كأنَّه نمرٌ ضارٍ انقضَّ من قمة جبلٍ ، هجم على "لين بيتشين ".
خُيّل للحضور ، سواءً كان "الأخ نمر " أو "هوو يونغتاو " أنهم أُسقط في أيديهم من هول المفاجأة ؛ فقد كانت سرعة العجوز وقوته فوق ما يتوقعه البشر.
همس "الأخ نمر " من جانبه "هذا مرعبٌ للغاية! قد يكون "لين بيتشين " مهيباً ، لكنني أخشى ألا يكون نداً لهذا العجوز... ".
وعلى الرغم من أن "هوو يونغتاو " كان يعلم عن قدرات "لين بيتشين " أكثر بكثير مما يعلمه "الأخ نمر " إلا أنه شعر بضيقٍ وريبة في هذه اللحظة ، فحدّث نفسه "إن هُزم "لين بيتشين " على يد ذلك العجوز ، فقد وضعتُ رهاني على الحصان الخاسر ، وكيف لي أن أحفظ ماء وجهي بعد ذلك ؟ بل إن العواقب التي ستلي ذلك قد تكون فوق احتمالي ".
كان "هوو يونغتاو " يزن الأمور في صمت ؛ فهو داهيةٌ مراوغ ، يعلم يقيناً أن قدرات "لين بيتشين " استثنائية ، وأنه -أي "هوو "- ليس نداً له بحالٍ من الأحوال. ومع ذلك كان هذا أقصى ما يمكنه الجزم به ؛ فصدقاً لم يكن بوسعه تحديد من منهما الأقوى. لذا آثر "هوو يونغتاو " الهدوء ، ووقف يرقب المشهد دون أدنى تدخل ، فقد حسم أمره بأن عليه ألا يغضب أياً من الطرفين مهما كلفه الأمر.
ولكن سرعان ما اتسعت عيناه ذهولاً ، حين أدرك أنه قد استهان بالموقف ؛ فقد كانت ضربات العجوز تبدو في ظاهرها عاتيةً لا تُقهر إلا أن "لين بيتشين " بدا وكأنه يتقن "خطوات التموج " متفادياً الضربات برشاقةٍ مذهلة. لم تكن هجمات العجوز تلامس جسد "لين بيتشين " قط ، إذ راح يتفادى يمنةً ويسرة ، وكلما سدد العجوز ضربةً خاب مسعاه.
تملّك العجبُ من العجوز ، وتسلل الشك إلى قلبه "كيف لهذا أن يحدث ؟ هل نمت قدرة "لين بيتشين " إلى هذا الحد ؟ أيعقل أنني لست نداً له ؟ ".
لم يصدق العجوز نفسه ، فقد ظن أن "لين بيتشين " مجرد صبي ، فكيف له أن يمتلك هذه القوة ؟ وكيف صار التعامل معه بهذا العسر ؟ تملكه إحباطٌ غامض أعقبته ثورة غضب "أهذه هي الهوة بيني وبين هذا الغلام ؟ ".
ومع اضطرابه ، بدأت ضرباته تتباطأ ، وخطواته تضطرب. حيث كان "لين بيتشين " يرقب ذلك كله ، فلم يملك إلا أن يقهقه ساخراً "أيها العجوز ، قوتك مثيرةٌ للإعجاب حقاً ، لكنك متغطرسٌ وطمّاع ، لذا فقد كُتب عليك الخسران في هذا النزال ".
وما إن أتم كلماته حتى ومض "لين بيتشين " أمام العجوز ، ورفع ساقه ليوجه ركلةً حاسمة. حاول العجوز التملص ، لكن فات الأوان ؛ إذ انطلقت ساق "لين بيتشين " كالبرق ، مخترقةً دفاعات العجوز الذي أطلق صرخةً مفجعة ، وقذف بالدماء من فمه ، ثم طار جسده ليسقط صريعاً على الأرض ، فاقداً للوعي.
وهكذا انتهى النزال.
أما المرأة التي كانت بجانبهما فقد كانت أكثر ذهولاً ، فقد ظنت بادئ الأمر أن العجوز قادرٌ على الصمود أمام "لين بيتشين " أو حتى قمعه ، لترد بذلك بعضاً من اعتبارها. و لكنها لم تتوقع أبداً أن يهزم "لين بيتشين " حارسها الذي كان تعتبره كجبل "تاي " في رسوخه. وعلاوة على ذلك كان القتال بأسره دليلاً على تفاوت القوى ؛ فبينما كان العجوز يهاجم باستماتة دون أن يلامس ثوب "لين بيتشين " أنهى الأخير النزال بضربةٍ عرضية. و لقد كان التفاوت في القوى واضحاً للعيان.
ارتجفت "هوو شيان " بجسدها كله ، وهي تحسب خطواتها القادمة في سرها. و في هذه الأثناء ، جاهد العجوز لينهض ، وهجم مرةً أخرى على "لين بيتشين ".
قال له "لين بيتشين " "لقد خلخلتُ أنفاسك الداخلية ، والآن حتى وإن هاجمتَ باستماتة ، فكل ذلك عبثٌ ومحاولةٌ أخيرة يائسة ".
صفعه "لين بيتشين " بيده ، فطار العجوز في الهواء كورقةٍ في مهب العاصفة ، وبدا كطائرةٍ ورقية انقطع خيطها ، فارتطم رأسه بالجدار وانهالت الدماء منه فوراً. و نظر إليه "لين بيتشين " وهز رأسه بأسى "عذراً ، لقد حسمتُ النزال ".
أطلق العجوز ضحكةً مريرة وقال لـ "لين بيتشين " "حقاً ، لقد خسرت. قوتك مرعبةٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى. و لقد عشت طويلاً ، وما رأيت قط شاباً في مقتبل العمر يمتلك مثل هذا المِران العظيم. يا للحسرة ، يا للحسرة! ".
تنهد العجوز بعمق ، ثم التفت إلى "هوو شيان " والدموع تنحدر على وجهه "أعتذر أيتها الآنسة لم أستطع هزيمته وجلبت لكِ العار ".
عند سماع هذه الكلمات ، تنهدت "هوو شيان " بعمق ولم تنبس ببنت شفة ، بل ردت برفق "لا عليك أيها الشيخ ، فالهزيمة والنصر سجال ، ويكفيني فخراً أنك بذلت هذا الجهد من أجلي ".
تابعت قائلة "تفضل بالانسحاب ، وسأتولى أنا بقية الأمر. أشكرك على ما قدمته اليوم ، وحين نعود ، سأعوضك بخمسمئة ألف دولار ، وسأتكفل بكامل نفقات علاجك مستقبلاً ".
كانت كلمات "هوو شيان " الرقيقة والمواسيّة قد خففت قليلاً عن العجوز الذي كان يشعر بالحرج والخزي. ضم يديه باحترام وقال "شكراً لك أيتها الآنسة ، لن أنسى معروفك هذا ما حييت ".
وقف العجوز أمام "هوو شيان " ووجه بصره نحو "لين بيتشين " قائلاً "يا "لين بيتشين " إن قوتك تفوق قوتي بمراحل ، وأنا أقر بذلك بإعجاب. و لكنني لن أسمح لك بإيذاء الآنسة ؛ فإن أردت ذلك فما عليك إلا أن تعبر فوق جثتي! ".
زأر العجوز في وجه "لين بيتشين " إلا أن الأخير انفجر ضاحكاً وهو ينظر إليه بسخرية "أيها الشيخ ، إنك تسيء تقديري. هل يبدو "لين بيتشين " من النوع الذي يؤذي هذه الآنسة ؟ نحن لا نحمل ضغينةً لبعضنا البعض ، فلمَ قد أقدم على فعلٍ كهذا ؟ ".
حين سمع العجوز كلمات "لين بيتشين " أُسقط في يده قليلاً ، لكنه سرعان ما أدرك مقصده.