الفصل 1319: سبات؟
"هل لاحظتَ أيَّ تغييراتٍ في الشوارعِ هذه الأيام؟"
بينما كان ريتشارد يُردد في نفسه كلماتِ سورون الأخيرة، غمره مزيجٌ من الحيرة والفضول. وبعد تفكيرٍ وجيز، قرر الخروج من الفناء متوجهاً إلى الشارع.
كانت شوارع مدينة كاشا تبدو كعادتها، ولم يلحظ فيها اختلافاً كبيراً عما كانت عليه في السابق.
توافد العمالُ إلى مختلفِ أنحاء المدينة لمباشرة أعمالهم، فبعد أن انتهت عمليات ترميم مدينة كاشا منذ ما يزيد عن نصف شهر، لا تزال أعمالُ تحويلها جاريةً على قدمٍ وساق. كانت الخطة تهدف إلى تحويل كاشا تدريجياً إلى مدينةٍ عسكرية؛ فحتى وإن لم تبلغ مَناعة "قلعة صخرة الريف"، فلن يكون غزوها لقمةً سائغة كما كان في السابق.
وإلى جانب ذلك، كانت مجموعاتٌ من الجنود تُلِحُّ في دورياتها عبر الشوارع، ساهرةً على إنفاذ القانون والحفاظ على النظام.
منذ احتلال مدينة كاشا، شهد نظامها تحولاً جذرياً، متأرجحاً بين الاستقرار والفوضى. لم يجرؤ شعب "سيكا" القاطنُ في المدينة على مقاومة سيطرة التحالف علناً خوفاً من بأسهم، لكنهم انخرطوا سراً في أعمال تخريبٍ مستمرة؛ بعضها كان وليد اللحظة وعفوياً، بينما كان البعض الآخر مُحرَّضاً ومُوجَّهاً من قِبل جواسيس "سيكا".
فإن كان الأمرُ متعلقاً بالنوع الأول، فلا داعي للقلق، إذ لا تعدو كونها اضطراباتٍ طفيفة تكفي فرقةٌ من الجنود لقمعها. أما إذا كان الأمرُ يتعلق بالنوع الثاني، فهنا تكمن المعضلة الكبرى؛ إذ إن الجواسيس في الغالب مدربون تدريباً عالياً، ويُحسنون استهداف نقاط الضعف. وإذا لم يُتخذ الحذرُ الكافي، فقد تُسمم مواردُ المياه، أو يُفسد طعام الجيش. لذا، نشر التحالف قواتٍ ضخمة للحفاظ على الأمن داخل المدينة وفي ضواحيها، بحثاً عن أي تحركاتٍ مشبوهة.
كانت القوة الرئيسية المسؤولة عن النظام في البداية تتألف من وحدات الصف الأول القتالية، مما أثر على كفاءتها القتالية نوعاً ما. لاحقاً، وبسبب إصرار سورون على إيقاف الهجوم العسكري وإجراء عمليات إعادة تنظيم شاملة على مدار الشهر، بدأت وحدات الصف الثاني في تعزيز صفوفها تدريجياً واستكمال عمليات الإحلال والتبديل.
وعلى الرغم من أن القدرة القتالية لوحدات الصف الثاني كانت دون مستوى وحدات النخبة في الخطوط الأمامية، إلا أنها كانت تؤدي غرض الحفاظ على النظام بكفاءةٍ مماثلة.
في تلك اللحظة، رصدت عينا ريتشارد وحدةً جديدة من الصف الثاني تدخل المدينة متجهةً صوب الشمال، ويُرجَّح أنها في طريقها لتقديم تقاريرها.
كان تكوين هذه الوحدة القتالية مختلطاً؛ يقودهم رجلٌ ضخم الجثة، وتُعينه نائبةٌ ضئيلة الحجم، ويتبعهم عن كثب رجلٌ ذو ملامح جليدية وآخر عابس في منتصف العمر، وخلفهم صفوفٌ من الجنود بملامح عادية، بَدتْ عليهم علامات الضجر كما لو كانوا يمقتون نقلهم إلى هذا المكان.
راقب ريتشارد تلك الوحدة وهي تتلاشى في الأفق، ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى رأى وحدةً أخرى من الصف الثاني تمر من أمامه، حيث كان هناك ما يقرب من ألف جندي يدخلون المدينة على دفعاتٍ متقطعة.
كان التعزيز المستمر لوحدات الصف الثاني تغييراً ملموساً، لكن تأثيره على مدينة كاشا برمتها لم يكن بتلك الأهمية المتوقعة، وربما لم يكن هذا ما عناه سورون بحديثه... أطال ريتشارد النظر وهو يغرق في أفكاره... وهكذا ظل السؤال قائماً: ما الذي كان سورون يرمي إليه بالضبط؟
وبينما كان يتلفت حوله، أحسَّ بانخفاضٍ ملحوظ في درجات الحرارة، لكنه أرجع ذلك إلى دخول "شهر الصقيع" في أكتوبر، ولا علاقة له بأي أمرٍ مريب آخر.
بالتأكيد لم يكن سورون يلمح إلى أن الجليد سيكسو المكان في غضون أيام، أليس كذلك؟
هزَّ ريتشارد رأسه محاولاً طرد هذه الأفكار. وبعد تفكيرٍ دام دقائق دون العثور على أي خيطٍ يوصله للحقيقة، قرر ألا يهدر مزيداً من الوقت في التخمين.
فمهما كان الأمر، إن قُدِّر له الحدوث، فسيعلمه في نهاية المطاف. لا طائل من إشغال باله الآن، والأجدر به العودة إلى أبحاثه.
وبالحديث عن ذلك، فقد أحرزت أبحاثه خلال هذا الشهر في مدينة كاشا تقدماً سريعاً ومذهلاً، بفضل وقت الفراغ والدعم اللوجستي السخي من التحالف. لم تقتصر الإنجازات على "التماسك الاستثنائي" و"تأثير ربط عوامل قوة الدم"، بل إن فك شفرة "نصوص بالتا" والتحسينات التي أُدخلت على "فرن الطاقة من الجيل الثاني" قد أسفرت أيضاً عن نتائج مبهرة، ووصلت إلى مرحلة مُرضية للغاية، ولم يبقَ إلا جني ثمارها.
وإن سارت الأمورُ على ما يُرام دون عوائق، ففي غضون يومين، سيتحقق نجاحٌ مرحلي شامل، وحينها لن يكون الوقت قد فات لمعرفة كنه التغييرات التي أشار إليها سورون في الشارع.
بعد أن استقر عزمُه، عاد ريتشارد إلى الفناء ليجد "بي بي" تتجول دون هدى، فوجه إليها تعليماتٍ حازمة قائلاً: "خلال اليومين القادمين، سأكون غارقاً في العمل. كوني مهذبة ولا تفتعلي المشاكل. وسيكون من الرائع لو تكفلتِ بمراقبة الفناء ومنع أي شخص من إزعاجي دون سبب."
"بالتأكيد،" وافقت "بي بي" على الفور، ثم لمعت فكرةٌ في رأسها فسألت بجدية: "بما أن هذا يُعدُّ عملاً، فإن طلب مكافأةٍ بسيطة لن يكون شططاً، أليس كذلك؟ وكما اعتدنا، لا أريد مالاً، فقط بعض الطعام، اتفقنا؟"
"طالما أنكِ لن تثيري المتاعب، فلكِ أن تأكلي ما تشائين مما في المطبخ."
"اتفقنا، عهدٌ عليَّ،" أجابت "بي بي" بسرعة، وكأنها تخشى أن يرتد ريتشارد عن قوله.
قال ريتشارد وهو يبتعد: "إذن، أحسني رعاية المكان، سأشرع في عملي الآن."
هتفت "بي بي" من خلفه معلنةً عن عزمها: "لا تقلق، طالما أن بطني ممتلئة، فلن يجرؤ أحدٌ على تعكير صفوك."
"همم، ليس من الضروري أن تكوني بهذه القسوة. إذا استجدَّ أمرٌ عاجل، فعليكِ إخباري. وإن التبس عليكِ الأمر، فاذهبي واستشيري باندورا."
"حسناً، فُهم الأمر."
"جيد إذن."...
وسرعان ما أسدل الليلُ أستاره.
خارج أسوار مدينة كاشا، وفي قلب القفار، حيث تنتشر الصخورُ كأشلاءٍ مبعثرة.
وسط رياح الليل الباردة والعاصفة، انبعث ظلٌ أسود، رابضاً فوق صخرة، يرمق مدينة كاشا بنظراته، وكأنه يترقب وصول شخصٍ ما.
وبعد انتظارٍ طال دون أن يلوح الهدف في الأفق، تملَّل الظلُ الأسود وشعر بالحنق، فشدَّ على قبضته وتمتم لاعناً: "يا له من شخصٍ لا يُعتمد عليه!"
وبينما كان الظلُ يهمُّ بالرحيل، تراءى له رجلٌ يرتدي رداءً رمادياً، واقفاً في صمتٍ مطبق على مقربةٍ منه يراقبه، دون أن يُدرك متى حضر.
"أنتَ..." لم يستطع الظلُ الأسود إلا أن يهتف بذهول.
قال الرجلُ ذو الرداء الرمادي بنبرةٍ متهكمة: "ها، لا شك أنك تتساءل متى وطئت قدماي هذا المكان، أليس كذلك؟ في الواقع، أنا هنا منذ أمدٍ بعيد. وبعد وصولي، رغبتُ في اختبار حواسك، لأرى كم سيلزمك من الوقت لتشعر بوجودي. كنت أظن أن الأمر سيستغرق دقيقة، أو ثلاث دقائق على أقصى تقدير."
"لكن يبدو أنني أخطأتُ التقدير، فإدراكك أضعفُ بكثير مما خلتُ. لولا أن صبرك قد نفد، لكنتَ بقيتَ غافلاً عن وجودي حتى لو قضيتَ الليل بطوله في الانتظار."
احتقن وجهُ الظل الأسود، ولم يُدرِ أكان ذلك خجلاً أم حنقاً، أم مزيجاً منهما معاً.
فتح فاهُ متهياً لمساجلة الرجل ذي الرداء الرمادي، لكنه أدرك أن الجدال لن يورثه إلا خبالاً، ناهيك عن أن هذا الرجل سيبرعُ حتماً في لوي عنق الحديث وتغيير الموضوع.
لم يكن ليقع في الفخ، فقد كان يدرك تماماً مأربه من هذا اللقاء.
"هيه!" شخر الظلُ الأسود ببرود، ثم أردف قائلاً: "حسناً، ربما كان حسي ثقيلاً بعض الشيء، لكنه ليس بأثقل من وعودك."
"همم؟"
"لقد زعمتَ سابقاً أنك ستهيئ لنا فرصةً لقلب موازين الحرب في غضون أسبوع. وها قد انقضى أكثر من شهر ولم يتغير ساكن. هل يعني هذا أنه لولا تذكيري لك لمرَّ عامٌ كامل؟ إن لم يكن هذا تهاوناً وتكاسلاً، فهل هو سباتٌ شتوي؟"