الفصل 67: سيف الأوبسيديان
تراقصت السحب المستديرة في كبد السماء المظلمة كجزرٍ بطيئة الحركة، متلقيةً منحنياتها وهج القمر الخافت بلونه الرمادي. انزلقت بهدوء فوق أسطح المنازل وربوعها، فأخففت من وطأة ظلام الليل ومنحت سماء مدينة "بيون" رونقاً حالماً وساكناً.
كانت الأوراق تدوّر وتتمايل متحركةً من أغصان الشجر الراجفة، المغروسة في زوايا المباني المتاخمة لجدران الثكنات.
تردد صوت طقطقة مع تحرك الأشكال، وتسلقها ودخولها عبر شبابيك المباني التي هجرها قاطنوها منذ زمن سحيق.
سار الجنود وهم يمسحون الشارع الممتد طولاً إلى الزقاق المؤدي إلى الثكنات، ثم عادوا عبر البوابة الحديدية وتوقفوا عند المقاعد المتراصة قرب الأعمدة داخل الثكنات.
استدار الشاب الأسمر، الذي كان يحمل المنديل الأزرق، نحو الشاب الأشقر وهو يضحك.
قال، مستخدماً طرف حذائه لرسم قوس دائري على الأرض المغبرة قليلاً: "لقد كانت هذه المدينة تنعم بالهدوء منذ زمن طويل، فلا شجار، ولا لصوص، ولا جريمة منذ أربعة أشهر".
التفت الرجل الوسيم وابتسم، ثم نهض من مقعده وتمدد، خالطاً نظره بمجموعة السحب المستديرة وهي تنجرف في كبد السماء.
"حسناً، إذاً أنت من أولئك الساعين إلى تخريب هذا المكان، أليس كذلك؟" قال الرجل ذو البشرة الفاتحة، وهو يميل بنظره نحو الرجل الأسمر، معبساً.
أوقف الرجل الأسمر القوس في منتصفه، وحوّل نظره المصدوم نحو الرجل الأشقر.
قال وهو ينهض من مقعده ويحدق في الرجل الوسيم، ولا تزال علامات الدهشة بادية على وجهه: "لماذا تأخذ الأمور دائماً منحىً مختلفاً؟"
قال وهو يمر بجانب الرجل الوسيم بضيق، ويخرج من الثكنات، ثم يتوقف في منتصف الطريق أمام جدار الثكنات: "إذا استمررت على هذا المنوال، فسيكون من الصعب عليّ البوح بما يدور في خلدي".
حلق كيس بلاستيكي أسود عالياً، متجاوزاً الرجال وهم يتجهون نحو البوابة ويدخلون الثكنات. انسياب الكيس، مخترقاً المباني وأعمدة الإنارة، وتوقف عند حافة المهجع.
بينما كان نور القمر يسطع على المبنى، ظلت معظم النوافذ موصدة، ولكن في وسط إحدى النوافذ في منتصف الطابق الرابع، اندفعت الرياح إلى الغرفة.
رفرفت الستائر الزرقاء، متحركةً كالأمواج داخل النافذة المفتوحة. وتوهج ضوء أرجواني في الغرفة، مشعاً لدرجة أنه طغى على الظلام.
في الضوء الأرجواني، ارتجف "كاي"، مرتعشاً ويتصبب عرقاً غزيراً. ظل يضرب بيده على حواف السرير المعدنية، يئن بينما ظلت عيناه الزرقاوان والحمراوان مفتوحتين على اتساعهما، متوهجتين باللون الأرجواني.
في حلمه، وقف وسط عدد لا يحصى من الظلال التي تتحرك جيئة وذهاباً من سيف أسود يتلألأ بوهج من "أوبيتو" ينتشر كالنار.
تحركت الظلال، وامتزجت ببعضها البعض، مما زاد من توهج السيف.
وقف "كاي" هناك، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الصدمة وهو ينظر إلى السيف والظلال التي مدت أطرافها نحوه، وهي تصرخ كما لو كانت تستنجد به طلباً للمساعدة.
تعالت أصوات الصرخات، تردد اسماً واحداً مراراً وتكراراً بينما تقدم "كاي" خطوتين للأمام نحو السيف.
اندفعت نسمة هواء مفاجئة إلى المكان المظلم عندما أضاف "كاي" الخطوة الثالثة، فأسكتت الصرخات وحلّت محلها أصوات رفرفة أجنحة. وعلى قمة السيف، وقف طائر أسود يحوم ويحدق في "كاي" ويومئ برأسه باكياً.
فجأة، اندفعت قوة خفية إلى "كاي"، جاذبةً إياه نحو السيف والطائر. قاوم "كاي" مرات لا تُحصى، لكنه لم يستطع منع نفسه من الحركة.
عندما امتدت الصرخات لمسافة قدمين من السيف، ترددت أصداؤها، وضربت بقوة في أذني "كاي"، مما أدى إلى تسرب الدم من عينيه وأنفه.
عندما وصل "كاي" إلى السيف، امتدت ذراعه اليمنى إلى الأمام دون إرادته، متجهة نحو التوهج الأسود الذي انطفأ وكشف عن المقبض البني للسيف.
في الواقع كان فراش "كاي" مبللاً، يقطر على الأرض ويحول أرضيته إلى بركة صغيرة، لكن في حلمه توقف تدفق الدم، وتحول إلى سائل أسود يتسرب ويحول عينيه إلى اللون الأسود....
دوى صوت حفيف على أغصان الأشجار الكثيفة الممتدة والمتشعبة، والتي كانت بمثابة ظل للشابين، والسيدة الشابة والسيدة العجوز الجالسين على كرسي مرصع بالألماس.
ظلت السيدة العجوز تقلب صفحات كتاب أسود ضخم يحتوي على أسماء وأعمار وصور لأشخاص.
مع كل تقليب للصفحة، كان الأشخاص الثلاثة الواقفون والمحدقون يتبادلون نظرات حائرة.
"لماذا استدعتنا للانضمام إليها، هل أخبرته بشيء ما، أم أنها على وشك إخباره؟" فكرت "جينكس"، وهي تغمض عينيها بينما أبقت نظرها مثبتاً على "أوين".
بعد ثلاثين دقيقة من الصمت، توقفت المرأة عن تقليب الصفحة، وحركت إصبعها على اسم واحد، ورفعت رأسها ببطء، تحدق بعمق في عيني "أوين".
قالت الكاهنة بصوتٍ يمزج بين الألم والقلق: "هذا هو الشخص الذي قابلته والذي يحمل الاسم الذي تبحث عنه". ثم مدت الكتاب إلى الشاب ذي الشعر البني.
أمالت الكاهنة نظرها نحو القمر، وأغمضت عينيها، وأومأت برأسها بحزن.
تبادل "أوين" و"جينكس" النظرات، ثم تحركا نحو المرأة التي بدت وكأنها تبكي في داخلها.
قالت "جينكس" بهدوء وهي تضع ذراعها اليسرى على ظهر المرأة العجوز: "من فضلك، أين يمكننا أن نجده؟" لكنها سحبت يدها بسرعة عندما وجهت المرأة نظرة جامحة إليها وبدأت في التحرك إلى الأمام.
وقف الشبان الثلاثة في حيرة من أمرهم إزاء تصرف المرأة، وهم يتساءلون عن دوافعها.
"لماذا هذه النظرة؟" قالت "جينكس" وهي تفتح ذراعيها وتحدق في الشبان بتعبير مرتبك.
قبل أن يتمكنوا من الرد، وجهت إليهم العجوز نظرة حادة. وقالت بصوت يتردد فيه صدى الإلحاح والتوتر: "ماذا تنتظرون؟"
انتابهم شعور بالرعب، مما أجبرهم على ملاحقة المرأة.
لمدة ثلاثين دقيقة أخرى، ساروا تحت سماء الليل، ينتقلون من مبنى إلى آخر، ويتوقفون عندما تتوقف المرأة، ويواصلون سيرهم فقط عندما تواصل هي سيرها.
عبرت غربان ضخمة الطريق أمامهم عند وصولهم إلى مفترق طرق ثلاثي، وهي تصيح وتخفق بأجنحتها مهاجمةً إياهم. ثم استدارت العجوز، ومدّت عصاها، ودفعت الغربان بعيداً، مما سمح للأشخاص الثلاثة الذين كانوا يتبعونها بالمرور بأمان دون أي أذى.
على الرغم من أن العجوز رأتهم ضعفاء، إلا أنهم كانوا يعلمون في قرارة أنفسهم أنه لولا تنكرهم، لكانوا قد استغلوا ثانية واحدة فقط لإسقاط الغربان أرضاً.
وبعد لحظات قليلة من اتخاذ الطريق الترابي المليء بالأشجار على اليسار، توقفوا عند رمال مرتفعة عليها صليب مصنوع من العصي مغروس في أحد جوانبها.
قالت "جينكس" بصوتٍ هامسٍ يتردد صداه وهي تسحب طرف قميص "أوين": "ما هذا؟" ولكن في اللحظة التي استدار فيها "أوين" وفتح فمه، توقف، إذ رأى المرأة العجوز واقفةً وضامّةً كفّيها، احتراماً للأرض المرتفعة.
"هل هذا قبر؟" فكرت "جينكس"، وهي تفتح فمها وعينيها على اتساعهما.
أغمضت العجوز عينيها، وهمست في راحتيها، ومدت ذراعيها على الرمال المرتفعة، ثم التفتت إلى الأشخاص الثلاثة الواقفين في حالة صدمة.
قالت العجوز وهي تفتح عينيها بصعوبة وتوجه نظرها نحو مبنى يقف وسط الأعشاب الضارة: "هذا قبر زوجة فينلور".