الفصل الخمسمائة وتسعة: الفصل الخامس والثمانون: دمار الأمة الثانية عشرة! بزوغ فجر أوجار (الجزء الثاني)
قالت الأميرة كليوباترا وعلى ثغرها ابتسامة فاترة: "إذن، فلنضع في طريقه بعض العقبات. إن بروميثيوس يرفل في أثواب الغطرسة والصلف، ولابد أن يدفع ضريبة كبريائه تلك."
وما إن أتمت حديثها، حتى رفعت يدها بوقار وأردفت: "امضِ قدماً."
"أحكم الرقابة عليهم."
"حين ينفضُّ مقت الآلهة عن بروميثيوس وتفارقه العناية، لن يكون لهذه الأرض سوى وريثٍ واحد."
ليست كل الأميرات يحُزنَ سطوةً حقيقية، فقلّةٌ منهنَّ فقط من يمتلكن القوى الإلهية والقدرة على ممارسة السلطان الكهنوتي في الخفاء.
ولا يقلُّ النزاع بين الإخوة والأخوات هاهنا ضراوةً ووحشية عن ميادين القتال.
في ردهة مقدسة محجوبة تحت الثرى.
ولج بروميثيوس إلى هذا المكان محفوفاً بكتيبة من الحراس. وعلى نقيض القاعات المقدسة المشيدة في الخارج، كانت هذه القاعة تغرق في ظلام دامس، وتغصُّ بتماثيل شتى لآلهة برؤوس وحوش وأجساد بشرية.
—سيت (إله الحرب والصحراء والعواصف).
منذ أن وطئت قدما "أمان" الساحل الذهبي، أذعنت أرواح إلهية جمة لهذا الكيان القدير، بَيْدَ أنَّ بعضها أبى السجود؛ وكان من بينها آلهة طائفة عبادة الوحوش.
لا أحد يفقه كنه "أمان" في الأصل.
إذ يعتقد البعض أنه كان إلهاً قديراً من عالم غريب، بينما ذهب آخرون إلى أنه إله الشمس المفقود "آمون رع"، وهو المزيج اللاهوتي بين الإله آمون والإله رع، ولكن ثمة حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن "أمان" يشترك في بعض الخصال مع آمون.
في العالم الأول، التقى دنكان بـ "آمون"، أحد ملوك الشياطين الاثنين والسبعين، وهو عبارة عن تجلٍّ روحي قدسي استُحيل إلى أداة لخدمة ملك الشياطين.
لقد كانت تلك صنيعة التوحيد الكبرى.
كان الأمر أشبه بمسخ جوهر "آمون" وتحويله إلى دمية شيطانية.
ولكن في غابر الأزمان، كان آمون ملك آلهة "طيبة"، وما زال إلهاً مهيباً للشمس في بعض العوالم، إلا أن نجمه أفل تدريجياً، وتعرضت جلُّ تجلياته الروحية المقدسة لإصابات فادحة بل واضمحل بعضها.
وفي أواخر العصور المظلمة، ازدهرت عبادة آمون، ولكن بعد تشكل الساحل الذهبي، انحسر الإيمان به شيئاً فشيئاً.
ويساور البعض الشكُّ في أن آمون قد قُضي عليه!
حتى هيئته الحقيقية ربما هلكت في عالم آخر يضجُّ بالأرواح الإلهية العاتية.
دخل بروميثيوس إلى غياهب القصر، وشخص بصرُه نحو الكاهن الأكبر الماثل أمامه، وقال بصوت جهوري: "أبتغي منك الابتهال لاستحضار قوة الروح الإلهية للنيل من هيجل وصحبِه!"
"طالما أن هلاك هيجل ممكن، فسأشيد لآلهتكم صرحاً مقدساً يبهر الأبصار!"
لبث الكاهن صامتاً ردحاً من الزمن، ثم نبس ببطء: "سيت العظيم لن يتدخل بشخصه."
"ولكن القوة الكهنوتية طوع بنانك."
اكفهر وجه بروميثيوس، وقال بنبرة حادة: "لا يعنيني ما تنتهجه من سبل! كل ما أرجوه هو أن أرى هيجل صريعاً!"
"وأولئك الهمج الجُفاة! يجب أن يُبادوا جميعاً!"
لقد بات جلياً؛ أنه مع ذيوع صيت الأسطورة، أصبح بروميثيوس مجرد جسرٍ يعبر عليه دنكان وهيجل نحو المجد، وتزعزعت مكانته بشدة، في حين غدا الآخرون أبطالاً أسطوريين يشار إليهم بالبنان في هذا العصر.
ولابد من ظافرٍ واحدٍ بينهم.
لأن هذا الزمان لا يتسع لزحام الكبار!
وكلما ازدادت شهرة دنكان وهيجل سطوعاً، زاد احتمال تحول بروميثيوس إلى شخصية هامشية، بل وأضحوكة يتندر بها الأنام.
غادر بروميثيوس المكان على عجل.
وعند خروجه، لم يتمالك نفسه من الإمساك ببطنه، حيث داهمه وجعٌ ممضٌ آخر.
وبعد برهة طويلة.
ترددت همسة في غياهب الظلام: "أأطلقت قواه من عقالها؟"
هز الكاهن رأسه وئيداً وقال: "ليس بعد."
"لكن نار الغيرة تقذفه في أتون الجنون، والكراهية توقد مرجله، وهو يستعيد ماهيته ببطء."
إن الصراعات الخفية بين الآلهة لا تخمد نيرانها أبداً.
يمتلك بروميثيوس بالفعل سلالة إلهية، ولكن ما يكتنفه من أسرار أخرى يظل مجهولاً حتى بالنسبة للآلهة أنفسهم.
ففي الأساطير المصرية القديمة، شقَّ "سيت" رحم أمه شقاً ليخرج إلى النور، وبدافع الغيرة العمياء، فتك بالملك المصري "أوزوريس"، ثم مزق جسده إلى أربعة عشر جزءاً. استعادت زوجته، الإلهة "إيزيس"، الجثمان رغبةً في بعثه من جديد، لكنها لم تعثر إلا على ثلاثة عشر جزءاً، إذ التهمت سمكةٌ أعضاءه التناسلية.
ولم يكن أمامها من سبيل.
فلم تجد بداً من نحت بديلٍ اصطناعي، وأعادت زوجها إلى الحياة لليلة واحدة، فحبلت منه بابنٍ سمي "حورس".
وحورس هذا هو إله الملكية والثار والحماية.
ولم تكن الأواصر بين آلهة مصر القديمة بأفضل حالاً من آواصر آلهة "الأولمب". فرغم أنهم أعادوا صياغة عقيدتهم بعد ولوجهم هذا العالم، إلا أن بعض الضغائن والأحقاد المتجذرة لا تزال تضرب بجذورها في أعماقهم.
وعندما اشتد عود حورس، علم بالحقيقة وعزم على الانتقام، بيد أن إيزيس حاولت كبحه لأنه لم يبلغ شأو القوة بعد، ومع ذلك، قام حورس اليافع، في ثورة غضب عارمة، باستلال سيفه وقطع رأس أمه إيزيس – التي شفيت في نهاية المطاف على يد "تحوت".
ثم تلت ذلك الحرب الضروس بين حورس وسيت، والتي انتهت بانتصار حورس، ليغدو أحفاده فراعنة مصر.
ويُقال إن العديد من زوجات الآلهة كنَّ من رعايا حورس، ويُعتبر بروميثيوس ابنه الإلهيّ.
"إذن، استمر في الارتقاب."
همس صوت خافت في الظلام قائلاً بتمهل: "سيستيقظ بروميثيوس تماماً، إن عاجلاً أو آجلاً."
جزيرة هاكين.
انبثق دنكان من بين تلال الأشلاء ولجج الدماء، وخلفه جثث لا حصر لها من محاربي السكان الأصليين. وبعد أن أعمل فيهم القتل بالمئات تباعاً، خارت قوى سكان "هاكين" الأصليين ووهنت عزائمهم عن المقاومة، وبينما جثا كاهن السحر البدائي في المقدمة، انهارت جموع السكان الأصليين الهائلة من فرط الرهبة.
"أاستسلموا بهذه البساطة؟" تساءل كريت، وهو يقبض على فأسه القتالية، ممعناً في تنظيف ما علق من حطامٍ بين ثنايا درعه.
وعلى مقربة منهم، كانت تربض قبيلة بدائية، تضاهي في حجمها بلدةً صغيرة.
في هذه الحقبة، أبادوا اثنتي عشرة أمة، ومع تدمير معقل "هاكين" الأخير، أتموا الآن محو ثلاث عشرة أمة من الوجود.