الفصل 548: الفصل 97: فراق الطرق! استعارة قوة السماء لاكتساح العالم (2)
في سكون الليل الدامس، وصل وفدٌ من المبعوثين القادمين من المدينة الذهبية إلى المخيم، يتبعهم ثلةٌ من الحراس الذين حملوا في صمتٍ سجادةً فاخرة ودلفوا بها إلى خيمة "دنكان".
وفي طيات تلك السجادة الفارسية النفيسة، كانت تكمن امرأةٌ باهرة الجمال، ترفلُ في أثوابٍ فاخرة، ذات قوامٍ ممشوقٍ يفيضُ أنوثة، وتتزينُ بحليٍّ باهظة الثمن.
لقد أعاد مظهرها إلى ذهن "دنكان" صورة "كليوباترا" ملكة مصر الأسطورية.
— [الأميرة كليوباترا (الكاهنة العظمى) (الساحرة) (حظية إيزيس المفضلة) (شخصية ذهبية من فئة الخمس نجوم)]!
نهضت هذه الحسناء التي تحاكي "كليوباترا" في حسنها بتمهل، ورمقت "دنكان" بنظراتٍ ملؤها الإعجاب بشجاعته وبأسه، ثم جلست إلى جانبه بوقارٍ وأناقة، وسكبت له كأساً من الخمر المعتقة، وقالت بصوتٍ خفيض: "تبدو مُثقلاً بالحنق، كأنما استوحشتَ من خذلان الجميع لك".
تملك الذهولُ "دنكان" أمام جمالها الطاغي وهيبتها؛ إذ لم يكن يتوقع حضور شخصيةٍ بمثل هذا الثقل، وظن أنهم سيرسلون أميرةً من غمار الناس، لكن المفاجأة كانت في قدوم الأميرة الكبرى لملك المدينة الذهبية بنفسها.
تناول "دنكان" كأس الخمر وتجرعها دفعةً واحدة، ثم قال بنبرةٍ متزنة: "لم يكن من المفترض أن تطأ قدماكِ هذا المكان، أيتها الأميرة كليوباترا".
انطلقت ضحكةٌ خافتة من بين شفتي الأميرة كليوباترا وهي تقول: "لقد اخترتُ المجيء إليك بملء إرادتي".
اقتربت بجسدها الفتان من "دنكان"، وتلمست عضلاته المفتولة برقةٍ متناهية، ثم همست: "أتراني نلتُ رضاك؟"
كانت الأميرة كليوباترا تفيض ثقةً بنفسها؛ فجمالها كان يسلبُ الألباب ويتفوقُ على كل مَن عداها.
حافظ "دنكان" على هدوئه وأجاب: "أنتِ دميةٌ فاتنة بلا شك".
واستطرد قائلاً: "ولكن، من المؤكد أنكِ لم تأتِ إلى هنا لكي تكوني مجرد دميةٍ يعبثُ بها رجلٌ بربري".
حين وصفها "دنكان" بالدمية، لم يطرف لها جفن ولم يظهر عليها أي انزعاج؛ فقد كانت رباطة جأشها عميقة كالبحر، وضحكت برشاقة قائلة: "بلغني أن لك امرأةً، تلك القرصانة الفظة؟"
"هل شققتَ عباب البحار وغزوتَ جزر السواحل لتنصبها ملكةً للقراصنة؟"
"أنا أيضاً يمكنني أن أكون امرأتك".
"خالصةً لك وحدك".
"سواء في ماضيكَ أو حاضرك، سأكون الرجل الوحيد في حياتي".
داعبت أناملها الرقيقة، التي تشبه اليشم في صفائه، وجه "دنكان" برفق، وكانت أنفاسها تفوحُ عطراً وهي تكمل: "لا أطمعُ في الكثير، كل ما أريده هو عهدٌ منك بدعمي لأعتلي عرش البلاد الذهبية".
"وعلاوة على ذلك، فإن كل هذا الملك سيؤولُ إلى أبنائنا في المستقبل".
لقد كانت صفقةً رابحة بكل المقاييس؛ الفوزُ بجمالٍ أخاذ، وضمانُ إرثٍ ملكيٍ للأحفاد.
بيد أن "دنكان" هز رأسه ببطء وقال: "لن أنصب نفسي ملكاً على عرق البرابرة، على الأقل ليس في المنظور القريب. كل ما تصبون إليه قد يطولُ انتظاره كثيراً".
لقد أبى "دنكان" أن يتقلد تاج الملك لقبائل البرابرة في حقول الجليد الشمالية؛ إذ لم يكن ليرضى بأن يظل أبد الدهر مجرد أداةٍ تنفذُ أوامر "الآلهة الغاضبة".
لم تستطع الأميرة كليوباترا كبت صدمتها حين سمعت كلماته؛ فإذا تخلى "دنكان" عن قيادة جيش البرابرة العرمرم، فإن ثقله السياسي سيضمحل، وقد يستجلبُ ذلك سخط "الآلهة الغاضبة"، فتفقدُ هي ومملكتها حظوتهم لديهم.
وفي هذه الحالة، لن تتبقى لـ "دنكان" قيمةٌ سوى في شخصه وبراعته القتالية الفذة.
جزت الأميرة كليوباترا على أسنانها وقالت بهدوء: "إلى متى يتعينُ عليّ الانتظار؟"
كانت مستعدةً للصبر؛ فقد تناهت إلى مسامعها أخبارُ بطولاته، وعلمت أن هذا الرجل نسيجٌ وحده يختلفُ عن سائر البرابرة، خاصةً بعد أن أطاح بأربعةٍ من "المختارين الإلهيين" في يومٍ واحد.
أخيراً، التفت "دنكان" ليتأمل بتمعنٍ هذا الجمال الساحر الماثل أمامه، ومد يده ليرفع ذقن الأميرة كليوباترا كأنه يتفحصُ تحفةً فنيةً نادرة، وقال بصوتٍ جهوري: "لا أعلم".
"قد يكون ذلك عما قريب، أو بعد أمدٍ بعيد".
"ولكِ مطلقُ الحرية في الرحيل من هنا متى شئتِ".
ساد صمتٌ مطبقٌ أرجاء الخيمة.
ترددت الأميرة كليوباترا طويلاً؛ فقد كان قراراً مصيرياً يعني مراهنتها بكل ما تملك على هذا الرجل وحده، بعيداً عن جيش البرابرة وقوة "الآلهة الغاضبة" المهيبة.
وبعد برهةٍ من التفكير، ارتمت في أحضان "دنكان"، ووضعت يده فوق قلبها، وتنهدت قائلة: "لا أدري ما الذي تنوي فعله".
"لكنك تبدو مختلفاً عن كل من قابلتُ من الرجال".
"لا يمكن لأحدٍ أن يُخضعني إلا رجلٌ بقوتك وجبروتك".
"سأنتظرك".
عقدت الأميرة كليوباترا عزمها على خوض غمار هذه المغامرة الجريئة؛ فلم تكن تعتقد أن رجلاً يمتلك الجرأة للزهد في الملك الذي وعدته به الآلهة سيبقى خاملاً؛ وحتماً حين يعود، سيأتي بمفاجأةٍ تزلزلُ الأركان.
بدت علامات الدهشة أخيراً على وجه "دنكان"، ودون تردد، حمل الأميرة كليوباترا بين ذراعيه.
فحتى الآلهة اضطرت للجلوس إلى طاولة المفاوضات، ومع ذلك تجرأت هذه المرأة على المراهنة بكل أوراقها عليه. لقد فاق شجاعتها حتى شجاعة "أنيا".
ومضت ليلةٌ لم يكن للكلام فيها موضع.
وعند انبلاج فجر اليوم التالي، وبعد وداع الأميرة كليوباترا، خرج "دنكان" من خيمته وهو يتمطى بنشاط.
لمعت عينا الساحرة "غليا" ببريقٍ من المرح وهي تتفرسُ في آثار الخدوش على جسد "دنكان" وقالت متهكمة: "يبدو أنك نلتَ قسطاً وافراً من المتعة مع تلك العطية؟"
أومأ "دنكان" برأسه وأجاب بوقار: "حقاً، إنها درةٌ نادرة الجمال".
"وقد حازت على رضاي تماماً".
كان جمال الأميرة كليوباترا ودلالها، كأنها وصيفةٌ مصريةٌ عريقة، يفوقُ كل وصف، وكانت تبذلُ قصارى جهدها لتلبية رغبات "دنكان" وكأنها نبعُ ماءٍ عذبٍ لا ينضب.
رفعت الساحرة "غليا" حاجبها وقالت: "إذن، لِمَ لمْ تستبقِها معك؟"
تعالت ضحكة "دنكان".
ثم نهض، وتناول فأس المعركة الثقيلة الموروثة عن أجداده، وأمسك برمح السحر الأسود، وحزم أمتعته القليلة وقال: "هيا بنا".
"لنمضِ في سبيلنا الخاص".
أن نسلك طريقنا الخاص..
ارتجفت الساحرة "غليا" قليلاً حين سمعت هذه الكلمات؛ فقد انتظرت طويلاً لتراه يتخذ هذا القرار الحاسم.
فما دام باقياً تحت عباءة "الآلهة الغاضبة"، فلن يبلغ المجد الحقيقي أبداً.
فمن ينشد الألوهية، لا يرضى بأن يكون تابعاً لأحد.
لم تملك الساحرة الفاتنة إلا أن تقتفي أثره، ثم سألته بترددٍ مشوبٍ بالحذر: "أسترحلُ هكذا ببساطة؟ ظننتُ أنك ستودعُ البقية".