الفصل الثالث والتسعون: الفصل السابع والخمسون: مشروبٌ جريء
خفت حدة الضجيج في الكولوسيوم سريعاً مع حلول المساء ، وبحلول الساعة التاسعة ليلاً كان معظم الحضور قد غادروا عائدين إلى ديارهم ، إذ تتوقف شبكة السكك الحديدية عن العمل في العاشرة.
خطا الأربعة نحو الساحة الممتدة خلف الاستاد ، حيث تتسع المدينة ببهوٍ تصطف فيه الأعمدة على جانبي الممرات ، وتتراقص الرايات فوق الرؤوس ، وتنتصب التماثيل كأنها آلهة متجمدة ؛ تماثيل ضخمة نُحتت من حجر شاحب ، حُفر اسمٌ عند قاعدة كلٍ منها بعمق.
تباطأ كيران في مشيته أولاً ، فتبعه الآخرون دون تفكير. وفي المركز ، انتصب التمثال الأكبر بينهم جميعاً.
رجلٌ يغرس سيفه في الأرض ورأسه للأسفل ، ويده تستقر فوق مقبضه. لم تكن وقفته تنمُّ عن كبرياء أو عدوانية ، بل كانت وقفة هادئة ، يملؤها اليقين. اعتلى جبينه إكليلٌ من الغار المنحوت لم يكن يرتديه كغنيمة انتصار ، بل كعبءٍ تقبله منذ أمدٍ بعيد.
آدم ، أول أبطال "بطولة الحق ".
تمتم بروك "منذ خمسين عاماً ، وما زال واقفاً كأنه انتصر بالأمس فقط ".
أمال تاناكا رأسه وقال "إنه لا يبدو سعيداً ".
لاحظ روي ذلك أيضاً ؛ فملامح آدم لم تكن ملامح منتصر لم يكن هناك ابتسامة عريضة ولا غطرسة مجمّدة في الحجر ، بل مجرد… إدراك. كأنه كان يعلم يقيناً الثمن الذي سيُكلفه الفوز.
قال كيران بصوت خافت "الفائز الأول الذي وضع المعايير ".
شبك روي ذراعيه وقال "اختيارٌ غريب للاسم ".
رمش بروك بعينيه "ماذا ؟ "
تابع روي "آدم. أول رجل ، أول فائز ، أول من تُوج بالأقوى " ثم رمق عيني التمثال بنظرة خاطفة وأضاف "الأساطير تتشابه ، وإن اختلفت الروايات ".
عقد تاناكا حاجبيه "أتعتقد أن ذلك كان مقصوداً ؟ "
أجاب روي "بالطبع ، فالناس يعشقون الأنماط ؛ فهي تجعل العالم يبدو مرتباً ومخططاً له بدلاً من كونه محض صدفة ".
حدق كيران في التمثال للحظة إضافية "إن كان هو الأول ، فكل من أتى بعده لم يكن سوى ملاحقٍ لفكرة ".
قال بروك "أجل ، والأرجح أن نصفهم تحطموا وهم يحاولون ".
زفر روي بضيق من أنفه "سواءً أكان الإله هو من خلق آدم ، أم البطولة هي من صنعت آدم ، في نهاية المطاف ، لا يملك الأول أبداً حرية الاختيار ، أليس كذلك ؟ "
ساد صمتٌ قصير ، ثم صفق بروك بيديه قائلاً "حسناً! لنؤجل الأزمات الفلسفية لما بعد ، لقد حجز كيران مكانه في نصف النهائي ".
أومأ تاناكا بحماس "مشروبات! "
وافق كيران "مشروبات ".
ابتسم روي ابتسامة جانبية "لا داعي للقول أكثر ".
لكن بينما كانوا يتجهون نحو الحانة كان هناك شيءٌ يشغل بال روي ، بل شخصٌ ما. التفت حوله أثناء سيرهم ليرى إن كانت موجودة ، لكنها لم تكن هناك.
كانت الحانة مكتظة ، صاخبة ، وتفوح منها روائح العرق والكحول والنصر ؛ المكان الذي وُجد فقط ليحتفي بالناجين.
جلسوا عند البار الأمامي وطلبوا مشروباتهم ؛ "توت النجوم " المتوهج باللون الأزرق مع لمعة بيضاء خافتة ، وتجرعوها في آنٍ واحد.
وفي تلك اللحظة ، حدث ما حدث.
مرت امرأة من خلفهم بخطوات وئيدة وواثقة ، بجسدٍ بدت أجزاء منه منتفخة قليلاً كبالون ، وكل ما يمكن قوله إنه كان خاطفاً للأنظار.
ومع ذلك كان فيه شيء من السحر الغامض.
رغم محاولتهم صرف أنظارهم كان لجسدها حقلٌ مغناطيسي يجذب أعين الجميع نحوها.
ودون أن تُنطق كلمة واحدة ، تراجع الأربعة للخلف في اللحظة نفسها.
كانت حركة متناغمة بدقة متناهية ؛ مالت أعناقهم بينما كانت عيونهم تلاحق كل حركة. ساد صمتٌ مهيب للحظات حتى تلاشت من أمامهم.
ثم عادوا جميعاً للجلوس باستقامة ولم يتحدث أحد. و نظر الثلاثة نحو روي الذي طلب مشروباً آخر وتجرعه.
أشار روي بحركة مثالية بيده ، فأومأ الجميع له وتجرعوا مشروباً آخر في الوقت ذاته.
كسر روي الصمت قائلاً "كان هذا مثيراً للشفقة ".
أومأ بروك "بالتأكيد ".
تنهد تاناكا "لا أشعر بالندم على شيء ".
تنحنح كيران وأخذ مشروباً آخر.
هز روي رأسه ثم توقف فجأة ؛ فقد وقعت عيناه على شخصٍ ما في الحانة.
كان طويل القامة ، شعره الأشقر مربوطٌ بارتخاء إلى الخلف ، ومعطفه ملقى على الكرسي بلا مبالاة. جلس بوقفة مألوفة ، يملؤها الاسترخاء الذي لا يأتي إلا لمن يدرك أن أحداً في المكان لا يشكل تهديداً له.
إنه لوسيان.
نهض روي وقال "سأعود بعد قليل ".
لاحظ لوسيان اقترابه قبل أن يصل حتى إلى البار.
قال لوسيان دون أن يلتفت "لم أتوقع رؤيتك هنا ".
انزلق روي على الكرسي بجانبه "حسناً ، الفكرة طرحت للتو في ثوانٍ معدودة ".
ابتسم لوسيان ابتسامة ساخرة وهو يرفع كأسه "لقد قاتل صديقك بشكل جيد ".
"لقد قاتل بشكل جيد حقاً ، أليس كذلك ؟ "
أجاب لوسيان بهدوء "نعم ، وهذا ما يهم عادةً ".
نظر روي إلى الكأس "هل تحتفل أم تحاول التأقلم ؟ "
فكر لوسيان قليلاً ثم قال "أحتفل ".
سخر روي "أنت سيء للغاية في التظاهر بأنك لا تهتم ".
نظر إليه لوسيان أخيراً "وأنت سيء للغاية في التظاهر بأنك تهتم ".
تقاسما صمتاً قصيراً مفعماً بالفهم. ومن الجهة الأخرى من الحانة ، صرخ بروك بشيء غير مفهوم يتضمن اسم كيران ومشروبات مجانية.
التفت روي للخلف ، ثم أعاد نظره إلى لوسيان "هل تندم يوماً على دفع المال لي كي أخسر أمامك ؟ "
تريث لوسيان قليلاً قبل الإجابة ، ثم أومأ برأسه "أعتقد أنني أندم على دفع تلك العشرة آلاف لك الآن وأنا أفكر في الأمر ".
ابتسم روي ابتسامة باهتة "جيد ".
في مكانٍ ما خلفهم ، انفجر ضحكٌ عالٍ.
كان الليل ما زال في أوله ، ولم يدرك أيٌ منهم بعد..
فجأة ، اهتز هاتف كيران بعنف ؛ أخرجه ببطء ليرى اسم أخته الكبرى ، سحب الشاشة للرد ووضع الهاتف على أذنه.
ارتسمت على وجهه علامات الحيرة ، وقال في دهشة "تريدين مقابلة روي ؟ "