الفصل 1035: جنون مالاكور
«أأحدكم نعت حفيدي بالكلب ؟»
دويٌّ هائل!
انطلقت هالةٌ من الدرجة السابعة في ذروتها لتغمر الحاضرين جميعاً كانت نية القتل المنبعثة من هذا الرجل ثقيلةً لدرجة أن الخدم أُغمي عليهم في التو واللحظة ؛ إذ لم يطيقوا وطأة ضغط هالة قتله التي حبست أنفاسهم.
أما من هم دون الدرجة الخامسة فقد كانوا بالكاد يقاومون ذلك الشعور. ولو أراد ذلك العجوز إفقادهم وعيهم ، لما كلفه الأمر سوى زيادة حدة نية القتل لديه. حيث كان الأمر بالنسبة لهم كأن جبلاً بأكمله قد انطبق على رئاتهم ، مما جعل التنفس ضرباً من ضروب المستحيل.
التفتت الرؤوس جميعها نحو المدخل ، وفي اللحظة ذاتها ، وبمجرد رؤية ذلك القادم ، تبدلت تعابير الكثيرين ، وبدأ البعض يتراجع ببطء محاولاً الاختباء خلف ظهور النبلاء الآخرين. وراح بعضهم يمسح عرق الجبين بتوتر ، بينما أغلق آخرون أعينهم بيأس ، موقنين بأن نهايتهم قد دنت بسبب ما تفوهوا به من إهانات بحق أديتيا.
عند المدخل كانت مجموعة صغيرة يقودها عجوزٌ يتوكأ على عصا خشبية. ثبت العجوز نظراته الباردة على شخص واحد فقط: صوفيا.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تغيرت ملامح صوفيا ؛ وظهرت آثار الذعر في عينيها الباردتين. فلو وُجدت ورقة رابحة لا يمكن التنبؤ بها في هذه الإمبراطورية بأسرها ، فهي بلا شك هذا العجوز.
كان يُطلق على هذا العجوز لقب "التنين الجامح " لسببٍ وجيه. فمنذ دهرٍ طويل كان أحد تلاميذ طائفة "فرسان الليل " يكنّ مشاعر جارفة لابنة العجوز التي كانت يحبها بكل جوارحه.
وعندما عجز ذلك التلميذ عن تقبل الرفض المتكرر من والدة أديتيا ، حاول تشويه سمعتها ببث الأكاذيب في الأوساط الاجتماعية. ولم يكد يمضي يومٌ واحد حتى وصل الأمر إلى مسامع العجوز ، فهبّ مسرعاً إلى طائفة "فرسان الليل ".
في تلك الليلة التي تلون فيها القمر بالدم ، أطاح العجوز وحده برؤوس ثلاثة من كبار الشيوخ الذين حاولوا اعتراضه ، إلى جانب مئات من نخبة تلاميذ الطائفة ، ثم اقتاد ذلك التلميذ واختفى به.
وفي اليوم التالي ، عند مدخل طائفة "فرسان الليل " تحديداً ، عُلق جسدٌ بشريٌ على صليب ، وقد سُلخ جلده بالكامل لكنه ظل حياً بقدرة قادر. ومهما صرخ وتوسل لينهي أحدٌ معاناته لم يجرؤ أحد على التقدم. حتى زعيم الطائفة من الجيل الأول لم يجرؤ على التدخل لإنقاذ تلميذه.
وزيادةً في التنكيل ، أرسل هارينغتون خيرة رجاله لمراقبة التلميذ ؛ ليس ليمنع أحداً من إنقاذه أو قتله ، بل ليضمن ألا يتوقف ذلك المسكين عن الصراخ أو التوسل. فكلما اقترب من الموت كان يُجبر على تجرع جرعات الشفاء ، وكلما ساد الصمت ، رُشت على جسده المفتوح خلطة من الملح ومسحوق الحكة ومسحوق الفلفل الحار. حيث كان مشهداً مروعاً لم ينسه الناس حتى يومنا هذا.
ولم تكن تلك نهاية عذابه.
لقد اضطربت صوفيا ، وهي شيخة الطائفة الحالية ، مما رأته لدرجة أنها لم تستطع التركيز في التدريب لمدة خمسة عشر شهراً تلت تلك الحادثة.
وبعد ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ من العذاب ، أجهز هارينغتون بنفسه على التلميذ. حيث كانت تلك الحادثة دليلاً دامغاً على مدى جموح هارينغتون ؛ فلقد كان شيطاناً في هيئة تنين.
«لماذا هو هنا ؟» تساءلت صوفيا في سرها.
لحظة وقع بصرها على العجوز الذي لم يتبدل مظهره رغم مرور كل تلك السنين لم تستطع منع نفسها من تذكر مشهد هارينغتون وهو يضع الديدان بيده على جسد التلميذ المسلوخ.
حتى في ذلك الوقت كانت الطائفة والإمبراطورية حليفتين مقربتين ، وحتى عندما توسلت الطائفة للإمبراطور ليوقف هارينغتون لم يستطع بوريس نفسه فعل شيء. و لقد بلغ الجنون بالعجوز مبلغاً أفقدته رشده ، لدرجة أنه هدد الإمبراطور بالحرب إذا حاول التدخل.
هارينغتون هو الشخص الوحيد الذي يمكنه تهديد بوريس في وجهه دون أن يواجه أدنى عاقبة.
لقد كانت الأضرار التي ألحقها هارينغتون بطائفة "فرسان الليل " قبل آلاف السنين جسيمة للغاية ، لدرجة أن الطائفة لم تتعافَ منها قط ، وظلت سمعتها ملوثة إلى الأبد. فالمئات من التلاميذ الموهوبين الذين ماتوا في ذلك اليوم لو بقوا على قيد الحياة ، لكانوا اليوم ركائز الطائفة ومستقبلها.
كان هارينغتون قوةً منفردة لا يروضها أحد. ونقطة ضعفه الوحيدة هي عائلته ؛ فبمجرد أن يجرؤ أحدهم على المساس بهم ، يفقد ذلك الشيطان المجنون رشده ويطلق العنان لجانبه الشيطاني على كل من سولت له نفسه إيذاءهم.
أما الشيخ فيكتور الذي كان يرمق كل من يعارض الإمبراطور بنظرات باردة وقاسية ، فقد انكمش في الحال بمجرد دخول هارينغتون.
مالاكور هارينغتون ، ذلك هو اسم الشيطان في جلد تنين الذي وقف كحارسٍ وحيد وزعيمٍ لا يُنازع لعائلة هارينغتون وفصيلها.
لم يكن العجوز في مزاج يسمح له بتقديم واجب العزاء. و لقد جاء بنية تكريم الجنرال الراحل برفقة عدد من دوقيات فصيله ، لكن لحظة سماعه شخصاً يطلق لسانه بالسوء على حفيده المفقود الذي كان يبحث عنه باستماتة ، فقد هارينغتون صوابه تماماً.
لقد كان معجزة بحد ذاته أن هارينغتون لم ينفذ تهديده ويقتل تلك الشمطاء التي نعتت حفيده بالكلب.
«أتحداكم جميعاً... حاولوا إيذاء حفيدي».
«باسم ملك التنانين أقسم بهذا: إذا تجرأ أحدكم مجرد التفكير في مد يده إليه ، أو نطق بكلمة واحدة غير لائقة بحق أصغر أفراد عائلة هارينغتون... فإن فصيل هارينغتون بأكمله سيتعقب ذلك الشخص».
«ولن نتوقف».
«لن يكون هناك مفر... لا اختباء... ولا رحمة».
«لا لكم... ولا لعائلاتكم... ولا لأي شخص يقف في صفكم».
«إذا حضر حفيدي إلى هنا اليوم ، فاستمعوا جيداً...»
«سنخوض حرباً ضد كل من يقف في طريقه».
«أي شخص».
«حتى لو كان الإمبراطور نفسه».
«وعندما يحدث ذلك... لن يكون هناك تراجع».
«لأني سأضمن... أن يخرج حفيدي من هنا حياً».
«وإن وجدناه قبل ذلك...»
«فسنحضره إلى القارة الرئيسية بأيدينا».
«إنه حفيدي».
«وهو جزء من هذه العائلة».
«ولا أحد... لا أحد يمس فرداً من هذه العائلة ويظل حياً».
في اللحظة التي نطق فيها مالاكور بهذه الكلمات ، بدا الأمر وكأن السماء نفسها قد ارتجفت. و لقد بلغ مالاكور من الجنون حداً جعله يعلن الحرب على الإمبراطور إن قرر الأخير فعل أي شيء لحفيده.
دويٌّ هائل!
في الوقت ذاته ، بدأت أمطار غزيرة تهطل في الخارج.
كان الجميع ، بمن فيهم صوفيا ، في حالة صدمة عارمة.
«ما زال مجنوناً كما كان من قبل» ، هذا ما فكر به الجميع وهم يحدقون في هارينغتون ، غير قادرين على تحريك أي جزء من أجسادهم رهبةً واحتراماً لهذا العجوز.
«لم أتوقع مجيئه اليوم» ، لو كانت تعلم ، لما ظهرت هنا. حتى صوفيا ، زعيمة الطائفة كانت تهابه.
«أظنه أكثر جنوناً الآن مما كان في الماضي».
«إن كل دوق في فصيله لا يبدي حتى أدنى اعتراض على كلماته. و لقد أصبح ما قاله مالاكور هو الحكم النهائي لفصيل هارينغتون بأكمله» ، فكر فيكتور بنظرات يملؤها الإحباط والذعر. حيث كان محبطاً وفي الوقت ذاته خائفاً من أن يثور هذا العجوز فجأة ، فيواجه مصيراً أسوأ من ذلك التلميذ الذي سُلخ وعُلّق لثلاثة أيام وثلاث ليالٍ.
«هذا يؤذن رسمياً ببدء الحرب الأهلية» ، فكر أحد الدوقيات الذي قرر التزام الحياد في هذا الأمر.
«كيف توقف مجنوناً لا يمكن لأي شيء إيقافه ؟» كان الدوق فرديناند أحد أولئك الذين ارتسمت على وجوههم ابتسامة ، لأنه وهارينغتون كانا في الصف ذاته.
حتى الإمبراطور بوريس ، الرجل الذي حكم الإمبراطورية بقبضة من حديد ، الرجل الذي كان بإمكانه جعل أمم بأكملها تركع بأمر واحد لم يستطع إيقاف جنون هارينغتون في ذلك اليوم منذ آلاف السنين. وهذا وحده كان يغني عن كل قول. فإذا كان بوريس نفسه لم يستطع لجمه آنذاك ، فمن ذا الذي سيوقفه الآن ؟
والآن ، أصبح الأمر أسوأ. لم يعد يتعلق الأمر بالكرامة أو السلطة ، بل بحياة حفيده. ومع وجود حفيده في خطر لم يعد هارينغتون غاضباً فحسب ؛ بل أصبح متهوراً لا يحد جنونه حد ، لا سبيل لإقناعه ، لا تفاوض ، ولا طريقة لردعه.
وحتى لو أُبيدت عائلة هارينغتون بأكملها... حتى لو مات آخر فردٍ فيها...
فإنهم لن يستسلموا.
ليس حتى الرمق الأخير.
لأن الولاء لسلالتهم ليس مجرد معتقد بالنسبة لهم ، بل هو شيء محفور في جوهر وجودهم ذاته.
----------------
أشكركم جميعاً من كل قلبي على دعمكم بالتذاكر الذهبية والهدايا القيمة ، أتمنى أن نستمر على هذا المنوال!!!