Switch Mode
تم اطلاق التطبيق على متجر بلاي للاختبار 14 يوم لمن يرغب في الانضمام الى الاختبار ليتمكن من تحميل التطبيق إرسال الايميل الخاص به الى الادمن

ديون لا نهاية لها 822

عملية الإنقاذ الكبرى من داخل القصة


الفصل 822: الفصل 271: عملية الإنقاذ الكبرى من داخل القصة

كان إيوين رجلاً مسناً، لكنه كان لا يزال يحمل في طياته شغف الشباب. ومع ذلك، كان هذا الشغف بالنسبة لإيوين أشبه بتحذير قادم من أعماق روحه أكثر منه مجرد اعتراف. وبعد سنوات من الزهد والتقشف، رأى أخيراً ملهمته المقدسة، وفي تلك اللحظة، أطلق العنان لكل المشاعر التي كبتها في سويداء قلبه لسنوات طويلة.

اشتعلت تلك المشاعر المتراكمة على مر السنين كالألعاب النارية المتفجرة، فدبت الحرارة في جسد إيوين البارد مرة أخرى، وبدت دماؤه الراكدة وكأنها تغلي، مستعيدةً عافيتها من جديد.

عاد ربيع العمر ليغشى إيوين مرة أخرى، وشعر براحة غير مسبوقة، كما لو أن روحه على وشك مفارقة جسده والتحليق عالياً نحو جنات الخلد.

ضحك بفرح، وكان صوته أجشاً متهدجاً، كما لو أن حفنة من الحصى قد علقت في حلقه، محاكياً صوت حاكي الأسطوانات القديم (الجراموفون) وهو يصدح بالغناء.

"ملهمتي..."

خارج المكتبة الكبرى، كانت شياطين لا حصر لها تزمجر وتعوي بشراسة، بينما كان الصيادون يلوحون بسيوفهم ليحصدوا الأرواح. التهم الظلام كل جنبات المكان بضراوة، وكان الواقع المشوه والمتحطم على وشك إبادة كل شيء.

وفي عشية فناء العالم، عاين إيوين جمالاً حقيقياً كاد يجعله يذرف الدموع.

وضعت الملهمة يد إيوين على صدرها، فلامست بشرته بشرتها، وسرت موجات من الدفء في جسده المنهك، وكأنه يقف أمام موقد متأجج في ليلة قريرة. تسرب ذلك الدفء إلى نخاع عظامه، فتمنى إيوين لو أن الزمان يتوقف عند تلك اللحظة، لتصبح أبداً سرمدياً.

"هل ترغب في الرحيل معي؟"

اقتربت الملهمة فجأة من إيوين كأنها تهمّ بتقبيله، فلامست أنفاسها الدافئة الممزوجة بنفحة من الشهد وجنة إيوين.

لم يُجب إيوين، ولم يرتسم على وجهه أي تعبير، بل كانت نظراته غائرة في محجريه العميقتين، كأنهما بئران مظلمتان تؤديان إلى الهاوية.

"ألا تزال متردداً؟"

لم تلحّ الملهمة في طلبها، فهي على عكس "أسموديوس" الذي كان يتجسد فيه الشر الخالص، كانت تفيض إنسانية وكأنها شمس دافئة.

"حياة النبلاء شاقة يا إيوين، وعليك أن تنال قسطاً من الراحة."

"بالفعل،" أومأ إيوين موافقاً، "إن كَون المرء نبيلاً هو أمر مرهق حقاً."

"لكنه، برغم التعب، أمر رائع أيضاً،" لم يشك إيوين في هذا قط، "جسدي ثقيل كالصخر، لكن قلبي خفيف كالريشة."

داعب إيوين كف الملهمة برفق، كأنه ضرير يحاول استكشاف كنه الأشياء عن طريق اللمس؛ فكان يشعر بالحرارة تحت الجلد، ويدرك التجاعيد الدقيقة بين المسام، ويتحسس نعومة الأظافر وليونة الكف...

ثم سحب إيوين يده من على صدر الملهمة، ورغم تردده في مفارقة ذلك الدفء، إلا أنه فعل ذلك بحزم لا يلين.

بدت على الملهمة لمحة من الدهشة، لكنها لم تبالغ في رد فعلها، بل حافظت على ابتسامتها المعهودة. وفي تلك اللحظة، بدت وكأنها شمس مشرقة كادت أن تُنسي إيوين طبيعتها الشيطانية.

"أسترحل؟" سألت الملهمة، "إن رحلت الآن، فلن تراني ثانية."

قال إيوين: "لقاء واحد يكفي."

"أيكفيك هذا ليرضيك؟"

"لا... لست راضياً بأي حال،" قالها وقد هدأت مشاعره الثائرة، بينما وضع يديه على الآلة الكاتبة ليواصل نسج خيوط قصته، "لكنني أشعر بالسكينة فحسب."

"بالسكينة؟"

ظنت الملهمة أنها أساءت الفهم، "لقد بذلت الغالي والنفيس، وقدمت تضحيات جساماً، وكل ذلك فقط من أجل... راحة البال؟"

حتى هي لم تستطع سبر أغوار أفكار إيوين في تلك اللحظة. بدا وكأنه متسلق جبال، بعد أن جابه أهوالاً ومخاطر لا تُحصى، ألقى نظرة خاطفة على القمة الشاهقة المكللة بالثلوج والتي تلامس عنان السماء، ثم أدار ظهره ومضى.

"أنا رجل عنيد."

نقر إيوين على المفاتيح متابعاً: "هذا العناد يؤرقني كمرض عضال وكأنه لعنة تطاردني. وأدركت أنه فقط من خلال رؤيتها مرة أخرى، يمكنني أن أتصالح مع نفسي وأدع السكينة تحل في روحي."

"لقد حققت ذلك الآن. لقد جعلتها تقرأ القصة التي سطرتها، وأطلعتها على إنجازات وحياة ذلك الرجل التعيس الذي أنقذته منذ سنوات خلت."

لقد رآها مجدداً، وشعر بدفئها... ولم يعد هناك متسع للندم.

ثنى إيوين أصابعه، ولا يزال أثر الدفء عالقاً بها، وقال: "أحياناً، لا ينبغي عليك التشبث بكل شيء بقوة... فالطيور لا تُحبس في الأكف."

اعتصر الملهمة شعور لم تألفه من قبل. فقد كانت رفيعة القدر، وكانت معشوقة إيوين التي بلغ حبه لها الآفاق بعد أن شهدت رحلته الطويلة والمضنية في البحث عنها. ولكن، قبل أن يبلغ إيوين مأربه النهائي، بدا فجأة وكأنه يراها بلا قيمة تذكر.

أوقفت حركة الآلة الكاتبة، مقاطعةً عمل إيوين، وارتسم على وجهها الرقيق حزن يفتت الصخر، ثم سألت في حيرة وانكسار:

"لماذا يا إيوين؟"

كانت هذه المرأة تمثل إلهام الشاعر، وكانت الشيطانة القادرة على كل شيء، والمشيئة المطلقة التي صاغت حياة إيوين برمتها. ورغم قوتها وعظمتها الطاغية، شعرت في تلك اللحظة بهزيمة نكراء لا توصف؛ لأنه مهما أوتيت من سبل، فلن تستطيع ثني إيوين عن قراره. ومهما أغدقت عليه من وعود، فلن تجعله يتوقف ولو لبرهة.

كانت أشبه بإله يمشي على ثرى الأرض، ومع ذلك، عجزت عن نيل مودة بشرية صادقة - رغم أن هذا البشر كان يكنّ لها مشاعر جياشة تفيض عشقاً.

وللحظة، بدت الملهمة وكأنها أدركت شيئاً، فسألت:

"ألأن الأمر يفتقر إلى الواقعية بما يكفي؟"

دوى صوت تحطم هائل، حيث انهار باب المكتبة الكبير الواهن في تلك اللحظة. سحقت قطع الطوب المتساقطة صفوفاً من رفوف الكتب، وتناثرت الشظايا الحجرية المغطاة بالرماد الدقيق، محدثةً طقطقة متواصلة وهي تهوي، لكن لم تصب أي واحدة منها إيوين.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط