الفصل الثالث والتسعون: استهلاك قلب الجبل [للكبار فقط]
كانت غرفة المواءمة ملاذاً ، لكنها كانت أيضاً نقطة انطلاق. استشعر "لين تيان " التشكيل القديم وهو يشد الطاقتين المتنازعتين في جوفه ، ممهداً حوافهما الخشنة ، وكأنه أنفاسٌ عميقةٌ تضفي السكينة على روحه.
"هذا هو الاستقرار " فكر في نفسه "لكنه ليس نمواً ".
بدت "سو لان " وكأنها تقرأ أفكاره ؛ فركعت عند حافة المنصة ، وتتبعت أصابعها بخفة ذلك الشق الذي تلتقي فيه أنماط الجليد والنار. و قالت بصوت منخفض في الغرفة الساكنة "هذه الغرفة قادرة على مواءمة ما هو موجود بالفعل ، لكنها لا تستطيع توليد الضغط اللازم لتحقيق اختراق حقيقي. ومن أجل ذلك أنت بحاجة إلى المصدر ".
أجابها "لين تيان " "قلب الجبل ".
رفعت بصرها إليه ، وكانت عيناها الداكنتان تعكسان وهج التشكيل ، وقالت "المنافس الحرارية الأعمق ، حيث دم الأرض نارٌ خالصة. الأمر محفوف بالمخاطر ، فالحرارة قد تحرق ممارساً في مرتبة الجوهر غير مستعد ".
اعترف "لين تيان " قائلاً "جسدي وصل إلى أقصى حدوده " ثم حرك يده اليمنى ، مراقباً طاقة "الكي " المزدوجة اللون وهي تتلألأ باهتة حول أصابعه.
وقفت "سو لان " وقالت بحزم ، وقد تخلصت من آخر بقايا ترددها كمعالجة "إذن ، ليس أمامنا خيار. فإعادة صياغة بنيتك الجسديه تتطلب ظروفاً قاسية ، وجسد الجمر المتدفق يولد من قلب النار. و يمكنني أن أرشدك ، ويمكنني أن... أكون مرساتك ".
لم تضِف المزيد ، لكنه فهم ما تعنيه ؛ فالرابطة بينهما كانت بمثابة قناة وصل. حيث كان بإمكانه الاستفادة من ألفة "سو لان " الطبيعية للبقاء على قيد الحياة وسط الحرارة ، وفي المقابل كان من المرجح أن تجذبه هذه العملية معها بشكل أعمق في هذا التحول.
"طريق ذو اتجاهين " فكر في نفسه "هذا حال كل شيء في هذا النظام ".
غادرا غرفة المواءمة ، وانزلق الباب الحجري خلفهما مغلقاً بضجيجٍ بدا وكأنه نذير النهاية. حيث كان المسار خلف ردهة السلف يتفرع ؛ النفق الأيسر يقود صعوداً نحو النبع الصغير ، بينما ينحدر الأيمن بشدة ، حيث كان الهواء يزداد دفئاً مع كل خطوة.
سلكت "سو لان " المسار الأيمن دون تردد.
تغيرت جدران النفق من حجارة منحوتة إلى صخور خشنة ومسامية كانت تتوهج بحرارة داخلية عميقة ؛ ضوء أحمر خافت وغاضب ، كالجمر في موقد الحداد. أصبح التنفس صعباً ، فالهواء بات كثيفاً بالكبريت وطاقة النار الروحية الخام.
انتشر العرق على جلد "لين تيان " فوراً ، وبدأت أطراف ثيابه –وهي رداء تلميذ بسيط– تحترق ببطء.
قالت "سو لان " بصوت متهدج وهي تحل رباط ثوبها الخارجي "علينا أن نخلع هذه ، فالنسيج العادي سيحترق ".
تجرد الاثنان من ثيابهما بسرعة ، وتركاها كومةً على حافةٍ أكثر برودة قليلاً. حيث كانت الحرارة الآن قوة مادية تضغط على جلد "لين تيان " العاري ؛ لم تكن مجرد سخونة ، بل كانت حية ، تتسرب إلى مسامه بحثاً عن جوهر طاقة "جليد العنقاء " البارد لتهجم عليه.
"إنها تختبرني " أدرك ذلك "تحاول العثور على نقطة ضعف ".
وقفت "سو لان " أمامه ، وقد غطى جلدها عرقٌ يتبخر فور تشكله ، تاركاً طبقةً ملحيةً خفيفة. حيث كان الضوء الأحمر الخافت يرسم جسدها فى القرفينٍ بين الظلال والأضواء. لم تكن خجلة ، بل كانت وقفتها تنم عن استعدادٍ تام وتركيزٍ مطلق.
أمرته وهي تقترب منه "استخدم طاقة لهب الجليد خاصتك ، لا تقاوم الحرارة ، بل اسمح لها بالدخول. حيث استخدم طاقتي كمرشح ، ودع طاقتك تتأقلم ".
أومأ برأسه ، باحثاً عن الرابطة بينهما ، فوجدها خيطاً دافئاً نابضاً بالحياة في وعيه ، يضج بقلبها الناري الثابت. فتح كيانه لها ، فتدفقت طاقتها إليه ؛ لم تكن تحرقه ، بل كانت تصقله ، وتلتف حول الحرارة الخارجية المتسللة ، وتمزجها بتيار الجليد القادم من جانب "شوييا " في الرابطة.
كانت الأحاسيس المتضاربة هائلة ؛ فشعر وكأن دماءه تغلي وتتجمد في آنٍ واحد.
وصلا إلى نهاية النفق الذي انفتح على مساحة كهفية واسعة حبست أنفاس "لين تيان ".
هذا هو القلب.
بحيرة من الصخور المنصهرة تضطرب بعمق في الأسفل ، وسطحها لوحة من البرتقالي والأسود. حيث كانت أعمدة ضخمة من الغازات شديدة الحرارة تتصاعد من الشقوق ، والسقف كان غابة من "القضبان " المتوهجة التي تقطر ناراً سائلة.
وفي قلب الكهف ، برز عمود ضخم من البازلت الأسود من بحيرة الحمم ؛ وكان سطحه المستوي الذي يتسع لشخصين ، هو الأرض الثابتة الوحيدة.
قالت "سو لان " وهي تشير "هناك ".
كان الوصول يتطلب قفزة عبر فجوة بطول عشرة أقدام من الهواء اللافح. جمع "لين تيان " طاقته ، مستشعراً طاقة "سو لان " وهي تدعم طاقته الخاصة. قفز وسط صرخات الحرارة المارة بجانبه ، وهبط على المنصة التي كانت حجرها ساخناً لدرجة لسع قدميه. وهبطت "سو لان " بجانبه بعد ثانية ، بخفة وثقة.
هذا هو الموقد.
قالت وهي تلتفت إليه "الآن " ورفعت يديها إلى صدره ، وضعت كفيها المسطحتين على جلده. حيث كانت لمستها حارقة ، لكنها بدت ملائمة ، كمفتاحٍ يجد قفله تماماً. "الرابطة هي الدائرة ، وأجسادنا هي البوتقة. لا تكبح جماح قوتك ".
وضع يديه على خصرها وسحبها نحوه ؛ كان التلامس كشرارة كهربائية. استجاب جسدها "جمر متدفق " فوراً ، فاحمر جلدها بعمق أكبر ، وارتفعت طاقتها الروحية لتلاقي طاقته في هالة مرئية من الذهب والقرمزي.
قبّلها ، ولم تكن قُبلة رقيقة ، بل كانت مطالبةً واستسلاماً ، اندماجاً بين الحاجة والغاية. حيث كان فمها ساخناً ، وبادلته التقبيل بحماسٍ مماثل ، بينما كانت أصابعها تغرس في كتفيه.
أرشدها لتستلقي على الحجر الساخن ؛ كان السطح خشناً لكنه –على نحو غريب– لم يكن يحرق ، فطاقتُهما المجمعة شكلت حاجزاً وقائياً.
استقر بين ساقيها ، فلفتهما حول وركيه ، ساحبةً إياه نحوها. حيث كانت عيناها واسعتين ، وبؤبؤا عينيها متسعين ، يعكسان نار الكهف.
همست "ببطء " وكانت كلمتها توسلاً وتوجيهاً في آنٍ واحد.
ولج إليها ، وكان الشعور غامراً لم يكن جسدياً فحسب ، بل كان كفتح بوابات في روحه. اندفعت طاقتها النارية هدّارةً إلى داخله ، كطوفانٍ من طاقة "اليانغ " النقية الجامحة ، لتواجه النهر الجليدي القادم من رابطة "شوييا " وجهاً لوجه داخل مساراته الطاقية.
كان الألم فورياً ومعمياً ؛ شعر وكأن عروقه تتحول إلى زجاج وتتحطم مراراً وتكراراً.
تأوه صائحاً ، وانحنى جسده تحت ثقل تلك القوة. تقوست "سو لان " تحته ، وانطلقت شهقة حادة من شفتيها ، وغرست أظافرها في ظهره.
قالت بصوتٍ متهدج "إنها تنجح.. لا تتوقف ".
بدأ يتحرك ؛ كانت كل دفعةٍ فعلاً من أفعال الزرع ، ودورةً متعمدة من الطاقة. حيث كان يسحب حرارة الجبل اللافحة إلى نفسه مع كل حركة للداخل ، مفلتراً إياها عبر جسد "سو لان " ورابطتهما.
تفاقمت حلقة التغذية الراجعة ، وبدا ضوء الكهف المنصهر وكأنه ينبض بتناغم مع اتحادهما.
بدأت عظامه تؤلمه مصدِرةً طنيناً عميقاً رناناً ، وتوهج جلده ، ليس بالعرق ، بل بنورٍ منبثق من الأعماق.
استشعر بنية جسده وهي تتغير ؛ فالقيود القديمة ، والهشاشة التي خلفتها سنوات عجزه والاختراقات العنيفة الأخيرة كانت تحترق وتتلاشى.
كانت أنفاس "سو لان " متقطعة وحادة ، ورأسها يتقلب يمنة ويسرة على الحجر. حثتْه قائلة "المزيد.. النار.. لا تدعها تبرد ".
دفع نفسه داخلها بقوة وسرعة أكبر ؛ فصار الروحي والمادي شيئاً واحداً لا يمكن تمييزه.
جاء ذروتها فجأة ، موجة تشنجية جعلت ظهرها يتقوس بعيداً عن الأرض. اندفعت موجة من جوهر النار المركز النقي من قلبها ، متدفقةً إليه عبر نقاط ارتباطهما.
كان هذا هو المحفز.
داخل "لين تيان " لم تعد النار والجليد المتصارعان يتصادمان ، بل اندمجا.
انفجارٌ صامتٌ من طاقة بيضاء ساخنة دوّى في "الدانتيان " خاصته ، ولم يرَ سوى الضوء.
شعر بمساراته الطاقية لا تشفى فحسب ، بل تتوسع وتتثخن ، وتُعاد صياغتها بخيوط من نارٍ ذهبية وصقيعٍ فضي.
تصلبت عضلاته بكثافة جديدة ، وحدت حواسه حتى بات يسمع فقاعات الحمم البطيئة في الأسفل ، ويشم رائحة كل معدن في البخار.
[الوعاء المادى يخضع لتحول نوعي.]
[تفكيك بنية المرتبة (ب).]
[توليف بنية المرتبة (أ) قيد التنفيذ.]
كانت العملية مزيجاً من العذاب والنشوة ؛ كان يُفكك ويُبعث من جديد على هذا المذبح الحجري فوق بحيرة من نار. وخلال كل ذلك حافظ على الإيقاع مع "سو لان " فكان جسداهما نقطة الارتكاز لهذا الانقلاب في جوهره.
وصلت للذروة مرة أخرى ، هذه المرة مع صرخةٍ متهدجة ترددت أصداؤها في الكهف الواسع. أرسلت نشوتها الثانية موجة طاقةٍ أخرى ، أكثر نقاءً لم تكتفِ بتغذية التحول ، بل ختمته.
تكثف الضوء بداخله ، وتصلب ، واستقر.
سقط فوقها منهكاً ، وجسده يرتجف من التبعات. لم تعد حرارة الكهف تشعره بالضيق ، بل بدت دافئة ومألوفة كغطاءٍ واقٍ. كان بإمكانه استشعار القوة المذهلة وهي تغفو في عضلاته ، والسعة الهائلة والهادئة لمساراته الجديدة.
أحاطته ذراعا "سو لان " متمسكتين به بوهن ، وكان جلدها بارداً عند اللمس ، وطاقتها متوازنة وهادئة. حيث كانت الرابطة بينهما تضج بالحياة لم تعد اتصالاً مؤقتاً ، بل قناة عميقة ورنانة ، واسعة ومستقرة كنهرٍ جارٍ.
[اكتمل التحول.]
انقلب على ظهره بجانبها ، وكلاهما يتنفس بصعوبة ، يحدقان في السقف المتوهج. نبضت واجهة "النظام " لآخر مرة ، ومرت رسالة نهائية ومصيرية أمام عينيه:
[إيقاظ البنية الجسديه: 90%.]
نهاية الفصل 93