«مهما يكن من أمر ، فثمة حقيقة واحدة لا ريب فيها: هذا المخلوق الضخم ليس عدواً يسهل علينا مجابهته ، لذا يجب عليكم جميعاً أن تكونوا على أهبة الاستعداد».
أضيق "وانغ تشان " عينيه ، وسلط نظراته على من يقفون خلفه ، ثم أضاف: «أيضاً ، إذا كان بينكم من يرغب في الانسحاب ، فهذا هو الوقت المناسب. فبمجرد تعمقنا في الداخل ، إن أثرنا حفيظة ذلك الكيان الضخم ، فسيكون الخروج أمراً في غاية الصعوبة».
لم يكن "وانغ تشان " يلقي الكلام على عواهنه ؛ فرغم أن الجميع يتناقلون أن "تلال الهلاك " مكان مخيف إلا أنه لم يشعر بالقلق قط ؛ إذ كان يثق بقدراته ثقة مطلقة. ومع ذلك حين اقترب من التلال ، اكتشف معضلةً حقيقية: كل شيء هنا غريب ومريب ، وذلك الكيان الضخم المجهول يتربص في الأرجاء. فلم يكن يعلم ماهية هذا المخلوق ولا مستوى قوته ، لكن أمراً واحداً كان جلياً ؛ وهو أنه ربما يفوقه قوة بمراحل ، إذ بدأ يستشعر ضغطاً يسحق أنفاسه.
ولما كان هؤلاء قد اختاروا اتباعه ، فقد شعر بأن عليه مراعاة سلامتهم ؛ فهو لا يستطيع تركهم يغامرون بحياتهم هكذا ، وحتى لو وقعت الأزمات ، فسيتم اتخاذ القرار جماعياً. خفف هذا التفكير من حدة الشعور بالذنب الذي كان ينتاب "وانغ تشان ".
التفت "هان جون شيونغ " إلى الجميع ، وبدا في عينيه شيء من التردد. فمن الناحية المثالية كانوا يرغبون في مرافقة المزيد من الأشخاص لدعمهم ، لكنه لم يتوقع أن يبادر "وانغ تشان " بدفعهم للابتعاد ، ولعل هذا جزء من سحر شخصية "وانغ تشان ".
تبادل أفراد المجموعة النظرات ، ثم تقدم أحدهم إلى الأمام ، وضم يديه باحترام ، وقال لـ "وانغ تشان " مباشرة: «سيد وانغ ، كن مطمئناً. و بما أنك تسعى لإيجاد مخرج لنا جميعاً ، فنحن نؤمن بأنك لن تتخلى عنا حتى لو واجهنا وحوشاً شيطانية فائقة القوة. لذا قررنا مرافقتك ، ومهما كانت العقبات التي تنتظرنا ، سنبقى بجانبك وسنواجهها معاً».
تأثر "وانغ تشان " بعمق عند سماع ذلك ؛ فلم تكن معرفتهم ببعضهم طويلة ، وقد جمعتهم في البدء المصالح المشتركة ، لذا لم يتوقع أن يتوحدوا بهذه القوة فجأة. حيث كان شعوراً يغمره بالرضا التام.
ربت "وانغ تشان " على كتف كل منهم بابتسامة يملؤها العزم ، وقال بصوت حازم: «يا رفاق ، ثقوا بي. ما دمت حياً ، فأنتم في أمان. أما إذا واجهتُ ظروفاً قاهرة قد تعجزني عن حمايتكم ، فعندها سيكون الأمر عائداً لكم ؛ إن شئتم البقاء أو الرحيل».
امتلأت أعينهم بالمشاعر.
سار "هان جون شيونغ " ببطء نحو "وانغ تشان " ووضع ذراعه حول كتفه ، ثم ابتسم وقال: «نحن إخوة هنا ، وحتى لو واجهنا الموت ، سأظل بجانبك. وسواء قرر هؤلاء البقاء أو الرحيل ، يمكنك التأكد من أنني لن أتخلى عنك بسهولة. أضف إلى ذلك أنا أؤمن أن بمقدورك التعامل مع تلك المخلوقات ؛ فأنا على يقين بأنه لم يولد بعد ذلك الوحش الذي يمكنه هزيمتك».
لم يملك "وانغ تشان " إلا أن يهز رأسه عاجزاً ، متسائلاً: من أين يستمد "هان جون شيونغ " هذه الثقة ؟ حين دخل "وانغ تشان " هذه السلسلة الجبلية لأول مرة ، شعر بشيء غريب ، بل كان واثقاً من طبيعة الكيان الضخم هنا ، وأنه في جوهره أمر يمكنه السيطرة عليه. و لكن بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد ، آثر الصمت ؛ فلو أبدى أي إحباط الآن ، فلن يزيد ذلك الجميع إلا توتراً.
كان يعلم أنه بات عليه شحذ هممهم ؛ فبهذه الطريقة فقط يمكنهم استجماع كامل قواهم لمواجهة هذا المخلوق. ورغم أنهم جميعاً من "القديسين المحاربين " (القديس القتاليون) إلا أنهم يظلون قوة لا يستهان بها ؛ فوجود المساعدة خير من خوض المعارك وحيداً ، وهؤلاء الرجال يمكن أن يكونوا عوناً كبيراً.
مر الوقت ثانية تلو الأخرى ، وتوغلت المجموعة أكثر داخل "تلال الهلاك " لكن مهما ساروا ، بدت التضاريس ثابتة لا تتغير. و شعر "وانغ تشان " بأنهم يسيرون منذ ساعة على الأقل ، ومع ذلك بدا أنهم عالقون في النقطة ذاتها حتى الأشجار من حولهم تبدو متطابقة تماماً.
«نحن في غابة ، فكيف يمكن للأشجار أن تكون متطابقة في هذا العالم ؟»
عند هذه الفكرة ، تجهم وجه "وانغ تشان " فجأة ، فقبض على يده ، ومسح ببصره الأشجار المحيطة ، ثم استل "نصل النار العميقة " ولوح به بعنف نحو الأشجار القريبة.
بوميض ناري ساطع ، اتجهت الأنظار نحو "وانغ تشان " محملة بالصدمة والذهول ؛ فلم يفهموا سبب مهاجمته للأشجار.
«سيد وانغ ، لماذا هاجمت الأشجار فجأة ؟»
«هل يُعقل أن الإرهاق من كثرة السير قد أثر عليك ؟»
«كُفوا عن المزاح العقيم! أي نوع من الرجال هو سيد وانغ ؟ إنه لن يفتعل شجاراً مع الأشجار دون سبب ، لا بد أنه لاحظ أمراً غريباً».
ساد الصمت المجموعة سريعاً بانتظار توضيح من "وانغ تشان ".
شد "وانغ تشان " قبضته على الشفرة ونظر إلى المكان الذي ضربه ، وليته لم يفعل ؛ فقد كانت الأشجار سليمة تماماً ، وكأن حاجزاً غير مرئي يتصدى لنصله.
عند رؤية ذلك تلبد وجوه الجميع بالهم ، واجتمعوا حول "وانغ تشان " يتهامسون:
«سيد وانغ ، ما الذي يحدث ؟ لماذا لا يمكن قطع هذه الأشجار ؟»
«هذا المكان اللعين غريب حقاً! لا عجب أن الأساطير تقول إنه لا يمكن العثور على كائن حي في تلال الهلاك لم أظن يوماً أن تلك الأساطير حقيقية».
«لكن يا إخوة ، لا خوف علينا ما دمنا مع سيد وانغ ، أنا واثق أنه سيجد حلاً حتى لو انطبقت السماء على الأرض!»
لوح "هان جون شيونغ " بيده فهدأ الحشد ، ثم تقدم نحو "وانغ تشان " وسأله بنظرات حائرة: «هل تعرف كنه هذه الأشياء من حولنا ؟»
عقد "وانغ تشان " حاجبيه قليلاً ، وهز رأسه وقال: «لا أستطيع الجزم بعد ، لكنني أشعر أن هذا المكان يخضع لنوع من الحواجز (التعويذات) ، لذا لن يكون الخروج منه هيناً ، وهذا يفسر دوراننا في حلقات مفرغة».
بدت الأمور أكثر وضوحاً الآن ، لكن هذه الحقيقة زادت من قتامة وجوههم:
«هل نحن محاصرون داخل تشكيل سحري غريب ؟»
«ما العمل ؟ إذا بقينا عالقين هكذا ، فليس بوسع حتى الآلهة إنقاذنا ، أليس كذلك ؟»
«هل يُعقل أن هناك وحوشاً شيطانية هنا قادرة على صنع الأوهام ؟ فمثل هذه الوحوش تملك قدرات عجيبة ، ومن يعلم ما تخبئه هذه الأصقاع ؟»
نظر الجميع إلى "وانغ تشان " مجدداً ؛ فهو ركيزة المجموعة وملاذها.
كان "هان جون شيونغ " يقف بجانبه مذهولاً أيضاً ، فهو لم يسمع قط عن ظاهرة كهذه. وحتى لو كانوا داخل حاجز ، فمن المستحيل أن يكون بهذا الاتساع ؛ لقد ساروا لساعات وما زالوا محاصرين ، كيف يُعقل هذا ؟
أضيق "وانغ تشان " عينيه ، ومد يده ليتحسس الفضاء أمامه ، فوجد أن يده تخترقه ، لكن عندما حاول دفع جسده بالكامل ، اعترضه حاجز غير مرئي في الحال.
أدرك "وانغ تشان " الأمر الآن ، فالتفت إلى رفاقه موضحاً: «من المرجح جداً أن هذا المكان محاط بحاجز وضعه أحدهم ، لذا لن يكون الخروج سهلاً. و لقد اكتشفت أن هذا الحاجز صُمم ليبدو واقعياً للغاية ، بما يكفي لخداع حواسنا ، وهو ما حال دون إدراكنا له إلا الآن».
«ما ينتظرنا الآن هو اختبار حقيقي لقوتنا ؛ يجب أن نحشد طاقاتنا ونوجهها نحو نقطة واحدة. و إذا نجحنا في تحطيم هذا الحاجز ، فسنخرج بسلام ، أما إن فشلنا ، فسنظل عالقين في حلقة لا تنتهي».
كان "وانغ تشان " قد حاول ضرب الحاجز من قبل ، لكن النتائج لم تكن مرضية ، لذا بدا أنه بحاجة إلى مساعدة هذه المجموعة.
قبض "هان جون شيونغ " يده ، ونظر نظرة صارمة إلى حاجز الضوء الغريب أمامه ، ثم تشكلت ابتسامة خفيفة لـ "وانغ تشان " وقال: «اطمئن يا سيد وانغ ، فقط أخبرنا بما يجب فعله ، وسأكون أول من يتقدم لخوض هذا الاختبار».
تجمع البقية أيضاً حول "وانغ تشان " وقد اتخذوا قرارهم ومستعدين لتوحيد قواهم مع "هان جون شيونغ ".
أومأ "وانغ تشان " وألقى نظرة على من حوله ، ثم أشار إلى بقعة معينة وقال: «لنحاول الاختراق من هذه النقطة أولاً ، ولنرَ إن كان بوسعنا فتح ممر للعبور».