الفصل 1310: معركة الشوارع
تُعد مدينة كاشا ثاني أكبر حواضر مملكة سيكا، وبفضل موقعها الاستراتيجي في قلب المملكة، حظيت بميزة جغرافية فريدة جعلتها حلقة وصل حيوية تربط بين مختلف أرجاء البلاد، مما صيرها مركزاً رئيساً للنقل وعصبًا لا غنى عنه في ازدهارها الحالي.
بيد أنه، وكما أن لكل عملة وجهين، فإن ازدهار مدينة كاشا يمثل وجهها المشرق، بينما يمثل ضعف تحصيناتها وجهها المظلم.
فهذه المدينة لم تُبنَ لتكون معقلاً عسكرياً كقلعة "ريف روك"، ولم تُجهز هندسياً لأغراض الدفاع والحروب؛ لذا، وفي مواجهة جيش زاحف، ظل سور المدينة هو الوسيلة الدفاعية الوحيدة المتاحة على نطاق واسع.
غير أن الدفاع عن السور كان أمراً بالغ الصعوبة.
ففي نهاية المطاف، يعج هذا العالم بفرسان سحريين يماثلون الحصون المتحركة، وبساحرات يمتلكن القدرة على التحليق في كبد السماء.
وهكذا، ودون إضاعة الكثير من الوقت، نجحت قوات التحالف في اختراق أسوار المدينة واقتحامها.
وبمجرد سقوط الأسوار، تحولت رقعة القتال إلى صراع مرير في الشوارع والأزقة.
كان هذا النوع من القتال مزعجاً ومنهكاً للطرفين.
إذ يكنّ شعب سيكا كراهية متجذرة للتحالف، لم تذلها ويلات هذه الحرب فحسب، بل أججتها النزاعات الحدودية المزمنة بين البلدين. لذا، ورغم فقدانهم للأسوار، استمات جنود سيكا المتبقون وفرسان سحرهم في المقاومة، مشعلين معارك ضارية مع قوات التحالف فوق كل شبر من أرض المدينة.
وفي المعارك التي دارت رحاها سابقاً، وبفضل الهجوم الكاسح للتحالف، تمكنوا من تحقيق النصر، ولكن بعد تكبد خسائر فادحة. علاوة على ذلك، انشغلت فئة كبيرة بمطاردة فلول قوات سيكا المندحرة، مما لم يترك سوى حفنة قليلة من الجنود لخوض غمار معارك الشوارع، الأمر الذي أدى إلى تباطؤ وتيرة التقدم في مراحلها الأولى.
ومع ذلك، وبالرغم من هذا التباطؤ، كانت كفة النصر تميل بثبات لصالح التحالف.
بحلول صباح الغد على أقصى تقدير، من المفترض أن تقع المدينة بالكامل تحت السيطرة... ظل ريتشارد يراقب سير القتال لبرهة، وبعد تقييمه للموقف، قرر عدم البقاء في ساحة المعركة لفترة أطول، واستدار عائداً نحو المعسكر المؤقت للتحالف.
لقد أنجز مهمته بالفعل، ولم يعد لبقائه أي طائل، فآثر العودة لاستكمال أبحاثه.
لم تؤتِ الفرضيات السابقة حول عامل قوة الدم المذهل والتماسك الاستثنائي ثمارها على الصعيد العملي، وهو ما خلف في نفسه نوعاً من الأسف، لذا توجب عليه العودة وإجراء تجربة محدودة كنوع من التعويض.
أما فيما يخص موضوع هذه التجربة، فقد وقع اختياره على "بي بي"... فإذا لم تخنه الذاكرة، فقد وعدته "بي بي" سابقاً بالعمل لحسابه... وفي الآونة الأخيرة، انغمست في اللعب طويلاً دون أن تنجز عملاً يذكر، لذا حان الوقت لتسديد ذلك الدين.
وبهذا الخاطر، ألقى ريتشارد نظرة أخيرة على مدينة كاشا التي تلتهمها نيران المعارك، ثم حلق عالياً في الأفق، مبتعداً عن ساحة الوغى.
وفي أزقة مدينة كاشا، استمرت الاشتباكات العنيفة.
ومع مرور الساعات، بات تفوق التحالف جلياً للعيان، حيث قضم جنوده مساحات شاسعة من المدينة. وفي نهاية المطاف، حوصر من تبقى من شعب سيكا في منطقة ضيقة لا تتجاوز ربع مساحة المدينة، لتكون هذه هي معركتهم الأخيرة والفاصلة.
حلّ الليل.
وداخل مدينة كاشا، وقف مبنى حجري مؤلف من طابقين، يميل بزاوية خطيرة وكأنه على وشك الانهيار، شامخاً بانكسار بجانب الطريق.
كانت هناك فجوة هائلة تمزق أحد جدران المبنى، تحيط بها شقوق عنكبوتية؛ كانت تلك بصمة واضحة لهجوم بسحر الأرض.
في تلك اللحظة، وفي زاوية مظلمة من ردهة الطابق الأول، كان هناك ظل أسود يلهث بأنفاس متقطعة وهو يغطي فمه، بينما يتصبب العرق غزيراً من جبينه. وبينما كان يرفع رأسه بين الفينة والأخرى، كانت ملامح الحزن واليأس ترتسم بوضوح على وجهه.
كان الظل الأسود يدرك تماماً المأزق الذي آل إليه؛ إنه وضع يكاد يكون ميؤوساً منه.
لقد أحكم حلف التحالف قبضته على المنطقة، ودفع بفرق من الجنود وفرسان السحر والحرس لتفتيش كل زاوية وخبأ. كان الصمود مستحيلاً بالنسبة له وللبقية من مقاومي سيكا، وبدا أن الاستسلام هو الخيار العقلاني الوحيد المتبقي.
بالطبع، كان بإمكانه محاولة الهروب في مغامرة يائسة، لكن السلامة لم تكن مضمونة أبداً.
فخارج أسوار كاشا، كانت هناك عمليات تطويق محكمة؛ إذ عاد جيش التحالف الذي طارد قوات سيكا المهزومة نهاراً، ليضرب طوقاً أمنياً أوسع وأكثر إحكاماً. ولأنه لم يتوقع هذا الحصار الخانق، أُصيب بجروح إثر محاولته الفاشلة للاختراق، واضطر للتراجع والاختباء هنا.
وبينما كان يغرق في أفكاره، لمس الظل الأسود جرحاً محروقاً في صدره الأيمن، فشعر وكأن خطاطيف ملتهبة تنبش في لحمه. اعتصر الألم قلبه فحبك حاجبيه، واستحال تعبير وجهه إلى يأس مطبق.
لكنه سرعان ما التفت إلى جانبه الأيسر، فاستعاد عزمه من جديد.
كان هناك صندوق خشبي مربع ملقى على الأرض عن يساره، يحوي بداخله شيئاً ثميناً. ولو فُتح ذلك الصندوق، لرأى المرء رأساً بشرياً؛ إنه رأس "الجنرال لونغ ديستيد"، القائد الأعلى لجيوش مملكة سيكا.
هذا الجنرال العجوز، الذي اشتعل رأسه شيباً، هو من وضع كافة الخطط الحربية، ورغم عدم مشاركته في القتال الميداني المباشر، فقد ظل داخل المدينة ليكون خط الدفاع الأخير. وعندما انكسرت المعركة الميدانية واخترق جيش التحالف الدفاعات، أبى الجنرال العجوز الانسحاب، وقاد ما تبقى من حامية المدينة في حرب شوارع ضروس ضد الغزاة.
بفضل قيادته وحنكته، كانت المعارك الأولى في الشوارع مستعرة للغاية، ولم يحرز التحالف إلا تقدماً طفيفاً. لكن الرياح لم تأتِ بما تشتهيه السفن، إذ سرعان ما كشف التحالف موقعه، ونصبوا له كميناً محكماً أسفر عن إصابته بجروح بالغة أدنته من حياض الموت.
لم يسمح رجاله بأن يقع حياً في أيدي القوات المعادية، وبعد دفع ثمن باهظ من الأرواح، استعادوا جسده، وتنفيذاً لوصيته الأخيرة، قطعوا رأسه ليُحفظ في هذا الصندوق، محاولين تهريبه خارج المدينة لدفنه بكرامة ومنع التحالف من الظفر به. فلو عرض التحالف هذا الرأس كغنيمة، لألحق ذلك ضرراً جسيماً بمعنويات قوات مملكة سيكا التي تقاتل في جبهات أخرى.
وبهذه الأفكار، استجمع الظل الأسود أنفاسه، وهمس للصندوق الخشبي بمرارة: "أيها الجنرال لونغ ديستيد، كلاب التحالف تحرس المداخل والمخارج بشدة، وإن تحقيق أمنيتك الأخيرة بات أمراً في غاية المشقة".
"لكنني لن أستسلم بهذه البساطة. سأواصل البحث عن ثغرة في حصارهم... أقسم، ما دام في العمر بقية وبصيص من أمل، سأخرجك من هذا الجحيم."
"لكن، إن ضاقت السبل واستحال الخروج، فلا تلمني على ما سأفعل؛ سأستخدم سحر النار لأحرق رأسك تماماً، وسحر التنبؤ لأمحو كل أثر باقٍ، لكي أمنع أولئك الكلاب من استغلالك. أرجوك، سامحني!"
وبعد أن أنهى نجواه، نهض الظل الأسود بخطى متثاقلة وهو يحمل الصندوق الخشبي.
وما إن استقام واقفاً حتى ارتجف جسده، إذ استشعر اقتراب شخص ما بسرعة من مخبئه، فأدار رأسه بحدة نحو الباب.
"حفيف!"
وفي اللحظة التالية، اندفعت سحابة من الضباب الأصفر الكثيف.
اتسعت عينا الظل الأسود رعباً، ورفع يده بينما انبعثت شرارة نارية من راحة كفه، متهيئاً للهجوم.
لكن الضباب الأصفر اقترب دون هوادة، واجتاح جسد الظل الأسود بسرعة البرق.
تصلبت أطرافه في مكانها، وانطفأت النيران في يده كأنما نفخت فيها ريح، ليجد نفسه مخبراً ومشلولة حركته قبل أن ينهار ساقطاً على الأرض.
سقط الصندوق الخشبي من يده، لكنه لم يرتطم بالأرض، إذ برزت يد من وسط الضباب الأصفر لتلتقطه بخفة. ثم انكمشت سحابة الضباب وتلاشت، مفسحة المجال لرجل يرتدي رداءً رمادياً.
سار الرجل ذو الرداء الرمادي بوقار، وهو يقبض على الصندوق الذي يحوي الرأس، واتجه نحو الظل الأسود الملقى أرضاً، ثم هز رأسه وقال بنبرة لا تخلو من عتاب: "يجب أن أقول... إنك حقاً مخيب للآمال!"
"إنه أنت!" صرخ الظل الأسود، وقد أدرك هوية الرجل ذي الرداء الرمادي بمجرد أن استعاد بعضاً من قدرته على النطق، فانتفض واقفاً وهو يزفر غضباً: "هل نحن من خيبنا أملك؟ في الواقع، أنت من خدعنا وغدر بنا، أليس كذلك؟"