونشاط ، يسعى النبيلُ دون توقف لتقوية نفسه! إنها تخاطب صميم طموحاتنا!»

كان العلماء يتجاذبون أطراف الحديث بحماسةٍ بالغة ، وقد تملكتهم الدهشةُ والافتتان.

عندها ، تنهد أحدهم تنهيدةً عميقة وقال: «أن تُدفن مثل هذه الكتابات السامية تحت الثرى لآلاف السنين ، بعيداً عن معرفة العالم.. كلما فكرتُ في هذا ، اعتصر قلبي الأسى والندم!»

فأحدثت كلماته همهماتٍ بالموافقة من الجميع.

«حقاً كان معلمي الراحل يُحب الكتب فوق كل شيء. كم كان سيسعد لو أُتيحت له الفرصة لقراءة هذه الصحف.»

«إن كل علماء الماضي الذين لم يحظوا بفرصة الاطلاع على هذه النصوص لمحرومون حقاً!»

هنا ، برز صوتٌ متشكك: «ولكن ، هل هذه النصوص حقاً من أعمال الشيوخ القدامى ، ضاعت بسبب الحروب ولم يبقَ منها إلا شذرات في المقابر ؟ لقد قرأتُ «تشوانغ زي» و«المختارات» ، ولم أجد لهؤلاء الناس أو لتلك الأحداث ذكراً في أي سجلات تاريخية.»

صمت الآخرون لحظةً قبل أن يردوا بقناعة: «لا بد أن يكون الأمر كذلك. فكتاباتٌ بهذا المستوى لا يمكن أن يصيغها بشرٌ في زماننا هذا. إن تاريخنا المدوّن لا يغطي سوى السنوات الثلاثة آلاف الأخيرة ، أما ما قبل ذلك فالسجلات فيه شحيحة. لا بد أن هذه الكلاسيكيات بقايا من ذلك العصر السحيق.»

«سمعتُ أن مدرسة «الاستقصاء التاريخي» حين قابلت الإمبراطور ، ادعت أن مئة مدرسة فكرية كانت تتصارع في ذلك العصر القديم ، وأنتجت من الكلاسيكيات ما يضاهي نجوم السماء في كثرتها. وما نقرؤه الآن ليس إلا جزءاً يسيراً من تلك الحكمة الضائعة.»

تصاعدت صيحات الذهول من العلماء في الجناح.

«أيعقل أن يكون هذا صحيحاً ؟!»

«فكرة وجود كل هذه الروائع مدفونة ، محجوبة عن العالم.. تؤلمني في الصميم! لن يغمض لي جفنٌ الليلة!»

«من يدري أي كنوز أخرى من الكلاسيكيات المفقودة قد تكون موجودة ؟»

«لكن هذه النصوص استُخرجت من مقابر قديمة. تدعو مدرسة «الاستقصاء التاريخي» إلى عمليات تنقيب واسعة النطاق لاستعادة الكتب المفقودة ، لكنَّ مثل هذه الأفعال تنتهك المبادئ الأخلاقية.»

مال العلماء بفطرتهم إلى الموافقة ، لكنَّ فكرة وجود روائع لا حصر لها مدفونة تحت الأرض جعلتهم يترددون.

«لقد صرّح زعيم مدرسة «الاستقصاء التاريخي» بأنهم يجرون تنقيبات إنقاذية ، غايتها الحماية لا الهدم.»

«صحيح قد سمعتُ أنه كلما نقبوا في مقبرة ، استخرجوا كل قطعة أثرية بعناية فائقة وحفظوها بدقة ، على عكس لصوص القبور الذين يعبثون بالمكان بحثاً عن الذهب والفضة. بل إنهم يستعينون بمتخصصين لترميم القطع التالفة.»

«إذاً ، لا يمكننا ببساطة مساواتهم بلصوص القبور.»

ومع ذلك ظل كثيرون بين الحشود متمسكين بآراء معارضة.

«مثل هذه الكلمات لا تغني شيئاً. أي فرقٍ يصنع ذلك ؟ كل واحد منا له أسلاف ، فكيف سيكون شعورك لو نُبشت قبور أسلافك بهذه الطريقة ؟»

«لا ينبغي لنا أبداً إرساء هذا التقليد ؛ وإلا ستكون العواقب وخيمة. حيث يجب أن نفعل كل ما في وسعنا لمنعه.»

«هذا صحيح تماماً.»

آثر البعض الصمت ، ولعبوا دور المصلحين: «لا ريب أن جلالة الإمبراطور ومسؤولي البلاط يدرسون هذا الأمر الآن. لا داعي لأن نرهق أنفسنا كثيراً.»

«دعونا نراقب الموقف في الوقت الراهن.»

***

بينما كانت النصوص القديمة تنتشر في أرجاء البلاد ، اندلعت نقاشات محتدمة في «شوان العظمى». وتكررت مشاهد مثلما حدث من جناح تشوانغيوان في مختلف الأنحاء.

كان «لي فان» يدرك أن تغيير قناعات الناس بين عشية وضحاها أمرٌ مستحيل ؛ لذا كان هذا مجرد البداية. و لكنه لم يكن قلقاً أدنى قلقٍ من الفشل.

في هذا العصر كان العلماءُ يمسكون بزمام الخطاب العام ، وبوجود كلاسيكيات لا تُعد ولا تُحصى كطُعم لم يشكَّ «لي فان» لحظةً في أن هؤلاء العلماء سيذعنون. و علاوة على ذلك هو لم يكن بحاجة إلى دعمهم ، بل يكفيه ألا يعارضوه علناً.

بينما كان «لي فان» يناور سراً لكسب النفوذ كان يوسع باطراد نطاق تأثير مدرسة «الاستقصاء التاريخي» بين عامة الشعب.

في السنة السادسة من عهد «أنكور» ، أصيب الإمبراطور بمرض عضال أقعده الفراش ، ولم يستطع أطباء البلاط الوصول إلى علاج. وفي هذه اللحظة الحرجة ، قدمت مدرسة «الاستقصاء التاريخي» حبة دواء إلى العرش ، زاعمةً أنها اكتُشفت في مقبرة قديمة ، وأنها -على الأرجح- كانت خبيئةً لأحد الخالدين ، ولها القدرة على إحياء الموتى وتجديد الأجساد. واقترحوا عليه تناولها ، لعلها تكون طوق النجاة.

في البداية ، تجاهلهم الإمبراطور ، لكن مع تدهور حالته يوماً بعد يوم ووقوفه على حافة الموت ، ابتلع الحبة يائساً ، كملجأ أخير.

ولمفاجأة الجميع ، أثبتت الحبة مفعولها المعجز ؛ ففي غضون أيام تماثل الإمبراطور للشفاء التام.

اهتزت أركان البلاط ، وانشغل المسؤولون بالتكهنات. بل إن الإمبراطور صار يستدعي زعيم مدرسة «الاستقصاء التاريخي» لجلسات ليلية ، يسأله مطولاً عن الخالدين حتى أهمل شؤون الدولة لأيام.

ومنذ ذلك الحين ، صار الإمبراطور مؤمناً راسخاً بوجود الخالدين ، وأصدر أوامره سراً لضباط عسكريين موثوقين بالتعاون مع مدرسة «الاستقصاء التاريخي» في سعيهم للبحث عن آثار الخالدين في المقابر القديمة.

في السنة التاسعة من عهد «أنكور» ، أقامت مدرسة «الاستقصاء التاريخي» معرضاً في مدينة شيوانغينغ ، ودعت مسؤولي البلاط ونخب النبلاء لحضوره. ورغم ثراء هؤلاء الرجال وسعة معرفتهم إلا أن رؤية الكنوز النادرة المعروضة جعلتهم في حالة من الافتتان والذهول ، وقضوا ساعات طويلة وهم يهيمون بها إعجاباً.

بعد ذلك رفعت مدرسة «الاستقصاء التاريخي» قيود الدخول ، وسمحت للعامة بشراء التذاكر ومشاهدة المعروضات. فثارت ثائرة مدينة شيوانغينغ حماساً ، واصطفَّ حشود لا تُحصى من الناس ، تواقين لإلقاء نظرة على تلك الكنوز. حتى أصبحت الجموع ضخمةً لدرجة أنها سدت شوارع العاصمة ، ولم يمنع وقوع الفوضى العارمة إلا مرسوم الإمبراطور والدوريات المسلحة من حامية المدينة.

استمر المعرض لأكثر من نصف شهر ، وبعد نهايته لم يغلق أبوابه ، بل بدأ جولةً متنقلة في أرجاء «شوان العظمى».

وفي السنة الحادية عشرة من عهد «أنكور» ، كشفت ولاية «جيانغ هواي» عن عملية واسعة لنبش القبور ، وألقت القبض على أكثر من مئة جنايٍ. كانت هذه العصابة قد نهبت مقابر في أعماق الجبال ، متسببةً في خسائر لا يمكن تعويضها.

ووفقاً للقانون كان يجب الحكم على المجموعة بأكملها بالإعدام ، ولكن نظراً لكثرة المتورطين وتداعيات القضية بعيدة المدى لم يجرؤ حاكم ولاية «جيانغ هواي» ، «لي فان» ، على التصرف من تلقاء نفسه. فصاغ مذكرةً وأرسلها على عجل -ببريدٍ عاجل يقطع ثمانمئة لِي- إلى مدينة شيوانغينغ ، ملتمساً حكم الإمبراطور.

سخط بعض المسؤولين عند سماع الخبر ، وقدموا عرائض تطالب بالإعدام الفوري. ومع ذلك وبشكلٍ غريب ، ظل الغالبية العظمى من مسؤولي البلاط صامتين.

كما احتفظ الإمبراطور بكل العرائض دون تعليق.

ومضى شهرٌ كامل قبل أن يصل مرسوم الإمبراطور أخيراً ؛ فلم يصدر أي أحكام بالإعدام ، وبدلاً من ذلك كان الحكم بالسخرة ، على أن يُرسل جميع المدانين إلى العاصمة.

ولم يقدم أيٌ من مسؤولي البلاط عرائض معارضة.

ألقى «لي فان» نظرةً على المرسوم الإمبراطوري ، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه ؛ فقد كان يعلم أن زخم التيار أصبح الآن لا يُقهر.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط