الفصل 550: الفصل 98: العودة كالصاعقة
قصف الرعد.
انطلقت شرارة برق تشق عنان السماء.
وسط انهمار المطر الغزير، بدأت رائحة الدماء النفاذة تنتشر في الأرجاء. امتطى فارسان جواديهما المطهمين وصعدا التل، يرقبان من عليائهما رحى المعركة الضروس المستعرة بين الجيشين. وعلى الرغم من أن أعدادهم لم تكن غفيرة، حيث لم يتجاوز عدد المحاربين في كل جانب بضع مئات، إلا أنهم استبسلوا في القتال بضراوة منقطعة النظير. برع المحاربون والمحاربات في فنون الرماية من فوق صهوات الخيول والكر والفر، وبسبب المطر، ارتخت أوتار أقواسهم، مما اضطرهم إلى استلال سيوفهم ورماحهم لخوض غمار طعان مباشر.
أضاء البرق ملامح "دنكان" الحادة وهو يرمق راية رأس التنين التي لا تزال ترفرف شامخة في ساحة الوغى وسط العاصفة. وللحظة، بدا عليه الشرود، وكأنه يستحضر ذكريات سنوات حملاته العسكرية في أصقاع أوروبا.
أكثر الحراس الشخصيين إخلاصاً للإمبراطورية؛ الفرسان السارماتيون.
رغم قلة عددهم، ظلوا ثابتين شجعاناً في مواجهة غزو البدو الشرقيين الأشداء. رفعت محاربةٌ باسل راية رأس التنين عالياً، وصدى صيحتها الحربية يتردد مدوياً مع وميض البرق. ومن خلفها، أعاد الفرسان القلائل الناجون تنظيم صفوفهم، قابضين على رماحهم الطويلة بإحكام، مشكلين سيلاً من الفولاذ وهم يشنون هجومهم الأخير المستميت على العدو.
كانوا كما عُهدوا دائماً، جسورين وأشاوس، يسترشدون براية التنين التي أذكت في نفوسهم روح التضحية والشجاعة!
"ابقِ هنا وانتظريني."
أدار "دنكان" رأسه ليلقي نظرة خاطفة على الساحرة "غليا" التي كانت بجانبه، ثم انطلق ممتطياً جواده وحيداً، رافعاً رمحه السحري وهو يعدو هابطاً المنحدر. بدت هيئته كصاعقةٍ تخترق عتمة الليل. إنه "الملك الصامت"، جيشٌ في رجلٍ واحد. وسط هدير الرعد، ارتعدت فرائص كل ذي روح، وانهمر البرق كالسيل العارم، ومع ذلك لم تصب صاعقةٌ واحدة "دنكان"، وكأن البرق لم يُخلق إلا لينير له الدرب أمامه.
ستعود كالصاعقة المرسلة،
ستبتهج الأمة بأسرها،
الأرض والبحر والسماء،
ستستنير بنورك الضياء.
سأرتدي البياض نصاعةً،
سألمس كفيك ثانيةً،
يا نوري ويا نبض فؤادي،
أحبك ملء المدى.
𝕧.
ملك الملوك، الملك المخلص…
الدماء، الموت، صهيل جياد الحرب؛ حياة المحاربين تتفتح كالزهور في عرضٍ مهيب تحت وميض البرق، فقط لتدبل وتذوي.
تحت وطأة العاصفة الرعدية، ثمة هدير صامت، يحصد الأرواح حصداً.
اندلع تصادم عنيف في طرفة عين. وفي مواجهة فرسان النخبة المهاجمين، استل البدو الأشداء سيوفهم المنحنية من أغمادها. لن يثنيهم شيء عن غزوهم، ولن يقف أحد في وجه طموحهم الجامح لاكتساح العالم.
الأرواح واللهب، العاصفة والبرق.
دوى الرعد كأنه زئير تنين غاضب.
في لحظة الاصطدام كانت الخسائر فادحة ومروعة؛ فوسط السيول الجارفة كانت الجثث أشلاءً ممزقة، وصدى أنين الخيول الحزين يملأ الفضاء؛ وسقط الأبطال من على ظهور خيولهم، لتدوسهم حوافر الفرسان المندفعين. طعنت المحاربة التي تتقدمهم جثة عدو برمحها الطويل، واخترق صراخها الحربي المفعم بالروح التي لا تستكين صفوف العدو، يرافقها بضع عشرات من الفرسان فحسب.
كانت قطرات الدماء تتساقط دون انقطاع.
أثخنت الجراح جسدها، لكن يدها التي تقبض على راية التنين لم تعرف الارتجاف. أعاد الفرسان الذين تقلص عددهم إلى بضع عشرات تنظيم صفوفهم في صمت مهيب، وأحاطوا بالمحاربة الشجاعة، مشكلين تشكيلاً هجومياً تحت البرق المتلألئ مرة أخرى.
هجوم! هجوم! هجوم!
اندفاعٌ حتى المنون، وقتالٌ حتى آخر رمق.
اندلع تصادم السيوف مرة أخرى، لكن هذه المرة خارت قوى المحاربة الشجاعة ولم تعد تقوى على الصمود. تمايل جسدها المثقل بالجراح البليغة، وكادت تسقط من فوق صهوة جوادها، وإذ براية التنين تفلت من يدها وتسقط هامدة.
لكن في تلك اللحظة الحاسمة!
قصف الرعد.
وسط وميض البرق، تلقفت ذراع قوية راية التنين المتأرجحة، ورفعت تلك اليد الراية لترفرف من جديد. وبذات القوة، أحكم قبضته على خصر المحاربة التي كادت تسقط، واجتذبها بخفة وسهولة إلى صدره فوق السرج.
رفعت المحاربة رأسها، ووجهها الشاب ملطخ بالدماء والدموع، فلم تبصر سوى ملامح الرجل التي جلاها البرق بوضوح.
"تمسكي بي جيداً."
تردد صدى صوت منخفض، مفعم بالقوة كصلابة الفولاذ، وقال بنبرة عميقة: "لقد عاد ملككم".
راية التنين، الرمح، وإرث السارماتيين.
دويٌ عظيم!
انطلق البرق عبر السماء كأنه تنين شرس كاسر.
أثار رمح "استحضار الأرواح" عاصفة من الدماء والأشلاء. وبينما كانت الرياح تعصف بعنف، تساقط الأعداء المحيطون في موجات كالهشيم الذي تذروه الرياح. انطلق بجسده وحيداً، وألقى باللجام في يد المحاربة؛ رفع "دنكان" راية التنين الملطخة بالدماء عالياً بيد، وباليد الأخرى أعمل الرمح في الرقاب كأنه تنين حقيقي، فشق صفوف أكثر من عشرة أعداء، وقاد من تبقى من فرسان "سارماتيا" لاختراق تشكيلات العدو حيث تناثرت الجثث، ولم يستطع أحد قط الوقوف في وجه زحفهم.
"من هذا الرجل؟" (بلغة أهل السهول البدوية)
"إنه شيطان!"
في مواجهة هذا الرجل الذي بدا كطيفٍ إلهي مهيب، حاول فرسان البدو الذين اخترق صفوفهم للتو إعادة تنظيم أنفسهم. كان قائد محاربي البراري يشاهد بصدمة وذهول ذلك الرجل وهو يشق طريقاً معبداً بالدماء، وشعر برعب غامض لا يجد له تفسيراً.
من حولهم، اتبع فرسان السارماتيين وجهة راية التنين. ورأوا المحاربة المصابة بجروح بالغة وهي تمسك بزمام الأمور والارتجاف يسري في أوصالها؛ ولم يدرِ أحد أكان ذلك من فرط الحماس، أم من الارتعاد، أم من الهيبة.
في عتمة الليل، ظهرت حدقات عيون التنين الباردة والعمودية.
أضاءها وميض البرق.
أهو تنين حقاً؟!
تراجعت أجساد الفرسان المثخنة بالآلام، وقد علت وجوههم تعابير ملؤها الرهبة والتبجيل، وهم يجتمعون معاً تحت ظلال راية التنين الملطخة بالدماء.