أراد أحدهم الاعتراض على هذا الترتيب، لكن نظرةً حازمة من لين بيتشين ألجمته.
"في نهاية المطاف، 'ترينش' هو قائد مرتزقة محترف، ومن المؤكد أنه سيبلي بلاءً حسناً يفوق أداءك."
وأردف قائلاً: "علاوة على ذلك، نحن لا نقدم خدمات الإنقاذ بالمجان، فالمعروف لا يُبذل في غير أهله."
بعد أن ألقى لين بيتشين كلماته تلك، التفت إلى الدكتور "شو" قائلاً: "لم أقصد الإساءة إليك." فحرك الدكتور "شو" شفتيه قليلاً إيماءً منه بالتفهم.
بعد ذلك، أخرج لين بيتشين ورقة تعويذة وفرشاة من حيث لا يدري أحد، وشرع في رسم طلسماً لتتبع موقع قائد الفريق.
وبمجرد فراغه من صنع التميمة، صاح بصوت خفيض: "أرشديني إلى أي من الخاطفين المشاركين في اختطاف الدكتور 'شو' ممن لم ألتقِ بهم بعد!"
ارتفعت التميمة في الهواء، واهتزت مرتين، ثم انطلقت طائرة في اتجاه معين. انطلق لين بيتشين مسرعاً في أثرها برفقة شيا لوياو و"ترينش"، بينما اتبع "النسر الطائر" والآخرون تعليمات لين بيتشين للالتقاء بـ"بارني".
وأثناء عملية التتبع، لم يستطع لين بيتشين كبح تنهيدة خرجت من أعماقه، متمنياً ألا تكون الأمور على قدر التعقيد الذي يتخيله. وفي تلك الأثناء، كانت شيا لوياو تهمس في سرها: "بالتأكيد لن أقع في غرامه.."
فجأةً، دوّى صوت طلقة نارية كسر صمت الغابة، لكن شيا لوياو كانت على أهبة الاستعداد، فتدحرجت بخفة لتتفادى الرصاصة، وصاحت برشاقة: "مكمنكم هذا مكشوف للغاية، ولا أحتاج حتى لبذل مجهود لأكتشف استراتيجيتكم المباغتة!"
لكنّ المُتربص الكامن فوق الشجرة أطلق ناره مجدداً، فانحنت شيا لوياو برأسها بصعوبة لتتفادى كارثة محققة. سحب لين بيتشين مسدسه بهدوء للرد، وقضى بسرعة على المُتربص المختبئ بين الأدغال، لكنّ العدوّ الذي فوق الشجرة أفلت بذكاء. هنا تغيّرت ملامح لين بيتشين تماماً، مُدركاً أنّ هذه المهمة ليست بالنزهة التي تخيّلها.
بدت علامات الحيرة على وجهي "ترينش" وشيا لوياو، فأوضح لين بيتشين قائلاً: "سير المهمة بهذه السلاسة المفرطة وغياب الكمائن طوال الطريق هو ما يثير ريبتي ويقلقني."
بدأ يتفحص المنطقة المحيطة بحذر، مُنبهاً في الوقت نفسه كلاً من "ترينش" وشيا لوياو بضرورة توخي أقصى درجات اليقظة. نظرت شيا لوياو إلى "ترينش" الذي التفت إليها بنظرة حائرة، قائلاً: "إن كنتِ لا تثقين بي، فلماذا استصحبتِني معكِ؟" كان التساؤل نفسه يراود شيا لوياو، لكنها آثرت الثقة بحدس لين بيتشين ورجاحة حكمه.
بدأ لين بيتشين بفحص موقع الكمين المهزوم، على أمل العثور على خيط يقوده لكشف المستور.
أزاح الشجيرات جانباً وهو يراقب محيطه بعين لا تغفل، بينما ترك التميمة الدفاعية تطفو بالقرب منه لحمايته.
شرع في فحص ملابس القتيل وجثته، عساه يجد معلومات مفيدة تحل لغز هذه العملية.
وطوال تلك العملية، حافظ الثلاثة على مستوى عالٍ من التأهب ونسقوا عملهم الجماعي بانسجام، مواجهين المخاطر المجهولة بشجاعة وثبات.
لم تكن شيا لوياو متيقنة مما إذا كان لين بيتشين يميل إلى الرجال، ورغم أن هذا الاحتمال كان وارداً في ذهنها، إلا أن جديته وتفانيه خلال المهمة جعلاها مقتنعة تماماً بكفاءته.
"أيها القائد، انظر هنا." وقعت نظرة لين بيتشين على عضلات الشخص المفتولة بشكل استثنائي، وأضاف: "من الجليّ أن هذا الشخص ينتمي لمستوى مختلف تماماً عن ذاك الذي ولى هارباً قبل قليل."
استرجعت شيا لوياو تفاصيل الطلقتين اللتين أُطلقتا في توقيت مدروس، وربطت ذلك بملاحظات لين بيتشين، فتملكها التوتر وقالت: "هل تعني ما أظنه؟"
قام لين بيتشين بتمديد عضلاته وبدت عليه علامات الجدية القصوى وقال: "أظن أن هذا فخ مُحكم يستهدف كل من يتجرأ على محاولة إنقاذ الدكتور 'شو'."
وتساءل مراراً وهو يعقد حاجبيه: "جماعة قادرة على اختطاف شخص من قلب الصين، لِمَ هذا التراخي في الحراسة؟ ولماذا يبدو تعاملهم معنا بهذه السذاجة؟" وأضاف: "علاوة على ذلك، لماذا اختطفوا الدكتور 'شو' واحتجزوه في ذلك المكان تحديداً؟ لقد وصلنا متأخرين يومين، ومع ذلك لم يجروا أي عملية تبادل، فما الذي يدبرونه خلف الكواليس؟"
تضاعف قلق شيا لوياو بعد سماع تحليل لين بيتشين، فقالت: "يجب أن نصل إلى 'النسر الطائر' و'بارني' فوراً."
عندما رأى لين بيتشين علامات الهلع على وجه شيا لوياو، افتر ثغره عن ابتسامة خفيفة وقال: "لا تقلقي، فلديّ خطة مضادة." ثم تحولت نظراته إلى حدة النصل وقال: "أياً كان هدفهم، فبما أنهم واجهوني، فإن خطتهم ولدت ميتة."
لمعت بارقة إعجاب في عيني شيا لوياو، ورغم محاولتها إخفاءها بسرعة، إلا أن لين بيتشين رصدها بوضوح.
"لم أتوقع أن تمتلك منطقاً بهذا القوة والتحليل." أثنت عليه بصدق.
شعر لين بيتشين ببعض الحرج وحك رأسه قائلاً: "في الواقع، لقد أجريتُ للتوّ عملية عرافة واكتشفتُ أن الأمور ليست بالبساطة التي تبدو عليها." وقد زاد ذكره للعرافة وفنون الطاوية، التي أنهى للتوّ دورةً فيها ضمن الثقافة الصينية، من تقديرها وفضولها تجاه هذه الفنون العريقة.
"والآن، لنرَ ما يضمره هؤلاء." قال لين بيتشين وهو يسحب تعويذة تتبع أخرى. انطلقوا مجدداً، ولكن هذه المرة كان الجميع يرتدي قناع الحذر والجدية، وتباطأ إيقاع سيرهم بشكل ملحوظ.
في هذه الأثناء، كان "الثور الهائج" يتذمر متمتماً: "لماذا يفضل اصطحاب 'ترينش' بدلاً مني؟ هل يثق به إلى هذا الحد؟ ما نفع القوة الفردية إن غاب التعاون الجماعي؟" حاول "الداوي العجوز" تهدئته ومواساته، مشيراً إلى أفعال لين بيتشين غير المألوفة، بينما كان الدكتور "شو" يصغي بذهول، وقد تملكه الإعجاب بالقوة القتالية لهذا الفريق.
أما "رعد" فلم ينخرط في شجار رفاقه، فقد نال منه عناء السفر، بينما ظل "لهب" متيقظاً، ويده لا تفارق ورقة التميمة؛ فقد كان يدرك يقيناً أن تحذير لين بيتشين لم يكن مجرد كلام في الهواء.
فجأة، ظهر فريق أمامهم. مسح "لهب" المنطقة ببصره، مدركاً أنها البقعة ذاتها التي تم اعتراضهم فيها سابقاً.
لحسن الحظ، لم تكن هناك مخابئ في الجوار. ولكن بمجرد تأهبهم للدفاع، تمايلت تميمة صفراء في الأفق، مما شكل درعاً حال دون وصول رصاصات العدو إليهم.
كانت هذه هي المرة الثالثة التي يعاينون فيها مثل هذا المشهد الإعجازي، مما جعل الدكتور "شو" يشهق بعمق، وقد اهتزت قناعاته الراسخة في التفسير العلمي للأمور.
وبينما كانوا يتنفسون الصعداء، تذكر "لهب" التحذير المشفر في تعويذة نقل الصوت، فألقى بتعويذة مماثلة خلفه، ليرى رصاصة معلقة في الهواء وكأن الزمن قد توقف بها.
استدار "النسر الطائر"، وقد ضاقت حدقتا عينيه من هول الصدمة؛ فلو أصابته تلك الرصاصة، لكان في عداد الموتى.
وبينما كان الجميع في حالة ترقب وقلق من ذاك القناص المتربص، دوى انفجار هائل فجأة، وتحت أنظارهم المذهولة، استحال المبنى إلى ركام.
اتضح أن لين بيتشين لم يكشف الحقيقة كاملة لسبب ما، فقد كانت تنبؤاته تشير إلى نتائج سلبية في الواقع.
وهكذا، طرح فرضية قد تبدو غريبة: ربما كان لدى المرتزقة الذين يطاردون طبيب الإنقاذ قناص محترف. ومع ذلك، لم يثنهم الانفجار عن عزمهم، بل شنوا هجوماً مضاداً خاطفاً على أولئك الأشخاص.
في تلك اللحظة، لمعت في أذهانهم فكرة: إنهم مجرد مجموعة مرتزقة تم استئجارهم عشوائياً من قبل الدولة، ومن المستبعد أن يخطط الأعداء لتصفيتهم جميعاً، لكن "بارني" وفريقه لم ينجوا من المصيدة.
الآن، وباعتبارهم فريقاً يتسم بالجسارة، فمن المحتمل أن أحد الجنود المصابين لم يكن يعي حجم الخطر المحدق به! أو ربما كانوا قد بدأوا بالفعل في الاشتباك مع التهديد.
عندما أبصر "بارني" نحو عشرة أشخاص يتقدمون نحوه، اكتست ملامح وجهه بالكآبة والوجوم.
دخل الجانبان في حالة من المواجهة الصامتة الطويلة. ورغم ثقة "بارني" المطلقة في قدرته على دحر أي عدو في نزال فردي، إلا أن الكثرة تغلب الشجاعة، وكان عليهم حماية رفيق مصاب، مما أحكم الخناق عليهم.
لكن في تلك اللحظة الحرجة، بدا أن شخصاً في صفوف العدو قد تلقى إشارة ما، فانطلق بغتة، فأدرك فريق "بارني" أن هذا الشخص هو القائد. وبحكم خبرته الطويلة كمرتزق، أطلق "بارني" النار على المهاجم بسرعة البرق، فأومض ضوء أحمر معلناً عن إصابة مباشرة في الرأس! وهنا اندلعت شرارة معركة طاحنة!
بعد قتال مرير، ارتمى "بارني" على الأرض يلهث بصعوبة، وقد استقرت رصاصتان في ذراعه، بينما ساد الخدر جسده جراء الصدمة الكهربائية التي تلقاها من سترته الواقية. كان من حوله، ومنهم "كريسمس"، في حالة يرثى لها، بل إن بعضهم كان وضعه أسوأ من "بارني". أما "بيلي"، الذي أُصيب مؤخراً ولم يشارك في المعركة، فقد كان أحسنهم حالاً.
لو كان لين بيتشين حاضراً في تلك اللحظة، لأدرك يقيناً أن ثمة حلقة مفقودة: فمن الواضح أن الخطة كانت تحاك بدقة ضد فريق "بارني"، فلماذا تركوا لهم ثغرة للنجاة؟