انقضَّ نائبُ القائدِ بكلِّ ضراوةٍ، وهو الذي كان يتمتعُ ببنيةٍ جسديةٍ تفوقُ بمراحلَ طاقةَ البشرِ العاديين، فقد استحالَ إلى "جثةٍ متحركةٍ" (زومبي) ذاتِ شعرٍ أخضرَ، قادرةٍ على تمزيقِ أجسادِ الآدميين إرباً. بيدَ أنَّ خصمَهُ هذه المرةَ كان "تشو هاو"؛ فرغمَ أنَّ الأخيرَ ما زال في المرحلةِ الأولى من "تأسيس القاعدة"، إلا أنَّ قوتَهُ الحقيقيةَ كانت أعظمَ شأناً بكثيرٍ مما كانت عليه في ذروةِ عهدِ قوتِهِ الداخلية. وبومضةٍ خاطفةٍ من نصلِ سيفِهِ، بُترت ذراعا نائبِ القائدِ بعنفٍ وتطايرتا في الهواءِ.
"رنين! نصلُ شيطانِ الليلِ يمتصُّ طاقةَ (التشي) الخبيثةَ من الجثةِ المتحركة. حصلَ المضيفُ على خمسمائةِ ألفِ نقطةِ خبرة."
وقبل أن يستجمعَ نائبُ القائدِ شتاتَ نفسِهِ للردِّ، كان "تشو هاو" قد غرسَ نصلَ شيطانِ الليلِ في صدرِهِ، مُسمِّراً إياهُ فوقَ الأرضِ.
تملَّكَ الذهولُ التامُّ من نائبِ القائدِ؛ فقد كانت قوتُهُ خارقةً للعادةِ، ولم تكن مواجهةُ ملكِ الشياطينِ تُشكلُ مَعضلةً بالنسبةِ له، غيرَ أنَّ "تشو هاو" كان أكثرَ ترويعاً مما تخيلَ.
رَمَقَهُ "تشو هاو" بنظرةٍ باردةٍ وقال بجمود: «سيكونُ من السهلِ جداً أن أدعكَ ترحلُ عن الحياةِ بهذه البساطة. سيتسلى بك هذا (المعلم الداوي) أولاً».
اجتاحَ الرعبُ قلبَ الرجلِ الثاني في الحصن؛ فمَن عساهُ يكونُ هذا الرجلُ الذي استطاعَ اختراقَ جسدِهِ المنيعِ الذي لا يُقهر؟
أما "تشو هاو"، فقد كان راضياً عما حققَهُ؛ فبقوتِهِ السابقةِ كان من العسيرِ إلحاقُ الأذى بنائبِ القائدِ، أما الآن، فقد غدا القضاءُ عليه يسيراً "كقطعِ السكينِ في الزُّبدِ".
زمجرَ نائبُ القائدِ بحدةٍ: «إياكَ أن تظنَّ أنكَ تجرؤُ على قتلي!».
فأجابَهُ "تشو هاو": «ومَن جلبَ سيرةَ القتلِ هنا؟ إنَّ هذا (المعلم الداوي) يَنوي إذابتَكَ في بوتقةِ العذابِ».
قال "تشو هاو" ذلك، ثم ناجى النظامَ في سرِّهِ: «يا نظام، ابتع لي دودةَ الجثث».
"رنين! قام المضيفُ بشراءِ دودةِ الجثثِ، مُستهلكاً ثلاثةَ آلافِ نقطةٍ من نقاطِ (الهيبة والتباهي)".
تجلَّت قارورةٌ في يدِ "تشو هاو"، وما إن فتحَ سدادَها حتى بدأت ديدانٌ شاحبةٌ تتلوى وكأنها تتأهبُ للخروجِ.
وعند رؤيتِها، فغَرَ نائبُ القائدِ فاهُ دهشةً، وكادَ يهلكُ رعباً؛ ولأنَّ له سابقَ عهدٍ بالتعاملِ مع حشراتِ (الغُو) السحريةِ، فقد أدركَ لتوِّهِ أنها "دودة غو الجثث".
إنَّ الإصابةَ بهذه الديدانِ تعني سُكنى جحيمٍ أبديٍّ؛ فهي لا تُزهقُ روحَ مُضيفِها للتوِّ، بل تنهشُ جسدَهُ وروحَهُ ببطءٍ مُميتٍ حتى تستحوذَ عليه تماماً في نهايةِ المطافِ. إنها وسيلةٌ بلغت من القسوةِ مبلغاً جعلها منبوذةً حتى في أعرافِ ممارسي فنونِ (الغُو).
«لا!... لا تفعل...»
تساقطت الديدانُ الشاحبةُ السمينةُ، وبدأت تحفرُ طريقَها داخلَ جسدِ نائبِ القائدِ، وما هي إلا لحظاتٌ حتى انطلقت صرخاتُ ألمٍ تُمزقُ نياطَ القلوبِ. ستخترقُ هذه الديدانُ اللحمَ والنخاعَ والعقلَ، وهو مصيرٌ "أدهى وأمرُّ" من سكراتِ الموتِ.
استغاثَ نائبُ القائدِ صارخاً: «اقتلني! أرجوكَ، رَحماكَ اقتلني!». كان جسدُهُ يتآكلُ بحكةٍ لا تُطاقُ، أعقبها ألمٌ يفتُّ العظامَ.
نظرَ إليه "تشو هاو" بلامبالاةٍ وقال: «تجرَّع كؤوسَ عذابِكَ ببطءٍ».
ثم أشاحَ بوجهِهِ عنه، ولم يَعُد يلقي له بالاً.
وعندما تناهى إلى مسامعِ الآخرين صوتُ نائبِ القائدِ وهو يتوسلُ طلباً للموتِ فراراً من العيشِ، ارتعدت فرائصُهم خوفاً؛ فقد اعتادوا التنكيلَ بالناسِ، فمَن كان يظنُّ أنَّ الدائرةَ ستدورُ عليهم هذه المرة؟
ولم يَمضِ وقتٌ طويلٌ حتى تهاوى مَعقلُ "جبل غوي ين" بالكاملِ؛ ففي واقعِ الأمرِ، لم يستطعْ أحدٌ الصمودَ أمامَ "تشاو يون" و"تشانغ فاي". حتى الأشباحُ الشرسةُ التي أطلقها قطاعُ الطرقِ تمَّ إخضاعُها جميعاً، ولم يَعمِد "تشو هاو" إلى قتلِ تلك الأشباحِ المُذعنةِ.
تَساءلَ "تشو هاو" في نفسِهِ: أكانت مهمةٌ من الرتبةِ (S) بهذه السهولةِ حقاً؟ لقد وجدَ الأمرَ يسيراً للغايةِ، مما زادَهُ حذراً وتوجُّساً.
سألَ الرجلُ العجوزُ، المعروفُ بـ"السيد الثالث"، بصوتٍ يرتجفُ رعباً: «مَن... مَن أنتَ على وجهِ التحديدِ؟».
أخرجَ "تشو هاو" زجاجةً، وأطلقَ سَراحَ "شيو لان"، وقال: «شيو لان، أخبري هؤلاءِ مَن يكونُ هذا المعلمُ الداوي».
وحين ظهورِ "شيو لان"، رفعت العديدُ من الأشباحِ الشرسةِ الخاملةِ رؤوسَها، شاخصةً إليها بصمتٍ مذهولٍ.
انفجرت "شيو لان" بالبكاء وقالت: «شكراً لكَ يا سيدي المحسن، شكراً لكَ يا منقذنا».
«أنتِ... أنتِ ذلك الشبحُ الذي كان رفيقاً لـ(دا شين)؟» بدت ملامحُ الذهولِ على وجهِ السيدِ الثالثِ فورَ رؤيتِهِ لها.
رَمقت "شيو لان" السيدَ الثالثَ بنظرةِ حقدٍ واستياءٍ، ثم التفتت إلى الأشباحِ الشرسةِ الأخرى وقالت: «يا رفاقُ، لا تبتئسوا ولا تخافوا، فإنَّ مُنقذَنا قد جاءَ ليستخلصَنا من بحارِ هذه المعاناةِ».
كانت كلماتُ "شيو لان" نفاذةً ولها صدىً في نفوسِهم، كونَها كانت يوماً ما واحدةً منهم.
سألَ شبحٌ شرسٌ فتيٌّ، ذو سحنةٍ شاحبةٍ كالموتِ، بلهفةٍ: «أختاه "شيو لان"، أتقولينَ الحقَّ؟ أهذا صدقٌ؟».
أومأت "شيو لان" برأسِها وهي تغالبُ عبراتِها.
حينها أدركَ السيدُ الثالثُ جليَّةَ الأمرِ وقال بحنقٍ: «إذن أنتِ مَن كنتِ تُثيرينَ القلاقلَ! وتتوهَّمينَ إنقاذَ الرعاعِ؟ يا لكِ من واهمةٍ!».
وبصفعةٍ واحدةٍ مدويةٍ، أطاحَ "تشو هاو" بالسيدِ الثالثِ بعيداً. وكادَ ذلك العجوزُ، الذي يفتقرُ إلى جَلَدِ وبُنيةِ القائدِ الثاني، أن يلفظَ أنفاسَهُ من أثرِ تلك الضربةِ.
قهقهَ السيدُ الثالثُ ضحكةً مَريرةً وقال بضغينةٍ: «انتظروا وبشِّروا أنفسكم بالسوءِ، فسينتقمُ لنا الزعيمُ الأكبرُ شرَّ انتقامٍ».
ضَيَّقَ "تشو هاو" عينيهِ؛ فكما استنتجَ سابقاً، لم تنتهِ فصولُ هذه القصةِ بعدُ، إذ لا يزالُ هناك شخصٌ يُدعى "الزعيم الأكبر".
وبإيماءةٍ من يدِهِ، خاطبَ "تشو هاو" جموعَ الأشباحِ الشرسةِ قائلاً: «كلُّ مَن يَبتغي الثأرَ فليتقدمْ لِيَنالَهُ. لقد قطعَ هذا (المعلم الداوي) عهداً بإبادةِ هؤلاءِ الأوغادِ، وأنا عندَ وعدي».
تهللت وجوهُ الأشباحِ الشرسةِ غبطةً، واشتعلت في مآقيها نيرانُ كراهيةٍ لظى وهي ترنو إلى أولئك الذين استعبدوا أرواحَهم يوماً. ففي حياتِهم السالفةِ، نعمَ معظمُهم بالسكينةِ، إلى أن استهدفتهم طائفةُ "غوي ين"، فحوَّلتهم بوحشيةٍ من آدميين أحياءٍ إلى أشباحٍ شريرةٍ مُسخَّرةٍ، ومن يجرؤُ منهم على العصيانِ يواجهُ تعذيباً سرمداً.
انقضَّ أولُ شبحٍ شرسٍ، وكان مظهرُهُ المُميتُ يخلعُ القلوبَ، وهو يزمجرُ: «سأفتكُ بكَ!».
أطلقَ الشخصُ الحيُّ الذي استهدفه الشبحُ صرخةً حادةً وجفلَ مرتجفاً فوقَ الأرضِ.
ثم تبعهُ الشبحُ الثاني، فالثالثُ... وتوالتِ الأشباحُ في هجومِها، مُتجهةً صوبَ مَن ناصبوا لهم العداءَ وأذاقوهم الويلاتِ.
وفي غمضةِ عينٍ، استحالَ معقلُ الجبلِ إلى مَطهرٍ وجحيمٍ مستعرٍ، تملؤُهُ صرخاتُ الذعرِ وعويلُ الأشباحِ ونحيبُ الشياطينِ.
استدعى "تشو هاو" المدعوَّ "دا شين"، الذي كان يرتعدُ فرائصُهُ خوفاً من أن ينالَهُ نصيبٌ من غضبِ "تشو هاو".
سألَهُ "تشو هاو": «ما خبرُ الزعيمِ الأكبرِ لجبلِ غوي ين؟».
أجابَ "دا شين" وصوتُهُ يتهدجُ: «يا سيدي السماويَّ، أنا... لم أحظَ برؤيةِ الزعيمِ الأكبرِ قَطُّ. وإذا كنتَ تبتغي الخبرَ اليقينَ، فاسألْ نائبَ القائدِ».
دنا "تشو هاو" من نائبِ القائدِ الملقى على الأرضِ وهو يتلوى من شدةِ الوجعِ؛ فقد كانت "دودة غو الجثث" تفتكُ به فتكاً، ونظرَ إلى "تشو هاو" بعينينِ مُنكسرتينِ تتوسلانِ رصاصةَ الرحمةِ. في تلك اللحظةِ، لم يكن يقوى على تحريكِ أنملةٍ، فبمجردِ أن تنبشَ دودةُ الغُو طريقَها في الجسدِ، تتكاثرُ بلا هوادةٍ حتى تستوليَ على البدنِ كُليّةً. ولعلَّ الآلافَ منها كانت تَعيثُ فساداً بداخلهِ الآن.
«أرجوكَ... أجهِزْ عليَّ... اقتلني...» توسلَ نائبُ القائدِ وهو يكابدُ سكراتِ الألمِ.
ارتجفَ "دا شين" في مكمنِهِ؛ فقد رأى كيف استحالَ نائبُ القائدِ، المهيبُ الجبارُ، إلى هذه الحالةِ المزريةِ.
سألَ "تشو هاو": «أين يختبئُ رئيسُكَ الكبيرُ؟».
قال نائبُ القائدِ والأنفاسُ تتقطعُ في صدرِهِ والحكةُ تنهشُ أحشاءَهُ: «إنَّ... الزعيمَ الأكبرَ يقبعُ في (العرقِ العريقِ) لجبلِ غوي ين. وللوصولِ إليه، لزاماً عليكم أن تتوغلوا في غياهبِ الجبلِ».
وهكذا، تبينَ أنَّ هذا الحصنَ لم يكن سوى القشرةِ الخارجيةِ، وأنَّ لجبلِ "غوي ين" أغواراً أعمقَ غُموضاً.
تطلَّعَ "تشو هاو" شطرَ الجانبِ الخلفيِّ من الحصنِ الجبليِّ، حيث كان يلوحُ جبلٌ مَهيبٌ يُشبهُ في هيئتِهِ جمجمةً عملاقةً، تنضحُ بهالةٍ غريبةٍ وموحشةٍ.
سألَ "تشو هاو": «وكيفَ لنا أن نُجبرَهُ على الخروجِ من جُحرِهِ؟».
أجابَ نائبُ القائدِ: «نادراً ما يظهرُ الزعيمُ الأكبرُ للعيانِ، وكان آخرُ عهدِنا به قبلَ ثلاثينَ عاماً».
أثارَ هذا النبأُ في نفسِ "تشو هاو" شيئاً من الإحباطِ؛ فقد باتَ جلياً أنَّ إتمامَ المهمةِ مَرهونٌ بالقضاءِ على هذا الزعيمِ. وبما أنه لم يظهرْ منذُ ثلاثةِ عقودٍ، فمَن يدري أيَّ مكيدةٍ يُدبِّرُها هناك؟
وفي لحظةِ يأسٍ من الحياةِ، وعجزٍ عن تحملِ مِثقالِ ذرةٍ أخرى من العذابِ، تضرعَ نائبُ القائدِ قائلاً: «رَحماكم، أريحوني من مَظلمةِ العيشِ واقتلوني».
بيدَ أنَّ "تشو هاو" أعرضَ عن توسلاتِهِ المُرّةِ، مُدركاً أنها ذهبت أدراجَ الرياحِ. وبجانبِهِ، ازدادَ رعبُ "دا شين"؛ فقد أيقنَ الآنَ أنَّ هذا هو المآلُ الحقيقيُّ لمن "يَرجو الموتَ فلا يجدُهُ".