كان الأمر برمته مَرهوناً بمشيئته، فما كان الأمر يتطلب سوى بَذلِ نزرٍ يسيرٍ من طاقة الجوهر. ومن هذا المنظور، لم يكن "وانغ تشان" يُشبه حقاً المحاربين التقليديين؛ إذ كانت الفنون القتالية في يده مجرد أداةٍ طيِّعةٍ لا أكثر.
بالطبع، في تلك اللحظة، كانت الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن "وانغ تشان"، حين يواجه موقفاً كهذا، لم يكن أبداً بالشخص الشحيح في بذل قوته.
لذلك، وبعد برهةٍ وجيزة، وفي نهاية المطاف...
"بوم..."
دوى صوتُ انفجارٍ هائلٍ في الأرجاء مرة أخرى، هزَّ قلوب كل الكائنات القوية المحتشدة في المكان.
وحتى بالمقارنة مع عروض "وانغ تشان" السابقة -حيث كانت فنونه القتالية، رغم ضراوتها، تتمتع بقوة تدميرية دقيقة وفعالة للغاية- فإن ما كان مختلفاً بوضوح هذه المرة هو أن كل شيء بدأ بنقرةٍ بسيطة.
كان الأمر أشبه بحلمٍ يتبدد، أو كقطعة زجاجٍ تتشظى على حين غرة، فتُصدر رنيناً حاداً يصمُّ الآذان. بدا وكأن عالماً جديداً قد انفتح في لحظة، عالمٌ مفعمٌ بالذهول والرعب. أو كقطرة ماءٍ سقطت لتُحدث رنيناً صافياً؛ وأخيراً، انكشفت هشاشة الثعبان وجراحه أمام ناظري الجميع!
بعد هذا الهدير، بدت جميع الأصوات الأخرى في الساحة وكأنها انحسرت في تلك اللحظة الحاسمة، لتتحول إلى صمتٍ مطبق. ترقب الجميع في وجومٍ التغيرات المباغتة التي قد تحدث لاحقاً!
وأخيراً، وإن كانت مجرد لحظة خاطفة، فقد انتهى انتظار تلك الكائنات المتنوعة التي بدا وكأنها استنزفت كل جوارحها في الترقب! وبدا الجو الصامت الذي كان يسود المكان، وسط تلك الجلبة البسيطة، وكأنه انقشع تماماً، ليتحول مرة أخرى إلى عالمٍ جديدٍ مبهرٍ يحبس الأنفاس!
كان بوسع المرء أن يرى خلف الثعبان العملاق، وتحديداً على ذيله -الذي كان في الأصل حاداً ومراوغاً كالسلاح- خطاً صغيراً ودقيقاً ظهر بهدوء في تلك اللحظة، كما لو أن شخصاً ما قد خطَّ عليه خربشةً عشوائية دون اكتراث!
ثم في لمح البصر، بدأ الدم يتدفق بغزارة، مصحوباً بصوت تكسرٍ لا ينتهي.
ومباشرة بعد ذلك، بدأت الحراشف الهشة، قطعةً تلو أخرى، تتساقط في سكون بعد أن عجزت عن تحمل ضغط اللحم المتورم تحتها.
"نقرة... نقرة... نقرة..."
كان الصوت خافتاً، لكنه تردد بوضوح في جميع الاتجاهات!
وبعد ذلك مباشرة، سُمع صوت تدفق هائل، كصوت شلالٍ هادر!
الفرق الوحيد عن الماء الجاري الحقيقي هو أن ما انهمر من السماء متناثراً في كل مكان، كان دماء وحشٍ عملاقٍ جبارٍ من وراء فضاء النجوم السحيق؛ مخلوقٌ ينتمي إلى ما أطلقت عليه البشرية "ساحة معركة النجوم العظمى"! حيث كان المشهد أكثر إثارة للصدمة والرعب من أي أسطورة دونها بنو البشر في العصور الخوالي!
حينها، انتاب الثعبان العملاق ألمٌ حادٌ تغلغل في أعماق قلبه. وكأن آلاف النمل تقضم جوهره، كان الألم يلتهم عقله ووعيه باستمرار، دافعاً إياه مباشرة نحو حافة الجنون.
تحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاني!
"دويّ... دويّ..."
وأخيراً، وتحت نظرات "وانغ تشان" الباردة، نال ذيله لحظة من السكون.
لكن بالنسبة للثعبان العملاق، كانت لحظة السلام هذه نذير شؤمٍ بالغ الخطورة؛ فالسلام والهدوء اللذان كان من المفترض أن ينعم بهما في تلك اللحظة، كانا في الواقع مشوبين بألمٍ ومعاناةٍ شديدين لم يسبق له أن اختبرهما!
لولا أنه مجرد دودة حقيرة في نظر الخصم، لكانت الصيحات التي يصدرها كفيلةً بزعزعة أركان الأرض!
وهكذا، ومصحوباً بموجات من الدويّ، بدأ ذلك الكيان القوي على أرض المنطقة البرية -كأنه أفعى ضخمة من العصور السحيقة تتشنج- يتخبط ويضرب الأرض بقوة متواصلة. بدا وكأنه عازم على دكِّ الأرض نفسها، يضربها حتى غارت فيها خنادق عميقة وشقوق عظيمة!
وعلى الفور، تصاعدت سحب من الغبار الأصفر الداكن، تلتها أخرى حتى كادت تحجب عنان السماء، لتشكل ما يشبه عالماً معزولاً في طرفة عين.
وفي هذا العالم، ظلت نظرة "وانغ تشان" الثاقبة التي لا تُخدع بسهولة، باردة وغير مبالية، يراقب المشهد بثبات. ثم سارع مرة أخرى إلى الابتعاد عن الثعبان العملاق المتخبط على الأرض.
ففي نهاية المطاف، لا يندفع نحو الهجوم في ظل غموض الموقف إلا متهورٌ أحمق. ناهيك عن أن "وانغ تشان" نفسه كان ما يزال غير متأكد من حجم الضرر الحقيقي الذي ألحقه بهذا الوحش.
لذلك، ساوره شعورٌ بأن هناك أمراً مريباً.
بالطبع، هذا لا يعني أن "وانغ تشان" كان يعتقد أن الثعبان العملاق قد نصب له فخاً آخر؛ بل كان يشك في أنه يخفي قوته الحقيقية.
فهل يُعقل أن يكون "ثعبان الملك"، ذو الجسد المادي الذي يضاهي المرتبة الملكية، بهذه الهشاشة حقاً؟
ينبغي للمرء أن يدرك أن السبب وراء هزائم البشر المتكررة أمام الوحوش وتجرعهم الضربات القاسية هو تحديداً ضعف أجسادهم المادية مقارنةً بأجساد الوحوش العاتية. ومن المفارقات أن الجسد كان أيضاً نقطة ضعف "وانغ تشان" الكبرى، وأبرز ثغرات قوته الإجمالية.
لذلك، ورغم أن هذا المخلوق بدا وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، إلا أنه ونظراً لقوته الهائلة، فضل "وانغ تشان" التريث، مترقباً فرصة سانحة لتوجيه ضربة قاضية، بدلاً من التسرع في حسم المعركة والسعي وراء نصرٍ سريع. وهكذا، بينما كان يراقب جسد الثعبان العملاق وهو يتخبط، وكلما ازداد تشنجه، ازدادت نظراته عمقاً وصرامة.
وفي تلك الأثناء...
أكدت الوحوش المراقبة حقيقة واحدة أخيراً.
"هذا الرجل... إنه قوي بشكل مرعب! لا بد أنه يمتلك قوة تضاهي مستوى الإمبراطور المحارب..."
يجب أن يعلم المرء، أنه رغم كون عالم فنون القتال غامضاً وعصياً على التنبؤ، إلا أن من الحقائق الراسخة أن الإمبراطور المحارب وحده هو من يستطيع مقارعة إمبراطور محارب آخر! فالندُّ لا يغلبه إلا ندٌّ مثله!
في هذه الحالة، إذا كان مثل هذا الوحش القوي -الذي تعادل دفاعاته الجسدية على الأقل مستوى الإمبراطور القتالي لدى بني البشر- على وشك أن يُهزم على يد "وانغ تشان"، أليس ذلك برهاناً ساطعاً على قوته؟
"إن تجرؤ إنسان على انتهاك أراضي دولة (تشوان) في مثل هذا التوقيت، يعني بالضرورة امتلاكه مهارة استثنائية. أخشى أننا حتى لو تكاتفنا جميعاً، فلن نكون له نداً..."
بالمقارنة مع الوحوش التي واجهها الرجل العجوز سابقاً، كانت هذه الوحوش مختلفة تماماً عن تلك المخلوقات التي لا يحركها سوى التعطش للدماء؛ فقد امتلكت وعياً وحكمة ومشاعر، بل وحتى مطامع معقدة! وفي كثير من الجوانب لم تكن تختلف كثيراً عن بني البشر، باستثناء مظهرها الموحش.
لذلك، سعت بطبيعة الحال إلى طلب السلامة ودرء المخاطر عن أنفسها! ومن ثم، عندما أدركت هذه المخلوقات قوة "وانغ تشان" الحقيقية، بدأت تخطط بالفعل للانسحاب خلسة.
"لمواجهة وانغ تشان، نحتاج إلى وحش أكثر قوة وضراوة. أما نحن، فأقوى واحد بيننا، في أحسن أحواله، لا يزيد شأناً عن ذلك الثعبان العملاق الذي يتلوى بجنون على الأرض!"
"إذن، بما أنه لم ينتبه لوجودنا، فلنرحل سريعاً! إذا استطعنا إيصال هذه الأنباء بنجاح، فقد نبلغ أعتاب المرتبة الملكية ككفأة لنا..."
عند سماع هذا، انقادت الوحوش للفكرة فوراً. حقاً! لا يُقدم على مواجهة "وانغ تشان" وجهاً لوجه إلا أحمق، فهو رجلٌ لا يُسبر أغواره، وهجماته لا تعرف الرحمة. وعلاوة على ذلك، لسنا مضطرين لمصادمته مباشرة!
يجب أن يوضع في الحسبان أنه رغم عدم كشف "وانغ تشان" عن هويته، إلا أن مظهره وسلوكه كانا جليين: هذا الشاب لم يبلغ العشرين ربيعاً بعد! بعبارة أخرى، حتى في عرف عشيرة الوحوش، سيُعدُّ نابغةً من الطراز الفريد، كائناً أقرب إلى الشياطين في موهبته. ولا يسع المرء إلا أن يتخيل حجم الرعاية والاهتمام الذي يحظى به في عالم البشر! ربما يُشعل هؤلاء البشر البغيضون، الخونة القبيحون، حرباً ضروساً فيما بينهم لمجرد أن هذا الشاب وقع في أيدينا؛ ستكون مكاسب عشيرة الوحوش من وراء ذلك لا تُعد ولا تُحصى. وقد استشعروا أن هذا الاحتمال واردٌ وبقوة!
وعلى الرغم من أن عشيرة الوحوش قد خاضت بالفعل صراعاً طويلاً مع "اتحاد الأرض"، وهو صراع يمرُّ حالياً بمرحلة من الجمود، إلا أن مراقبتهم الدقيقة والمستمرة للبشر قد منحتهم فهماً عميقاً لهذا النوع القبيح والغريب والمتناقض!
إن الصراع الداخلي عيبٌ متأصلٌ فيهم، لا يمكنهم الانفكاك منه أبداً!
لذلك، خطرت ببال بعضهم فكرة وقالوا: "في هذه الحالة، فلنشدَّ الرحال سريعاً! إذا استطعنا نحن الأخوين اغتنام هذه الفرصة، فربما نتمكن من العودة! فرغم وفرة الغذاء في اتحاد الأرض، إلا أننا بدون بني جنسنا لن نستطيع التكاثر وضمان استمرار نسلنا، وهذا كابوسٌ يؤرقنا..."
عند سماع هذا، سرى نوعٌ من التفاهم المتبادل بين الوحوش القوية الأخرى.
"بالتأكيد! انظروا إليّ أنا، تنين الأرض ذو المخالب الأربعة؛ في ساحة معركة النجوم كان هناك عدد لا يحصى من الإناث اللاتي يمكنني استكمال نسلي معهن. ولكن تنانين الأرض هنا في اتحاد الأرض ليست سوى ديدان طفيلية بائسة! انسوا أمر ذوي الأرجل الثنائية أو الثلاثية؛ فما لم أكن مستعداً لقبول (صداقات) بين الأنواع المختلفة وتحمل تبعات الطفرات العرقية، فقد ينتهي نسلي عند هذا الحد..."
بالطبع، لم يكن لهذا المنطق صلة وثيقة بمجريات المعركة التي يشهدونها، ومع ذلك، فقد منحهم ذريعة مثالية لمواساة أنفسهم وتبرير انسحابهم كلما دعت الحاجة.
أما "وانغ تشان"، فقد رمقهم بنظرة خاطفة هادئة. ولما فطن إلى هذا التغير -برؤية بعض الوحوش التي انكشف أمرها وهي تشرع في التراجع على عجل- ارتسمت على شفتيه ابتسامة طفيفة.
في الواقع، وبفضل ازدهار الحكمة لدى بني البشر، انبثق مستقبلٌ زاخرٌ بالآفاق اللامحدودة، لكنه جاء مصحوباً بشوائب لا مفر منها كامنة في ثنايا تلك الحكمة. وهذه الأمور حتمية، إذ يستحيل سبر أغوار قلوب الآخرين حقاً. أليست عشيرة الوحوش على ذات الشاكلة؟ على الأقل، في تقديري الآن، لا يوجد فرقٌ جوهريٌ بينهما على الإطلاق.
وقد أدى هذا الإدراك أيضاً إلى ومضة من الاستبصار لدى "وانغ تشان"، الذي كان يراقب بحذرٍ أي حيلة قد يلجأ إليها الثعبان العملاق، ولم يجرؤ على ولوج سحابة الغبار بتهور.
يبدو أن هذا ليس عيباً متأصلاً في جنس البشر وحدهم، بل هو داءٌ تُصاب به جميع الكائنات الذكية مع مرور الزمن؛ حيث يطالها نوعٌ من الانقسام والعلل التي لا يمكن الرجوع عنها أو تبديلها!