الفصل 1269: الفصل 1267: شيا
يوليو، شهر النيران المتأججة.
على الطريق الممتد خارج العاصمة الجنوبية "شيا"، التابعة لتحالف "سوما"، كان ريتشارد يتقدم نحو تلك المدينة التي طالما لهجت الألسن بالثناء عليها.
وعندما اقترب منها لمسافة بضعة أميال، بدت له ملامح المدينة جلية واضحة.
في تلك اللحظة، اعتلت عيني ريتشارد نظرةُ دهشة، لم تكن نابعة من ازدهارها -فقد سبق له أن رأى على كوكب الأرض مدناً كبرى تتجاوز آفاق هذا العصر- بل كانت دهشته من بؤس حالها.
لم يكن يتوقع أبداً أن يبدو المكان الذي يُلقب بـ "مدينة المجد" و"المدينة الذهبية" أكثر تهالكاً وإهمالاً من "فارو"، تلك المدينة التي تُصنف من الدرجة الثانية.
كانت أسوار المدينة الحصينة عظيمةً بحق، كأنها سلسلة جبال لا تنتهي تمتد في الأفق، بارتفاعها وسماكتها اللذين يكفيان لغرس اليأس في قلوب أعتى الجيوش التقليدية. حتى أن بعض المتدربين السحريين وفرسان السحر ذوي الأنماط الثلاثة لا يملكون القدرة على تسلقها عنوة، وحدهم السحرة كانوا القادرين على تجاهل مثل هذه العوائق.
ومع ذلك، وبالنظر إلى جنود الدوريات المرابطين فوق الأسوار، والفرسان السحريين الذين يتأبطون رماحاً سحرية منقوشة، فضلاً عن الأقواس الميكانيكية الضخمة، فإن حتى السحرة لا يجرؤون على تحدي هيبة المدينة علانية؛ فهذا هو مقر إقامة إمبراطور التحالف.
ولكن، وبصرف النظر عن تلك الأسوار، فإن ما تبقى من مشاهد في "شيا" يجعل المرء يعقد حاجبيه لا إرادياً.
إذ تتبدى للناظر أكواخ خشبية متهالكة، بُنيت بلا نظام خارج أسوار المدينة على بُعد نحو مئتي متر، وهي متناثرة في بقع وصفوف عشوائية. وتغطي الأرض المحيطة بها أكوام من النفايات ومياه الصرف، مما جعل الظروف الصحية فيها متردية للغاية، بل هي أسوأ من حال بعض القرى النائية.
وداخل تلك الأكواخ، يعيش خليط من البشر: الصالح والطالح، الرجال والنساء، الأطفال والشيوخ، الباعة واللصوص...
القاسم المشترك الوحيد بينهم هو فقرهم المدقع، الذي لم يترك لهم خياراً سوى العيش هنا.
لكن، وبالمقارنة مع الفقراء في الأماكن الأخرى، تجد في عيونهم جميعاً نفحة من الكبرياء، وكأن مجرد امتلاك موطئ قدم خارج أسوار "شيا" يمنحهم وجاهة تفوق وجاهة أثرياء الأرياف، حتى وإن بلغ بهم الفقر مبلغاً يمنعهم من سد رمقهم.
وينظر بعض الشباب إلى قلب "شيا" بطموح جامح، وكأن مجرد دخول هذه المدينة والحصول على حق الإقامة فيها هو ذروة النجاح ومبتغى الآمال.
سار ريتشارد على طول الطريق، عابراً تلك الأحياء الفقيرة الشاسعة حيث يقطن هؤلاء الناس، وشعر بخلجات نفوسهم، ثم دلف إلى المدينة بتمهل.
داخل المدينة، وبالمقارنة مع خارجها، كان الوضع أفضل حالاً بوضوح؛ فعلى الأقل غابت الأحياء العشوائية، وبدا أن المباني قد صُممت وفق تخطيط معين، ولم يُسمح بوجود أي بناء شاذ يكسر الرتابة.
ومع ذلك، لم تكن تلك المباني توحي برخاء استثنائي؛ فمعظمها مبانٍ حجرية عادية مكونة من طابقين، وبعضها مجرد منازل من طابق واحد.
والأرض ليست مرصوفة بالحجارة، وبما أن الوقت صيف وقد هطل المطر قبل أمد قريب، فقد كانت آثار عجلات العربات غائرة في الطين الجاف. والسطح مغطى بغبار أصفر شاحب، لا تلبث نسمة هواء خفيفة أن تثيره حتى يغدو الأفق ملبداً بالعجاج.
يسير المشاة وسط الغبار وقد بدا عليهم الاعتياد، يحمل بعضهم سلالاً، ويتوقفون تارة على جانب الطريق للمساومة على أسعار البضائع التي يعرضها الباعة المتجولون.
يبيع هؤلاء الباعة في الشوارع الحاجيات اليومية والفواكه والخضراوات بشكل رئيسي. وفي كشك يبعد عشرات الأمتار، تكدست الخضراوات بكثافة؛ وبنظرة سريعة، يرى المرء فجلاً كبيراً، وآخر صغيراً، وفجلاً طويلاً، وآخر قصيراً، وفجلاً أبيض، وآخر أصفر... أوه، ذاك جزر، وباختصار، كانت هناك شتى صنوف الفجل.
هل لأن هذا الموسم هو أوان حصاد الفجل؟ ألقى ريتشارد نظرة عابرة، ثم أشاح بوجهه، وواصل سيره وسط صخب الحياة وعبقها الطاغي.
وبعد مسير عدة أميال، ظهر سور جديد للمدينة، كان أكثر روعة وحراسته أكثر تشدداً.
وعند ولوج بوابة هذا السور الجديد، تغير المشهد تغيراً جذرياً.
كانت الأرض في البداية مرصوفة بحجارة ملساء، ثم اتسعت الطرق اتساعاً كبيراً. وعلى جانبي الشوارع التي يبلغ عرضها عشرة أمتار، اختفى الباعة المتجولون، وحلت محلهم محلات تجارية رسمية. كانت المباني الحجرية متراصة، ومعظمها يتألف من ثلاثة طوابق، وقليل منها يرتفع إلى أربعة أو خمسة.
وبين الحين والآخر، تظهر مسارح وحمامات عامة وأماكن ترفيهية أخرى، تعج بالرواد عند مداخلها، مما يمنحها مظهر الحواضر الكبرى.
ومع ذلك، فإن هذا الازدهار كان بالكاد يضاهي ازدهار مدينة "فارو"، ولم يتجاوزه إلا قليلاً، مما جعل من الصعب العثور على المبررات الكافية لإفراط الناس في مدح هذه المدينة.
زمّ ريتشارد شفتيه وواصل التقدم، وبعد بضعة أميال أخرى، لاح له سور المدينة الثالث، كان أسود بالكامل، بلا فواصل، كأنه قطعة واحدة من الحديد المصبوب.
وعند تجاوزه السور الثالث، استقبله صخب حقيقي يضج بالحياة.
رأى مبانٍ حجرية شامخة كالأشجار في غابة كثيفة، كل منها أطول وأفخم مما سبقها. بدت الساحات والحدائق والنوافير والمنحوتات كأنها قطع حلي زينية، وُزعت بعناية على جانبي الطرق وفي نهاياتها. كانت المباني الشاهقة تغطي الأفق، والمسارح والحمامات العامة منتشرة في كل زاوية، وتصطف الحانات والفنادق الفاخرة على طول الشوارع.
وكانت أبراج الساعة المتباعدة هي أبرز المعالم، بطلعتها الطويلة والنحيلة كأنها مراود شامخة تقف بزهو بين الركام العمراني.
"دونغ!"
دوى صوت جرس نحاسي من أعلى أحد الأبراج، ولم يمض وقت طويل حتى رنت الأجراس في كافة أبراج المدينة، معلنةً للناس دقات الساعة.
وبينما كان ريتشارد يصيخ السمع لصداها، محاطاً بمظاهر الترف، داهمته لحظة استبصار.
يبدو أن "شيا" مزدهرة حقاً، ولكن ليس كل جزء منها ينعم بهذا الرخاء.
إذا نظرنا للأمر بمنظور عصري، فإن الأحياء الفقيرة خارج الأسوار ما هي إلا الضواحي المهمشة التي تقع خارج الدائرة الثالثة للمدينة. أما داخل المدينة، وضمن الدائرة الثالثة، فيبدأ المشهد في التحسن تدريجياً.
وبالتوغل أكثر والدخول إلى نطاق الدائرة الثانية، تصبح المدينة شبيهة بالحواضر الكبرى المعتادة.
أما عند بلوغ مركز المدينة، فتتجلى ثروة "شيا" الحقيقية بكل بهائها.
هذه المدينة شاسعة لدرجة أنها قُسمت إلى مناطق متفاوتة في الرقي. ومن زاوية معينة، يلحظ المرء توسعها المستمر؛ وربما حين يبلغ هذا التوسع مداه، ستتطور الأجزاء الخارجية بمرور الزمن لتصبح متجانسة مع قلب المدينة أو مثل المدن المتطورة كـ "فارو".
غرق ريتشارد في هذه الأفكار، وبعد أن رنت الأجراس إحدى عشرة مرة ثم سكنت، نفض عنه شروده.
ثم انتابه شعور مريب، فأدار رأسه ليرى رجلاً في منتصف العمر يرتدي رداءً أبيض يقترب بتمهل، ولما لاحظ نظرة ريتشارد، أومأ برأسه محيياً بوقار، ثم تابع سيره حتى اختفى في الأفق.
شعر ريتشارد بدهشة طفيفة وهو يراقبه، والسبب لم يكن سوى استشعاره لتموجات الطاقة السحرية المنبعثة من الرجل، والتي تشي بأنه ساحر من المستوى الثاني.
ساحر من المستوى الثاني هكذا ببساطة؟
وفور ذلك، استشعر وجوداً آخر من جهة مختلفة؛ كان متدرباً يرتدي رداءً رمادياً يمر مسرعاً.
وبينما كان يجيل بصره حوله، بدأ يحصي المزيد من هؤلاء في مجال رؤيته.
في الخلف، دلف ساحر من المستوى الأول إلى متجر مجوهرات يسوم أثمانها. وفي الأمام، خرج ساحر آخر من المستوى الأول من إحدى الحانات. وفي مكان أبعد، كان ساحر من المستوى الثاني، ترافقه فتاة متدربة، يشير إلى المتاجر المصطفة على طول الشارع.
"تا تا تا..."
توالى وقع أقدام منتظمة، ومرت مجموعة تضم أكثر من عشرة أشخاص يرتدون زياً موحداً، يبدو أنهم ينتمون لجمعية أو منظمة ما. كان كل واحد منهم يشع بطاقة سحرية، وكلهم كانوا سحرة، وليسوا من الضعفاء، فأدنى رتبة بينهم كانت لسحرة من المستوى الأول ذوي شأن عظيم. والأدهى من ذلك، أن قائدهم كان يتمتع بقوة سحرية تضاهي المستوى الثالث.
يضم قلب مدينة "شيا" عدداً مهولاً من السحرة؛ ورغم أنه لا يمكن القول بأن "السحرة فيها كغثاء السيل"، إلا أنه يمكن الجزم بأنهم "شائعون بكثرة المارة في الطرقات".
في ظل هذا الوضع، يندر أن تجد أحمق يجرؤ على إثارة القلاقل، فلا أحد يدري متى سيصطدم بساحر جبار قد ينهي أمره في طرفة عين.
"مدينة السحرة..." تمتم ريتشارد لنفسه، مستذكراً اللقب الآخر لـ "شيا".
ثم هز رأسه قليلاً، وانعطف عند زاوية الشارع، وسار قاصداً وجهة محددة، وهي الغاية الأساسية من رحلته الحالية إلى "شيا"....