الفصل 546 (المناظر للفصل 514): كنه العلاقة بين غو ميان والمعضلات العالقة التي يتحتم علينا تسويتها_1
وصل "غو ميان" إلى فناء مبنى سكن الموظفين، مستهدياً بما تختزنه ذاكرته من صور. كان المجمع السكني قد شُيّد قبل نحو خمسة أو ستة أعوام، وهو بذلك يعد متوسط العمر، فلا هو بالبناء المتهالك ولا بالحديث المعاصر. ونظراً لموقعه المتطرف والنائي، كان يعاني من ندرة القاطنين، مما جعل أسعار العقارات فيه تهبط إلى مستويات متدنية.
كان جلُّ العاملين في شركتهم من المغتربين الوافدين من خارج المدينة، ولهذا السبب، عمد المدير إلى شراء بضع عشرات من الشقق المتجاورة في هذا المجمع لتكون نزلاً للموظفين، كنوع من المحفزات لاستقطاب الكفاءات الواعدة.
بيد أن هذه الشقق، رغم زهادة ثمنها، كانت ترفاً مقارنة بالمساكن التي توفرها الشركات المنافسة؛ إذ إن معظم مساكن الموظفين التقليدية لا تتعدى كونها غرفاً مشتركة مكتظة بأسرة ذات طوابق، أو أسرّة علوية تعلو مكاتب ضيقة، فكان الاستئثار بغرفة خاصة يُعد ضرباً من البذخ الرفيع.
لم يملك المرء حيال ذلك إلا أن يخلص إلى أن هذا المدير كان غراً في مقتبل العمر، لم يتشرب بعد أصول الاستغلال الممنهج في كنف المجتمع المعاصر...
لم يلقِ "غو ميان" بالاً للمدير الشاب، ودلف إلى مدخل البناية.
"الجميع يقطنون هنا. وحتى إن تفرقوا عند ولوج المنطقة، فالأرجح أن شملهم سيجتمع في هذا الموضع. وعلاوة على ذلك، فمنذ العثور على (تشاو شوانغ) وهي تخلد للراحة في سكن الموظفين، فلا بد أن الشخص المصاب بفقدان الذاكرة الذي يلهجون بذكره هو إياها... ولا ريب أن اللاعبين الأكثر حنكة سيهرعون إلى (تشاو شوانغ) أولاً."
ونظراً للمكافأة السخية التي رُصدت لرأسه، والبالغة مائة ألف عملة من عملات اللعبة، عقد "غو ميان" العزم على اتخاذ بعض التدابير الوقائية قبل أن يقع تحت طائلة أنظار اللاعبين الآخرين.
كان ثمة مصعد يقبع في ردهة المدخل؛ دخله وضغط على زر الطابق الخامس. وبحكم أن "غو ميان" كان قد أسدى لـ"تشاو شوانغ" معروفاً سابقاً بمساعدتها في تسلم بعض الطرود، فقد كان يحفظ رقم شقتها عن ظهر قلب.
كانت البناية تتألف من سبعة طوابق، بالإضافة إلى حظيرة سيارات تحت الأرض في الطابق السفلي الأول، ويمكن بلوغها جميعاً عبر المصعد.
وفي خضم ضيق المصعد، فتح "غو ميان" حقيبة غيتاره، واستلّ منها منشاراً كهربائياً فتاكاً، يبرق نصله ببرودة مخيفة تثير القشعريرة.
فهو، في نهاية المطاف، غنيمة ثمينة؛ ولو باغته اللاعبون الآخرون فور رؤيته، لاستحال المشهد إلى فوضى عارمة وكارثة محققة.
وتلافياً لمثل هذا المآل، قرر استباق الأحداث بإشهار سلاح أكثر ترويعاً ليكون رادعاً لكل من تسول له نفسه الاقتراب.
لو قدّر لأي شخص بريء أن يستقل المصعد في تلك اللحظة، لصعقه المشهد وأرداه قتيلاً من فرط الرعب.
ولحسن الطالع، لم يكن هناك سوى نزير قليل من المستخدمين للمصعد في ذلك الحين. هكذا صعد "غو ميان" بسلام إلى الطابق الخامس، حيث تهادى المصعد حتى توقف، وانطفأ الضوء المنبعث من زر الطابق المنشود.
ثم انفرطت أبواب المصعد منزلقة، فرمق "غو ميان" ممراً خافتاً تنبعث منه مسحة من الغرابة التي لا تُوصف.
وضرب "غو ميان" بجمود الممر عرض الحائط، متمسكاً بمنشاره الضخم المرهب، وانطلق بخطى حثيثة صوب سكن "تشاو شوانغ". كان هذا الطابق يضم ست شقق، وما هي إلا برهة حتى كان "غو ميان" يقرع باب الغرفة رقم 504.
كانت "كانغيو شيسي" ورفاقها يتهيأون لمناقشة ما تيسر لهم من أدلة حين تناهى إلى مسامعهم طرقات على الباب.
هرعت "كيكي" على الفور واستطلعت الأمر من خلال ثقب الباب، وبعد ثوانٍ معدودات، التفتت إلى الثلاثة الآخرين وقالت بنبرة خفيضة: "أحسبه لاعباً آخر".
تبادل الثلاثة نظرات يملؤها الوجل والارتباك.
كان اسم "غو ميان" يسبقه بسمعة سيئة، وفي اللحظة التي طرقت أسماعهم، تبادر إلى أذهانهم ذلك الشخص المُدرج على قائمة المطلوبين، بيد أن الشك كان لا يزال يساورهم فيما إذا كان هذا الطارق هو "غو ميان" ذاته.
لم يشأ "وانغ تشوان" أن يغرق في التفكير طويلاً، فقال قبل أن يتخذ قراره: "لنفتح الباب، ما رأيكم جميعاً؟"
وبما أن ثمة احتمالاً كبيراً لكونه الشخص المطلوب، فقد كان لزاماً عليهم توخي الحذر وتقدير خطورته المحتملة.
لم تبدِ "كيكي" أي اعتراض، وقالت: "لا تبدو عليه سمات الأشرار، ولا يظهر عليه ما يثير الريبة أو الخطر".
أومأ الآخرون برؤوسهم موافقين على مضض.
استدارت "كيكي"، وأمسكت بالمقبض وأدارته إلى الأسفل، فصدر صرير عن الباب وهو يفتح.
وحينها، وقعت أبصار الثلاثة الآخرين على "غو ميان" واقفا بالخارج.
كان يتسربل بمعطف أبيض، من ذاك الطراز الذي يعتاده الأطباء، يرتديه فوق قميص رمادي فاتح ذي لون متجانس، وقد فُصّل القميص عليه بدقة، وطُويت أطرافه بعناية داخل بنطاله.
وبطبيعة الحال، كان أكثر ما يخلب الألباب ويثير الفزع هو ذلك المنشار الضخم ذو المقبض البرتقالي الذي كان يقبض عليه.
أهذا هو الشخص الذي وصفته "كيكي" بـأنه "غير خطير"؟!
تملكت الدهشة من "كانغيو" وجمعت لسانها.
وقبل أن يبدر منهم أي رد فعل، اجتاز "غو ميان" العتبة، وأبقى الباب مفتوحاً بوضع قدمه، بينما ارتسمت على محياه ابتسامة دمثة وقال: "آه، أرى أن الجميع قد اجتمعوا هنا؛ يبدو أنني كنت آخر الركب وصولاً".
ثم تمتم محدثاً نفسه وهو يخطو داخل غرفة المعيشة: "كل هذا اللبث سببه سائق سيارة الأجرة الذي لم ينفك يثرثر ويسرد قصة طويلة عن رحلته لتسلق الجبال..."
تقهقرت "كانغيو" ورفيقاها غريزياً إلى الوراء بضع خطوات، رغبةً منهم في النأي بأنفسهم عن ذلك المنشار البرتقالي اللامع.
"عذراً... يا سيد..." بدأت "كانغيو" حديثها وهي تنتقي مفرداتها بحذر شديد، "هل أنت..."
وبينما كانت تجاهد للكلام، كانت عيناها تنجذبان رغماً عنها نحو المنشار الكهربائي المروع في يد "غو ميان".
والآن وقد غدا الموت حقيقة شاخصة أمامهم، ورغم رغبتهم الدفينة في الكيد لـ"غو ميان"، فقد كان عليهم أولاً ضمان نجاتهم وسلامتهم.
إذ بالنظر إلى هيبة هذا الرجل ورهبته، فمن المرجح أن تؤول خططنا إلى مصرعنا قبل أن نبدأ في تنفيذها حتى!
خطا "غو ميان" خطوة للأمام وأوصد الباب، ثم قال: "ثمة أشرار دائماً يتربصون الدوائر... أقصد، أن حظي عاثر فحسب، إذ غالباً ما أصادف لصوصاً وما شابههم. وقد نصحتني عرافة ذات مرة بحمل منشار، وبالفعل لم أعد ألتقي اللصوص إلا نادراً منذ ذلك الحين".
وبينما كان "غو ميان" يفيض بحديثه، تقدم خطوة أخرى، فتراجع الأشخاص الثلاثة الذين كانوا يقفون خلف "كيكي" خطوة واسعة في آن واحد.
لقد تلاشت أحلامهم في الظفر بمائة ألف عملة قبل أن تبدأ رحلة السعي إليها.
وفي نهاية المطاف، كانت "كيكي" هي من بددت الصمت المريب قائلة: "لا تزال (تشاو شوانغ) غارقة في نومها، ولا ندري متى ستصحو. يجدر بنا أن نتشارك ما بأيدينا من أدلة نافعة في الوقت الراهن..."
وبعد أن عاينوا ذلك السلاح الفتاك في قبضة "غو ميان"، خمدت جذوة نواياهم العدوانية إلى حد كبير.
إذ صار لزاماً عليهم نسيان أمر محاولة النيل من "غو ميان"؛ فبالنظر إلى سطوته، سيكونون من المحظوظين إن لم يبادر هو بإزهاق أرواحهم أولاً!
تبخرت أمانيهم في قمع الشر وإحقاق الحق، ولم يبقَ أمامهم خيار سوى التجلد ومجابهة الواقع الماثل. فقد عُطلت آلية الحماية من الموت، وأصبح لزاماً عليهم الآن بذل قصارى جهدهم والتركيز بأقصى طاقاتهم لإيجاد سبيل للنجاة.
وبينما كان الآخرون يستغرقون في هواجسهم، رمق "غو ميان" بطرف عينه "تشاو شوانغ" النائمة في غرفة النوم.
فهي بطلة رواية "أمنيسيا" (فقدان الذاكرة)، والأرجح أنها القطب الذي تدور حوله رحى هذه القضية.
لم يبدِ "كانغيو" والآخران أي ممانعة لمقترح "كيكي"؛ إذ غدا اللاعبون الخمسة في خندق واحد بصفة مؤقتة، بعد أن أبرموا تحالفاً هشاً تذروه الرياح.
وبما أن "كيكي" كانت صاحبة المبادرة، فقد استهلت الحديث قائلة: "(تشاو شوانغ) نائمة في غرفتها... والحقيقة أنها قبل وصولكم أنتم الثلاثة، استيقظت مرة واحدة".
كان صوتها خفيضاً متهدجاً، وكأنها تخشى أن توقظ "تشاو شوانغ" من رقدتها. "قبل وصولك، استفاقت فجأة، وقالت... إنها رأت في منامها أن زملاءها الذين وافاهم الأجل كانوا ناقمين عليها وساخطين. ولم يكن هذا الأمر وليد اليوم فحسب، بل كان يتكرر منذ بضعة أيام؛ إذ كانت تهبّ من هذه الكوابيس المفزعة كل يوم".
أومأ "شيا جيانرن" و"وانغ تشوان" برأسيهما في تفكر عميق، وقد غرقا في بحر من الظنون.
وبعد برهة، نطق "شيا جيانرن" قائلاً: "في الواقع، عثرنا على شيء ما في غرفنا أيضاً. أنا و(وانغ تشوان) شريكان في السكن، والسبب وراء عزوفنا عن المشاركة في فعالية بناء فريق العمل هو نشوب خلاف بيننا وبين (تشاو شوانغ) منذ أمد غير بعيد، ولم نكن نرغب في لقائها تجنباً لإثارة المزيد من الشقاق. لكننا، إلى الآن، نجهل كنه ذلك الخلاف وسببه".
وبينما كان يسترسل في حديثه، أخرج هاتفه ليعرضه على البقية، وعلى شاشته كان يظهر سجل المحادثات مع "تشاو شوانغ".
ألقى "غو ميان" نظرة خاطفة عليه؛ لم يزد سجل المحادثة عن بضع رسائل، كانت "تشاو شوانغ" هي من بدأتها جميعاً:
"تشاو شوانغ": (شيا جيانرن)، هل كنت أنت و(وانغ تشوان) على دراية بهذا الأمر طوال الوقت؟
"تشاو شوانغ": إذن، كنتما تضمران الأمر عني، أليس كذلك؟
"تشاو شوانغ": أجننتم أم أصابكم مسٌّ من مرض؟
"تشاو شوانغ": إذن أنتما لا تجرؤان على النطق الآن، حسناً، انتظرا وستريان ما سيحل بكما.
اقتصر الأمر على هذه الرسائل المعدودات، ولم يردّ "شيا جيانرن" على أي منها، مما جعل الموقف يوحي وكأن لديه بالفعل ما يخشى كشفه أو ما يشعره بوخز الضمير.
وعند رؤية ذلك، لم تملك "كانغيو" إلا أن تتساءل في قرارة نفسها عما أُخفي عن "تشاو شوانغ"، وما إذا كانت لا تزال تذكر تفاصيل صراعها مع "شيا جيانرن" و"وانغ تشوان".
"هذا هو الدليل الأوحد الذي وقعت عليه أيدينا، ولا نزال نجهل حقيقة ما جرى..." خفت صوت "شيا جيانرن" وهو ينهي حديثه، ثم رمق "غو ميان" بنظرة بدا فيها وكأنه يقول: "لقد أفرغت ما عندي، والآن جاء دورك".
فطن "غو ميان"، الذي كان خبيراً بسبر أغوار النفوس، إلى مغزى نظرة "شيا جيانرن". فأمسك بمقبض المنشار بيد، ومسح ذقنه باليد الأخرى، وقال: "حين وصلت، كنت في طريق رئيسي محاذٍ للجبل، وهذا الجبل هو جبل (فينشان)، حيث وقعت الحادثة المشؤومة..."
كان يود لو يعترض بشدة على مسمى الجبل؛ فهل يُعقل بناء فريق عمل فوق جبل "فينشان" (جبل الجنائز)؟ أليس هذا كمن يبحث عن حتفه بظلفه، أو كالمستجير من الرمضاء بالنار؟