الفصل 490: واحد ضد واحد_1
تزامن ذلك كله في آنٍ واحد، وفي ساحة المعركة ذاتها؛ ثلاثة وثلاثون ثعباناً عملاقاً متطابقاً في مواجهة "وانغ تشان"، ذلك المحارب البشري. أما وانغ تشان الوحيد، فما كان بيده حيلة سوى أن يقف شامخاً ليجابه هذا الحشد الغفير بمفرده.
لقد كان مشهداً يافق التصور، ولا يتقبله عقل.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن دهاء تلك الأفاعي العملاقة بدا مطابقاً تماماً لذكاء جسد الأفعى الأصلي؛ مكرٌ منقطع النظير، وصعوبةٌ بالغة في المراس!
لذا، حين رأوا وانغ تشان محاصراً ومطبقاً عليه من كل جانب، تعالت ضحكاتهم الساخرة. وبدا وكأنهم يتعاونون بتناغمٍ فطري وتفاهمٍ ضمني، واضعين نصب أعينهم هدفاً واحداً: تحطيم إرادته واستنزاف قواه شيئاً فشيئاً.
"أيها الفتى، لا يسعني تقدير حجم القوة التي تواريها خلف تلك الجرأة والتهور اللذين دفعاك لاقتحام دولة 'تشوان' بمفردك! ومع ذلك، فإن قدرتك على سحق مستنسخاتي تشير إلى أنك تملك على الأقل قوة فتاكة تضاهي مستوى 'الإمبراطور'. ولكن، هل أنت واثق حقاً من قدرتك على إبادة وجودي بالكامل؟"
"ههههه، يا صغيري، أبدأتَ تشعر بالذعر الآن؟ ما رأيك لو منحناك مخرجاً؟ اركع صاغراً، وازحف لتستقر في أحشائنا، وكن لنا وليمةً سائغة..."
"هاهاها، أيها الصبي، لقد استهنتَ بنا نحن 'عشيرة الوحوش'! اليوم، حتى لو كنتَ إمبراطوراً محارباً حقيقياً، فإن مصيرك الفناء لا محالة! اقتلوه!!!"
إثر ذلك، انطلقت موجات من الهتافات المدوية: "هجوم! هجوم! هجوم!!!"
في تلك البرهة، ارتجت الأرجاء بصيحات المعركة. ولأن هذه الأصوات كانت تنبعث من مصدر وجدان واحد رغم تعدد الأجساد، فقد كانت أكثر حدة، وحملت في طياتها هالة من الهيبة والمنعة. أي محاربٍ قليل الخبرة كان ليهتز رعباً من تلك الصيحات، ويفقد رغبته في المقاومة على الفور.
لك أن تتخيل حجم الهول الذي كان يواجهه وانغ تشان في تلك اللحظة!
ثم دوى صوتٌ هائلٌ يكاد يصم الآذان.
وفجأة:
دويٌّ هائل...
دويٌّ هائل...
دويٌّ هائل...
لم تكد كلمات الأفاعي العملاقة تتلاشى، ولم تمر سوى بضع أنفاس، حتى انفجر زئيرٌ عنيفٌ بغتة. وفي تلك اللحظة، استهدفت جميع الأفاعي الثلاثة والثلاثين في الميدان وانغ تشان دون أدنى تردد، وارتفعت نية القتل لديهم حتى ناطحت عنان السماء! لقد بات هو المحور الأوحد لهجومهم الكاسر؛ محاصراً، فريداً، ومجرداً من أي دعم.
يُمكن القول إنه في رمشة عين، تحول حاله من الوقوف تحت أشعة الشمس الدافئة إلى وضعٍ غاية في الخطورة، وكأنه أُلقي به وسط جبال جليدية شاهقة؛ حيث الرياح الباردة القارسة تنخر العظام، وألمٌ يعتصر القلب اعتصاراً.
وفجأةً، في كبد السماء، رقصت ظلال الأفاعي العملاقة في كل حدب وصوب. رؤوسٌ ضخمة تترصد من كل زاوية، وذيولٌ حادة كالنصال تلوح في الأفق؛ معركةٌ فوضوية أشبه برقصة الشياطين الجامحة! كان المنظر وحده كفيلاً بجعل أي شجاعٍ يرتعد، ويفقد رباطة جأشه، ويتردد في الخطوِ خطوةً واحدة. ثم وجد وانغ تشان نفسه سجيناً داخل عالمٍ يشبه الكهف الجليدي، مساحةٌ شاسعةٌ بيضاء غطتها رقاقات الثلج، في مشهدٍ يبعث على القشعريرة.
حتى كما زعمت الأفاعي العملاقة، فمن المرجح أن يصاب أعتى المحاربين في رتبة "الإمبراطور المحارب" التابعين لـ "الاتحاد" برعب شديد عند رؤية مثل هذا المشهد.
ولماذا؟ لأن هذا هو مكمن رعب أباطرة المحاربين من عشيرة الوحوش.
وأمام ناظريه مباشرةً، كان الهجوم القتالي المشترك الذي شنته هذه المخلوقات على وانغ تشان هائلاً، ناهيك عن قوته الغاشمة! مجرد مراقبة تعاونهم كشف عن تنسيقٍ مثالي يكاد يكون تخاطرياً. فدون الحاجة إلى أي إشارة أو تواصل، استطاعوا فوراً بناء خط دفاعي وهجومي محكم استناداً إلى خبرتهم القتالية الطويلة. ثم، كشبكةٍ من السماء والأرض لا مفر منها، انقضوا على عدوهم ولم يتركوا له أدنى ثغرة ينفذ منها. فلم يكن للفريسة التي تقع في فخهم أي أمل في النجاة؛ فقد كان مصيرها رحلةً بلا عودة إلى العالم السفلي. ومن هنا، يمكن للمرء أن يتخيل مدى فظاعة المشهد عندما يطلقون العنان لقوتهم القصوى.
وسواء كان ذلك من حسن حظه أم سوء طالعه، فقد كان وانغ تشان في هذه اللحظة هو الهدف الذي وقع في حصارهم، والعدو المشترك الذي لا جدال فيه. لذا، أصبح هو الفريسة المحاصرة في هذه الشبكة السماوية والأرضية.
ونتيجةً لذلك، بدا وانغ تشان في لحظة وكأنه أصبح كطحلبٍ عائمٍ بلا جذور تتقاذفه الأمواج. أخذ يحرك جناحيه بعنف، يرفرف بهما بجهدٍ جهيد لم يسبق له مثيل، محاولاً يائساً المراوغة والإفلات من هجمات الأفاعي المتلاحقة، مكافحاً من أجل البقاء. شعر وكأنه عالق في شباك عنكبوت، مدركاً في قرارة نفسه استحالة الفرار. ومع ذلك، كحشرةٍ ضئيلة تتقاذفها الرياح والأنواء، يتعرض جسدها الصغير للضربات باستمرار وهي على وشك السقوط في الفخ، ظل يقفز للأعلى وللأسفل، يقاتل بكل ما أوتي من قوة لإنقاذ حياته!
لكن المشاعر الإنسانية نادراً ما تجد من يشاطرها في مثل هذه المواقف. وحده وانغ تشان كان يدرك حقيقة الموقف، وهو محاطٌ بأعداء أشداء من كل جانب؛ من فوقه وتحته، ومن يمينه ويساره، ومن أمامه وخلفه، مدركاً مدى خطورة وضعه الذي يحبس الأنفاس!
وعلى الرغم من أن وانغ تشان كان يتسم عادةً بثقةٍ مفرطة في قوته، إلا أن أعصابه كانت مشدودةً إلى أقصى حد في هذه اللحظة.
كانت أساليبهم الدنيئة كفيلةً بأن تجعل فرائص أي شخص ترتعد.
العدو... كان عددهم يفوق الوصف! حشدٌ هائلٌ استحال معه الدفاع، وجموعٌ غفيرة لم تترك له مفراً. وفي الواقع، كان عددهم كبيراً لدرجة أنه لو التفت وانغ تشان وراءه، لرأى وجهاً آخر يفيض بالبغينة والكره تجاهه بالقدر ذاته.
ثم كانت هناك تلك الأفاعي العملاقة، عيونها المثبتة على جانبي حاجبيها تفيض بنية قتلٍ قاتمة وعميقة. كادت تلك العيون أن تشكل خطاً رأسياً مستقيماً وهي معلقة أمامه بشكلٍ صارخ، مما جعل شعر رأسه يقف رعباً.
كان الأمر أشبه بلعب لعبةٍ محفوفة بالمخاطر، حيث يتربص الأعداء في كل زاوية، وأي هفوةٍ تعني الهلاك والنهاية.
وهكذا، كان وانغ تشان مدركاً تمام الإدراك لما يلي:
لقد وقع في مأزقٍ حقيقي!
لقد وضع في حسبانه احتمالاتٍ لا حصر لها، حتى أنه كاد يستنتج جوهر موهبة سلالتهم. ومع ذلك، كيف له أن يتخيل أن الخصم قادرٌ على إطلاق العنان لثلاثين مستنسخاً تقريباً في سربٍ واحد دفعةً واحدة، دون أدنى تردد!
وقد عكس ذلك ثقة العدو المطلقة وقوته الباطشة.
علاوة على ذلك، كان بإمكان هذه النسخ المستنسخة أن تشكل تشكيلاً قتالياً منسقاً تكتيكياً، لتتحول فعلياً إلى فيلقٍ متنقل لا يهزم.
وبينما كان وانغ تشان يرى عادةً أن فنون القتال المعتمدة على استنساخ الطاقة الروحية، والتي تنقسم إلى شخصيات متعددة، ذات فائدة ضئيلة في المعارك الحقيقية، إلا أنه في هذه اللحظة اضطر للاعتراف قائلاً: "هذا الفن القتالي يثير الغثيان حقاً..." كان الأمر أشبه بابتلاع ذبابة والعجز عن تقيؤها؛ شعورٌ مزعجٌ للغاية، كغصةٍ في الحلق أو عظمة سمكةٍ عالقة لا ترحل.
بالطبع، من الناحية الاستراتيجية، كان لزاماً على وانغ تشان أن يأخذ خصمه على محمل الجد. أما من الناحية التكتيكية، فلم يكن من النوع الذي يرفع راية الاستسلام بسهولة. لذا، لجأ مجدداً إلى حيله المعهودة: الاستهزاء، والاستفزاز، والبحث عن أي ثغرة ينفذ منها.
وبينما كان الحصار على وشك أن يُطبق عليه تماماً، أطلق وانغ تشان - الذي لم يمضِ على بدئه المناورة سوى لحظات، واستُنزفت طاقته الجوهرية تقريباً - زئيراً غاضباً مدوياً. وتعمَّد إظهار رباطة جأشٍ توحي بأنه ما زال يملك من القوة فائضاً، ثم سخر بصوتٍ عالٍ من الثعابين العملاقة قائلاً: "ههههههه، وماذا يعني إن كثر عديدكم؟ أنتم مجرد شرذمة من الأوغاد عديمي القيمة! ماذا عساكم أن تفعلوا بي؟ هاهاها، لمَ لا تعودون أدراجكم وتعتكفون على الزراعة والتدريب لبضع سنوات أخرى!"
كان لدى وانغ تشان مأربٌ من قوله هذا؛ فقد أراد تشتيت انتباه هذه المخلوقات عديمة الرحمة مؤقتاً، لئلا يدركوا نواياه الحقيقية.
كان يعلم علم اليقين أنه يجب عليه الفرار، وإلا فإن نهايته ستكون وشيكة ومروعة.
لكن الأفاعي العملاقة كانت تدرك يقيناً أنه يسعى لكسر الحصار ونقل المعركة إلى الخارج. لذا، لو لم يستخدم وانغ تشان دهاءه ويمارس بعض المناورات النفسية الماكرة مع هؤلاء الأعداء، لخشى أن تُسحق أدنى محاولة لهروبه بلا رحمة، كمن يسحق فأراً صغيراً.
كان الوضع قاب قوسين أو أدنى من الكارثة!
وبينما كان وانغ تشان يناور باستمرار في الهواء متفادياً ضرباتهم، ركز بصره مجدداً على إحدى الأفاعي العملاقة. لمعت عيناه ببريقٍ حاد، أحس به الثعبان المستهدف فوراً. ولكن، بما أن هذه النسخ لم تكن كياناً واحداً بل تمتلك أفكاراً فردية، فقد فات الأوان على ذلك الثعبان للرد بفاعلية.
وفي ساحة المعركة الحقيقية، فإن السلاح الأكثر حسماً - السلاح الذي يحقق التفوق ويجعل الأعداء يفقدون صوابهم بمجرد ذكره - هو الوقت ذاته!
لذا، كان وانغ تشان واثقاً من نجاح خطته؛ فالعقبات الحالية ليست سوى عثرات بسيطة. لقد استقرأ جميع ردود أفعالهم المحتملة، وتوقع تماماً عجزهم عن إحباط مسعاه.
وفجأة، ودون سابق إنذار، رعد صوت وانغ تشان عالياً، فمزق صوته الحاد حاجز الصمت، وتردد صداه في الأركان: "إلى الجحيم! المستوى الثامن: الانهيار!"
وفجأة، دويٌّ هائلٌ يكاد يفجر الآذان!
وفي المكان الذي كانت تقف فيه الأفعى العملاقة المستهدفة، وفي لمحة بصر، نشأت دوامة من التيارات الهوائية العنيفة تدور بلا انقطاع؛ مشهدٌ غريبٌ لا يُصدقه عقل!
ثم زأر وانغ تشان متهكماً: "هههههه، أتريد قتلي؟ أتملك الجرأة والقدرة حقاً؟ دعني أرى كم لكمة من لكماتي يمكنك تحملها قبل أن تهلك! هيهيهيهه..."
(ووش!)
انطلق صوتٌ آخر، ليس ناتجاً عن هجوم وانغ تشان، بل هو أزيز الهواء الناجم عن حركته الخاطفة وهو يتفادى ضربة غادرة وقوية من الخلف! لقد كانت هذه المخلوقات تهاجم بضراوة وجنون لا يوصف.
وحتى حين أُجبر وانغ تشان، الذي لم تنقطع قهقهته الساخرة، على التراجع والابتعاد عن مقدمة تلك الأفعى العملاقة...