الفصل 520: درع معركة السماء الغامضة
"أنت... أنت تعرف؟"
أُصيب وانغ تشان بالذهول، ونظر إلى الرجل العجوز بتعبيرٍ يملؤه عدم التصديق.
"ولماذا لا أعرف؟"
رمق الرجل العجوز وانغ تشان بنظرةٍ وكأنه يرى أحمقاً أمامه، ثم رفع إصبعه وهزه برفق، لتتحول بشرته تدريجياً من لونها الطبيعي إلى سوادٍ داكن. "أليس هذا ما تقصده؟"
"نعم، نعم، بالضبط!"
أومأ وانغ تشان برأسه بقوة موافقاً.
كان سواد إصبع الرجل العجوز أعمق بكثير مما وصل إليه هو حين استخدم الطاقة المظلمة. فحين قتل "نسر السماء" قبل قليل، تغير لون قبضته بشكلٍ طفيف مائلاً إلى الرمادي، أما سواد الرجل العجوز فكان خالصاً لا تشوبه شائبة؛ شتان ما بين الثرى والثريا.
"كيف فعلت هذا؟"
استحوذت الطاقة المظلمة على لبّ وانغ تشان في الأيام الماضية، فقضى وقته باحثاً عن وسيلةٍ لتسخيرها بالكامل، وخاض في سبيل ذلك معارك ضارية. والآن، يظهر هذا العجوز ويدعي ببساطة أنه يملك المفتاح؟ أليس هذا كمن يفسر الماء بعد الجهد بالماء؟ بل هي صفعةٌ قوية لغروره.
"أوه؟ أتريد أن تتعلم؟"
ابتسم العجوز بسخرية، ثم اعتدل في جلسته ونظف حنجرته قائلاً: "يا فتى، الحق أقول إن حظك يكسر الصخر".
وتابع: "نحن بني البشر نفكر دوماً في سبل تعزيز قوتنا؛ فمنهم من يلوذ بالتقنيات المتقدمة، ومنهم من يسخر القوى الذهنية، وآخرون يصبون جُلّ اهتمامهم على صقل أجسادهم، بل إن هناك فئة من المتطرفين يسعون لتعديل جيناتهم بصفاتٍ حيوانية".
"وعلى الرغم من تعدد أنظمة التطور وتهافت الجميع على تجربتها، إلا أنني لا أزال أرى تلك الأنظمة قاصرةً، ينقصها جوهرٌ ما".
في تلك اللحظة، اضمحل أثر السخرية من وجه الرجل العجوز وحلّ مكانه وقارٌ شديد. كانت نظراته غائرة وهو يرمق الأفق البعيد، ثم أردف: "لكن، لِمَ لم يفكر أحد في استخدام طاقة (شوان-هوانغ) -الطاقة الغامضة الصفراء- الكامنة بين السماء والأرض لتقوية الجسد؟ فهي تتيح له التطور بسرعة وتفجر بداخله قوةً زلزالية".
"وبالحديث عن طاقة شوان-هوانغ، فقد اكتُشفت بمحض الصدفة. يسميها البعض نوعاً من الطاقة الروحية، ولكن في رأيي المتواضع، منبع هذه الطاقة هو أعماق جسد الإنسان نفسه".
أصغى وانغ تشان بتركيز، ثم سأل بجدية: "إذا كان الأمر كذلك، فمن المفترض أن يكون الجميع قادراً على تنميتها، فلماذا وصفتني بالمحظوظ؟"
لوّح العجوز بيده مبتسماً: "وهل تظن أن طاقة شوان-هوانغ تظهر لكل من هبّ ودبّ؟"
وكأنه كان يتوقع السؤال، أخرج الرجل العجوز رَقّاً قديماً مهترئاً من جيبه وناوله لوانغ تشان: "طاقة شوان-هوانغ موجودة بين السماء والأرض، وعندما يولد الإنسان، يحمل في جسده نطفةً من هذه الطاقة. ومع نموه، يستهلك الجسد هذا المخزون ليعيننا على البناء والنمو".
هنا أومأ وانغ تشان متفهماً: "تقصد أن نمونا منذ الصغر يعتمد على هذه الطاقة؟ ولأن الكمية المودعة في أجسادنا ضئيلة، نتوقف عن النمو في العشرينيات من عمرنا بمجرد نفاذها؟"
أومأ العجوز بابتسامة رضا: "تلميذٌ لبيبٌ حقاً!"
ومع انتهاء كلماته، ارتجف جسد العجوز وتصاعدت هالته بشكلٍ مهيب، فاستحال شكله ظلاماً دامساً لا مثيل له، ووسط هذا السواد، ومضت بروق ذهبية لا حصر لها.
بدا الأمر وكأن نجوماً تتلألأ في كبد ليلٍ بهيم.
"أترى؟ هذا هو نتاج تنقية طاقة شوان-هوانغ إلى أقصى حدودها. عندما نغلف الجسد بهذه الطاقة، نطلق عليها اسم: درع معركة السماء الغامضة!"
كان استخدام هذه الطاقة لتغطية الجسد واستخراج كامل كامن قواه يشبه حقاً ارتداء درعٍ حصين، وكان اسم "درع معركة السماء الغامضة" اسماً على مسمى.
هز وانغ تشان رأسه بالموافقة وسأل: "إذا كان كلامك صحيحاً بأن هذه الطاقة تنفد تدريجياً، فما بالها قد ظهرت في جسدي الآن؟"
ضحك العجوز مجيباً: "الأمر بسيط يا فتى؛ طاقة شوان-هوانغ يمكن توريثها أو منحها. بمجرد وجود (بذرة) أو مادة تمهيدية منها، فإنها تعمل كالمغناطيس لتثير الطاقة الكامنة داخل جسدك وتجذب الطاقة الحرة من العالم المحيط بك. حينها، ستنفتح أمامك أبواب تنميتها بشكل طبيعي".
استوعب وانغ تشان المبدأ فوراً، لكن الغموض غلف وجهه: "حتى لو علمت كيف أنميها، فما الفائدة؟ أنا لا أزال عاجزاً عن كبح جماحها أو السيطرة عليها!"
ظلّت نظرات وانغ تشان معلقة بالرجل العجوز، تماماً كطفلٍ يترقب لعبةً ويدقق في تعابير والديه.
وبما أن العجوز كيانٌ تجاوز رتبة "الإمبراطور المحارب"، فقد فطن لحيلة وانغ تشان الخفية وضحك قائلاً: "يا فتى، لا تكلف نفسك عناء هذا التعبير، فالأمر ليس بهذه الضخامة!"
ثم لمعت عيناه بمكر وتابع: "ولكن، ليس هناك شيء بالمجان! فمن بين مليارات البشر، لا يتجاوز عدد القادرين على التحكم بمهارة في درع معركة السماء الغامضة خمسين شخصاً فقط!"
صعق الرقم وانغ تشان؛ أيعقل أنه من بين هذا الخلق العظيم، لا يتقن هذه التقنية إلا هذه القلة؟
ثارت عاصفة من التساؤلات في صدره، لكنها سرعان ما تحولت إلى حماسٍ متقد.
غير أن العجوز لم يلقِ بالاً لذهول الفتى، وسعل بخفة ثم قال: "إذا كنت عازماً على تعلم تقنية الدرع، فلا بأس. ولكن شريطة أن تساعدني، بمجرد إتقانك لها، في القضاء على وحشٍ بمدينة (ولاية تشوان) يشكل تهديداً لي. ما قولك؟"
اندهش وانغ تشان: "أتقصد ذلك الوحش الذي تجاوز المستوى الملكي؟"
رد العجوز ببرود: "بالتأكيد. ماذا؟ أداخلك الرعب؟"
ثم بسط يديه قائلاً: "على أية حال، إن كنت تهاب الأمر، فانسَ ما قلته. يمكنك دائماً محاولة استكشاف السر بنفسك؛ اقضِ عقراً أو عقدين من الزمان، فسرّ درع معركة السماء الغامضة ليس مستحيل الإدراك، لكنه يحتاج عمراً".
عشر سنوات؟ عشرون سنة؟ فكر وانغ تشان في نفسه: من يضمن كيف سيكون حال العالم حينها؟
"حسناً! وما هو إلا وحش تجاوز المستوى الملكي! سأفعلها!"
ضغط وانغ تشان على نواجذه وضرب الأرض بقدمه، حاسماً أمره، فلم يعد لديه وقت ليضيعه، ووافق على الشرط.
ابتسم العجوز وأومأ برأسه: "جيد! يا فتى، اترك القتال جانباً اليوم. نل قسطاً من الراحة، فالتدريب الرسمي سيبدأ مع بزوغ فجر الغد!"
وما إن أتم كلماته حتى تلاشت صورته فجأة واختفى عن الأنظار.
وقف وانغ تشان مكانه، والترقب يكاد يطير به فرحاً. يا له من فضلٍ عظيم أن ينهل من أسمى تقنيات البشرية غداً!
في تلك الليلة، وبناءً على وصية العجوز، غرق وانغ تشان في تأملٍ عميق، يعمل على تهيئة روحه وصقل جسده والوصول بجاهزيته إلى الذروة.
«في الصباح الباكر من اليوم التالي»
ما إن استيقظ وانغ تشان حتى وجد العجوز واقفاً بانتظاره، وبحوزته حقيبتان سوداوان ضخمتان.
سأل وانغ تشان بحيرة: "ما الحاجة لهاتين؟"
أجاب العجوز بكلمة مقتضبة: "التمرين!"
ثم استدار وخرج من المنزل مباشرة، فلحق به وانغ تشان مسرعاً.
وما إن تخطيا العتبة حتى فتح العجوز الحقيبتين، فسرى في جسد وانغ تشان شعورٌ بالقشعريرة. كانت الأكياس تعجّ بـ "نمل الجنود" من الرتبة الملكية.
ورغم أن حجمها ليس بالضخم، وقوتها الفردية ليست الأعلى بين وحوش المستوى الملكي، إلا أن خطورتها تكمن في كثرتها؛ فهي تعيش في مستعمرات، وبمجرد استثارة واحدة، ينهال عليك الجيش بأكمله. قد لا ترهبني نملة واحدة، ولكن ماذا عن الآلاف؟ فرغم قوتي الحالية، إلا أنني لا أرغب في نكش عش الدبابير هذا!
"أنت... ماذا تنوي فعله؟"
ابتسم العجوز لرد فعله: "لا شيء يُذكر. ألم تطلب العون لتنمية طاقة شوان-هوانغ؟ حسناً، هذا هو طريقي لذلك".
أشار العجوز إلى بقعة قريبة: "اذهب وقف هناك، واخلع قميصك!"
لم يستوعب وانغ تشان الحكمة من ذلك، لكنه قرر الصبر والتحمل في سبيل نيل مبتغاه. امتثل للأمر، ووقف في المكان المحدد كاشفاً عن عضلاتٍ مفتولة تنبض بالقوة.
هز العجوز رأسه إعجاباً: "بنيتك الجسدية ممتازة، ويُفترض أن تحتمل هذا".
بينما هو يتحدث، قبض العجوز بيده في الهواء، فارتفعت العشرات من نمل الجنود طافيةً أمامه كأنها دمى يحركها بخيوطٍ خفية.
"يا فتى، بدأت المعركة!"
ومع كلماته، حرك أصابعه فاندفعت النملات نحو وانغ تشان بسرعةٍ أحدثت دويّاً في الهواء.
"تباً لك أيها العجوز! أتهزأ بي؟!"
راقب وانغ تشان النمل المندفع نحوه، ولم يسعفه الوقت إلا للسبّ قبل أن يركز حواسه ويوجه طاقته الذهنية للتنبؤ بمساراتهم والمراوغة.
"اثبت مكانك! إياك والحركة!"
ما كاد وانغ تشان يحرك قدمه حتى زجر العجوز بصوتٍ كالرعد، وانبعثت منه هالة ترهيبٍ خانقة أحاطت بالفتى تماماً.
في تلك اللحظة، شعر وانغ تشان وكأنه غاص في وحلٍ عميق؛ أطرافه ثقلت كأنما كُبلت بأطنانٍ من الرصاص، وصار رفع القدم أصعب من نيل النجوم.
صفعة!
ارتطمت أول نملة بجسده، وفي لحظة الاصطدام، انفجرت موجة ارتدادية من جلد وانغ تشان أردت النملة قتيلةً في الحال.
لكن حال وانغ تشان لم يكن أحسن؛ فقد خلّف الارتطام كدمةً ضخمة ملتهبة.
صرخ وانغ تشان من شدة الألم والحرقان: "أيها العجوز، أهذا تعليمٌ لدرع السماء الغامضة أم أنها محاولة لاغتيالي؟!"
تجاهل العجوز صراخه، وأمر بصرامة: "اهدأ! ركز! اشعر بتدفق طاقة شوان-هوانغ وهي تسري في عروقك!"