Switch Mode

فنٌّ الإلتهام المقفر 1459

المجال المغنطيسي


الفصل 1459 - المجال المغناطيسي

اتخذت كل طائفة من تجارتها الركينة قواماً لوجودها، وقد شيّد "قصر التنانين التسعة" صرح مكانته السامقة بفضل الأعشاب الروحية وحدها، فما بلغوا هذه المنزلة إلا باتخاذهم من تلك التجارة ظهيراً وسنداً.

وفي واقع الأمر، فقد ظلّ "عالم الخيزران النيلي" بمثابة سلسلة صناعية ضخمة تمتد جذورها لملايين السنين. وإذا ما رغبت "جمعية الطريق السماوي" في موطئ قدمٍ داخل هذا النظام المتجذر، فلن يتسنى لها ذلك إلا عبر تنسيقٍ وثيق مع سائر الطوائف.

أجاب "ليو ووشي" بابتسامةٍ وادعة، وقد اكتست نبرته مسحةً من المداعبة المقصودة: "ليس استنقاذ تلك الأعشاب الروحية بضربٍ من المحال، بيد أن الأمر يستلزم جهداً وبراعة".

أدرك سيد "قصر التنانين التسعة" بفراسته أن "ليو ووشي" يرمي من وراء ذلك إلى بسط نفوذه والحصول على كلمةٍ مسموعة لدى القصر. ومع ذلك، فقد استمرت معضلة الأعشاب الروحية شهوراً طوالاً، بذل خلالها القصرُ الغالي والنفيس وجرب سبلاً لا تُحصى لإدراك الحل، ولكن دون جدوى تُذكر.

واصلت الأعشاب ذواءها، بل وعمدوا إلى التكتم على الخبر وضربوا حوله حصاراً من السرية؛ خشية أن يستشري الذعر في الأرجاء. وعلى مدار الأشهر المنصرمة، ما فتئت الطوائف المختلفة تلحّ عليهم في طلب حصصها من الأعشاب الروحية، غير أن "قصر التنانين التسعة" كان يكابد غصصاً مكتومة؛ فالمسألة لم تكن نكوصاً عن العهد أو رفضاً للشحن، بل كانت افتقاراً لمنتجٍ صالحٍ للإرسال.

لقد نضبت القوى العلاجية في تلك الأعشاب الذابلة حتى غدت قاب قوسين أو أدنى من الموات، ولو قُدّر لها أن تُشحن في حالتها تلك، لما أسفر الأمر إلا عن نازلةٍ كبرى تقوض سمعتهم.

تنهد سيد القصر قائلاً: "إذا ما استطاع السيد الشاب ليو انتشال تلك الأعشاب من وهدتها، فسيكون بوسعنا حينها التبحر في آفاق تعاوننا". وفي أسوأ الفروض، سيمكنه تعويض الطوائف الأخرى لاحقاً، أما الآن، فإن إنقاذ تلك الثروة هو الشغل الشاغل والغاية القصوى لـ "قصر التنانين التسعة".

عقّب "ليو ووشي" قائلاً: "بات بوسعي الآن أن أثلج صدري بهذه الوعود. هلا اصطحبتني إلى حديقة الأعشاب؟". لم يضع أي شروطٍ مسبقة، بل آثر التعويل على خُلق سيد القصر، إيماناً منه بأن سيد طائفةٍ بهذا الجلال لن يُخلف وعداً قطعه على نفسه.

قال سيد القصر وهو يستدير ليقود ضيفه إلى خارج الردهة الرئيسية: "تفضل، أيها السيد الشاب". وانطلقا معاً، يخرقان حجب الفضاء مخلفين وراءهما عالم الخيزران النيلي.

وباستثناء مقره الحصين، كانت معظم حيازات "قصر التنانين التسعة" منبثةً في كواكب شتى. ولم يتكلفوا عناء الاستعانة بمصفوفات الانتقال الآني؛ إذ كان بمقدور خبيرٍ في رتبة "شبه الخالد" أن يطوي الفضاء طياً، فما هي إلا ربع ساعة حتى استقر بهم المقام في كوكبٍ آخر.

كان لهذا الكوكب سمات راسخة ومهابة مستقرة، تكسو الأعشاب الروحية شطر سطحه. وكان حرياً بهذا العالم أن يفيض بالنضارة والحيوية، غير أن الهواء كان مثقلاً بوشاحٍ رقيق من هالة التحلل والفساد.

قاد سيد القصر "ليو ووشي" صوب مجمعٍ فسيح، حيث ضربت تشكيلات روحية منيعة نطاقاً حول حديقة الأعشاب، تذود عنها العوام وتمنع الدخول إلا لذوي الشأن. وكان غلمان الأعشاب يغدون ويروحون بين الحقول، عاكفين على ري النباتات الروحية وتعهدها بالعناية.

بدت الأعشاب في القلب من الحديقة وقد نال منها الذبول نيلاً شديداً، وبدأ الداء يستشري في الأطراف كالنار في الهشيم، يفتك بالنباتات المجاورة. وجلس ثلاثة من الشيوخ وسط تلك البقعة الذاوية، يرسلون التنهدات تلو التنهدات وهم يتفرسون في الأعشاب المحتضرة، وقد غرقوا في كآبتهم حتى ذهلوا عن وصول سيد القصر في بادئ الأمر.

ولما استشعر الشيوخ الثلاثة الموكل إليهم أمر الحديقة اقترابه، هبوا واقفين على عجل وانحنوا إجلالاً: "يا سيد القصر، ما الذي أتى بك إلى هذا الموضع؟".

وسرعان ما وقعت أبصارهم على "ليو ووشي" واقفاً خلف سيد القصر، فتقطبت جباههم دفعة واحدة؛ إذ لم يستوعب أيّ منهم مأرب سيد القصر من إقحام غريبٍ إلى حياض الحديقة، فهي تُعدّ في عرفهم "أرضاً محرمة" لا تطأها قدمُ أجنبي، بل إن شيوخ الطائفة أنفسهم كانوا يضطرون لرفع الطلبات التماساً لزيارتها. وكان الخدم المختصون يقطنون الحديقة آناء الليل وأطراف النهار، لا يبرحونها أبداً؛ صوناً لأسرارها من التفشي.

قال سيد القصر وهو يقدم ليو إلى الثلاثة: "هذا هو السيد الشاب ليو، وأحسب أن صيته قد بلغ مسامعكم".

علم "ليو ووشي" من رفيقه أن هؤلاء لم يكونوا شيوخاً عاديين، بل كانوا من أساطين الطائفة ودهاتها؛ فالشيخ الذي يتوسطهم هو "دينغ يوان"، وعن يساره "تشانغ وو"، وعن يمينه "شي آن". وإلى جانب هذا الحقل، كانوا يديرون حقولاً أخرى، وقد تخصصوا في فنون الزراعة الروحية حتى بلغت مداركهم فيها شأواً بعيداً، وحظوا في نفوس أهل القصر بمكانةٍ جعلت سيد القصر نفسه يخصهم بالتقدير.

"ليو ووشي!".. لم تكن بهم حاجة للاستفهام، فقد تيقنوا من هويته للتو.

انحنى "ليو ووشي" بأدبٍ جمٍّ وتواضعٍ لا تشوبه شائبة: "تحية طيبة لكم، أيها الشيوخ الأفاضل".

سأل "تشانغ وو" وعيناه ترمقان "ليو" بحذرٍ واستريبة: "يا سيد القصر، ما الداعي لإحضار السيد الشاب ليو إلى هاهنا؟". لزم "دينغ يوان" و"شي آن" الصمت، غير أن الشك كان يبرق في مآقيهما، عاجزين عن سبر أغوار نية سيد القصر.

قال سيد القصر بلهجةٍ لا تقبل الجدل: "يا سيد ليو، ألقِ نظرة فاحصة على هذه الأعشاب"، ولم يزد على ذلك حرفاً، فمن حقه كربٍّ لهذا القصر ممارسة سلطاته المطلقة.

أومأ "ليو ووشي" موافقاً: "على الرحب والسعة"، ثم أطرق ببصره يتأمل الأعشاب تحت قدميه. كان هذا الحقل مخصصاً لزراعة نوعين رئيسين: "عشبة العلندى الروحية" و"كرمة النضرة الدائمة"، وهما ركنان أساسيان في تصنيع "حبوب الروح" ويدخلان في ثنايا تركيبات دوائية شتى.

تناول "ليو" برفقٍ ساقةً من "عشبة العلندى الروحية" وفحصها ملياً؛ وهي عشبة غريبة الأطوار ذات سبع ورقات تكتسي عادةً بلونٍ أصفر وهاج، ومنه اشتق اسمها. بيد أن أوراق الساق التي بين يديه قد استحالت إلى لونٍ أرجواني مريب، وظهرت عليها أمارات الشحوب الجلي. وعلى الرغم من أن الجذمور والساق بدا للعين سليماً، إلا أنه تفتت وتلاشى بمجرد ملامسة أنامله له.

لقد نفدت الخصائص الاستشفائية من العشبة تماماً، ولو اجترأ القصر على طرحها في الأسواق بهذا الحال، لأورثوا أنفسهم سخطاً شعبياً عارماً لا قبل لهم به.

أعاد "ليو" العشبة إلى تربتها وتناول ساقةً من "كرمة النضرة الدائمة"، فإذا بها قد جردت من قوتها هي الأخرى.

سأل سيد القصر بلهفة: "هل استبان لك شيء أيها السيد الشاب؟". فقد فحص هو نفسه هذه الأعشاب مراراً، ورغم قوته التي تضاهي أنصاف الخالدين، لم يهتدِ لسبيل. وما استقدم "ليو" إلا على رجاء أن يصنع هذا الشاب معجزةً في هذا الظرف العصيب.

سخر "تشانغ وو" بنبرةٍ تقطر ازدراءً: "يا سيد القصر، أتتخذنا هزواً؟ لقد عكفنا على دراسة هذه الأعشاب لشهور وما وجدنا إلى الحل سبيلاً، فكيف لغلامٍ مثله أن يدرك ما استعصى علينا؟". لم يسبّ ليو علانية، لكن لسان حاله كان يغني عن لسان مقالِه. فبالنسبة له، "ليو" ليس إلا حَدثاً غرّاً، فكيف يطمع أن يبزّهم عِلماً بخفايا الأعشاب؟ إنْ عجز الجهابذةُ أمثالهم، فمن المحال أن يفلح هذا الفتى.

واستطرد "شي آن" مؤيداً، وعينه على كتمان ما جرى: "قول الشيخ تشانغ هو عين الصواب. هذه منطقة محظورة، ومن الحكمة أن ينصرف السيد الشاب ليو الآن".

ومضت في عيني "تشانغ وو" نبرة من الشر المستطير، وكأنه يضمر في نفسه نية "إسكات" ليو إن لزم الأمر للحفاظ على السر.

نهض "ليو ووشي" وعلى ثغره ابتسامة رقيقة: "يا شيخ تشانغ، أراك تخشى أن أماط اللثام عن السر الكامن هنا؟". فقد استشعر عداء الرجل منذ اللحظة الأولى، ولم يجد له تبريراً منطقياً؛ فلو كان الهمّ مجرد كتمان الأسرار، لكفى أن يُستحلف يميناً غليظة. والسر الذي عناه "ليو" لم يكن مكان الحديقة، بل العلة الحقيقية وراء هذا الموات.

رد "تشانغ وو" بسخريةٍ باردة: "لطالما تناهى إلى مسامعي أنك ذرب اللسان، وقد صدقت الشائعات حين رأيتك. هذه حِمى القصر، فهل نلامُ إن طلبنا منك الرحيل وأنت داخلٌ بغير دعوة منا؟".

أجابه "ليو": "إن سيد القصر نفسه لم يذدني عن المكان، بينما انبريت أنت لتسخر مني مرة بعد أخرى. ألا تقيم وزناً لصاحب الدار وسيدها؟". وتصاعد التوتر في الأجواء حتى كاد يلمس باليد.

ظل سيد القصر يراقب المشهد بصمت، محاولاً فك طلاسمه، فقد ساوره الشك قديماً بوجود خائنٍ رفيع المنزلة في عرينه، لكن الدلائل كانت تنقصه، وقد أشرق في نفسه بصيص أملٍ مع وصول "ليو".

صاح "تشانغ وو" وهو يرتجف من الغيظ: "ليو ووشي! إنك تهذي بكلماتٍ لا خطام لها ولا زمام!".

تدخل سيد القصر بحزم: "كفى، لنضع حداً لهذا الجدال. أنا من استدعى السيد الشاب، وما عليكم إلا شدّ أزره والتعاون معه". لم يجد "تشانغ وو" بداً من كبت غيظه، فلم يجرؤ على مشاقة سيد القصر علانية، ونهج "شي آن" و"دينغ يوان" نهجه في الصمت.

لوح "تشانغ وو" بأكمامه وتنحى جانباً وهو يتمتم متهكماً: "سنرى كيف ستجر أذيال الخيبة إن عجزت عن تشخيص العلة".

انحنى "ليو" مجدداً وتناول حفنة من التراب الذي استحال تربةً روحية خصبة بفضل سقياها الدائم بالطاقة الروحية السائلة، ثم رفعها إلى أنفه يستنشق عبيرها.

قال "دينغ يوان": "يا سيد ليو، لقد قلبنا هذه التربة ظهراً لبطن وفحصناها مراراً، ولم نجد بها عيباً". لقد استقصوا كل احتمال: من السوائل الروحية إلى الشتلات، علماً بأن هذه الأعشاب زُرعت منذ مئة عام، ولم تظهر الآفة إلا مع حلول موسم الححصاد الجاري. والحقول المجاورة التي تضم أعشاباً فتية لم تتأثر بذات الضراوة التي نالت من الأعشاب المعمرة، وكما حدس ليو، كانت الأعشاب المئوية هي "المريض الأول" الذي نقل الوباء لما حوله.

انتصب "ليو" قائماً وقال بثقة: "لا ريب أن التربة والسوائل بريئتان من هذه العلة، ولكن ثمة أمراً جللاً غفلتم عنه جميعاً".

سأل الشيوخ الثلاثة في صوتٍ واحد، وقد تملكتهم الحيرة: "وما عساه أن يكون؟". فقد فتشوا عن كل شيء، حتى خيل إليهم وجود "ديدان الآكال" التي تقتات على الأرواح، لكن حواسهم الإلهية المرهفة لم ترصد حتى هباءةً غريبة.

ارتقب سيد القصر قول "ليو" بعينين يملؤهما البريق؛ فلو صدق قوله، لصار ليو وليّ النعمة على قصر التنانين، إذ إن الأزمة لم تكن مقتصرة على هذا الكوكب فحسب.

قال ليو ووشي بكلمتين موجزتين: "المجال المغناطيسي".

وقع جوابه عليهم وقع الصاعقة، وبدت الحيرة على وجه سيد القصر نفسه، إذ كانت تلك المرة الأولى التي يطرق مسامعهم فيها أن للمجالات المغناطيسية يداً في نمو النبات الروحاني.

استفهم "دينغ يوان": "ماذا تعني بهذا المصطلح، أيها السيد الشاب؟". لم يكن الرجل يحمل ضغينة لليو، بل كاد يسجد له شكراً لو وضع حداً لهذا الكابوس الذي يقض مضاجعهم، فالمسؤولية ثقيلة على عواتقهم جميعاً.

أوضح ليو: "المجالات المغناطيسية هي كينونة غامضة ومستترة؛ لا تُرى بالعين، لكن أثرها حاضرٌ لا يغيب. فعلى سبيل المثال، حيثما تشتد طاقة 'اليانغ'، تتراكم طاقة 'اليين' بالضرورة في الزوايا الغامضة، مشكلةً قطبين متناقضين".

واستطرد: "هذه هي طبيعة المجال المغناطيسي؛ فاليانغ المتطرف يلد اليين، والضدّ بالضدّ يُذكر".

عقّب "دينغ يوان" مقطباً حاجبيه: "كقولنا إن ترياق السم يوجد دوماً على مقربةٍ من الحية السامة؟". وبناءً على شرح "ليو"، يبدو أن الأمر يندرج تحت هذا المبدأ الكوني.

أومأ "ليو" برأسه: "يمكنك قول ذلك. إن مفهوم المجالات المغناطيسية بحرٌ واسع لا تفي الكلمات بحقه في مجالس كهذه، ولكن الأولوية الآن هي في إيقاف هذا النزيف ومنع الأعشاب من الهلاك المحتوم".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط