Switch Mode

سجلات المنسيين الإضافية 69

الرقص مع الألغاز ؟+


استيقظ ألدن في اليوم التالي ، وقد كان نومه هذه المرة هنيئاً لم يذق مثله منذ أيام طوال. فلم يكن جسده يشعر بالخمول ، بل غمره شعور بالنشاط والحيوية ، فانتفت أوجاع بدنه ، وصفا ذهنه ، وحدث نفسه قائلاً: «يا له من نومٍ مريح حقاً!».

كان ذلك اليوم هو يومه الأول في أكاديمية الغوريلا الراقصة تحت إشراف الآنسة غريتا ، وكان ألدن يشعر بحماسٍ شديد ، أو هذا ما أراد أن يظهره على الأقل. و لكن الحقيقة أنه كان يشعر بالتوتر ؛ فقد كان انطوائياً في حياته السابقة ، وكما نعلم جميعاً ، فإن الانطوائية والرقص كاجتماع الضدين ، لا يأتلفان أبداً و ربما قد تجد بعض الاستثناءات ، لكن «ألدن» ؟ قطعاً لا. حيث كانت مهاراته في الرقص بالغة السوء ، لدرجة أنها تجعل القرود السكرى تبدو رشيقة في حركاتها.

كان ألدن يتوقع خوض تجربة أسطورية ، مليئة بمعارك الحياة والموت ، أو ربما حكمة قديمة ، أو مواجهة تنين أو اثنين ؛ فهذا ما توحيه تسمية الأكاديمية. و لكن ما حصل عليه كان... الرقص. و لقد كان آخر شيء قد يتوقعه ، بل لم يخطر بباله في أشد أحلامه جموحاً. ومع ذلك كان هناك جانب إيجابي ؛ فهذا العالم كان جنةً حقيقية للتدريب ، ولم يكن بحاجة للقلق بشأن الوقت ، إذ كان بإمكانه التمهل في التعلم ، وربما الارتقاء في الرتب أو زيادة إتقانه لعناصره. حيث كان ألدن يرسم الخطط العظيمة ، لكن لسوء حظه كان هناك من سيصبُّ الماء البارد على أحلامه.

***

وقف ألدن في المكان الذي ظهر فيه أول مرة ، ورأى غريتا ترقص بمفردها بينما كان بيريبيري يصفق بحماسٍ وإعجاب. تأمل ألدن رقصها بدقة ثم تساءل في نفسه: «ما هذا بحق الجحيم ؟ هل هي طقوس أضحية أم ماذا ؟». كاد التساؤل أن يفلت من لسانه ، لكنه كبحه سريعاً ؛ فهو يريد النجاة ، ويعلم يقيناً أنه سيُمحى دون أثرٍ إن نطق بهذا الكلام.

لكن الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن غريتا كانت راقصة فاشلة ، فحركاتها بدت خرقاء وتفتقر إلى الانسيابية. حتى ألدن الذي لا يمت للرقص بصلة كان يرى ذلك بوضوح ؛ لم يكن هناك منطق في حركاتها ، بل كانت فوضوية تماماً. وهنا ، لمعت فكرة في ذهن ألدن: «مهلاً... فوضوية ؟ هل يعقل أن يكون هذا أحد أساليب التدريب الأسطورية ؟». تذكر ألدن العديد من الكتب التي قرأها ، حيث يقوم معلم ذو قوة هائلة بإجبار تلاميذه على أداء حركات غريبة وغير مفهومة ، وما إن يبدأ الطلاب بالشكوى حتى يتبين أنها جزء من تقنية سرية.

«هل يُعقل أن يكون الأمر كذلك ؟». لكن للأسف كان ألدن واهماً ، بل واهماً جداً. لم تكن تلك طريقة تدريب أسطورية ، بل كانت غريتا راقصة سيئة فحسب ، ولا يوجد معنى خفي ولا علاقة لها بـ الفوضي فن. بل إن غريتا لم تكن تستخدم فن سلاح الفوضى ، إنما كانت تحرس إرث صديقتها. وبالطبع لم يكن هناك من يصحح سوء فهم ألدن.

المسكين ألدن ، ظل مقتنعاً بأنه قد فك شفرة قديمة ، فأسرع نحو الثنائي والحماس يغمره. حيث كان بيريبيري أول من تفاعل معه ، بينما ظلت غريتا منشغلة بحركاتها الغريبة. و قال بيريبيري بصوتٍ عادٍ: «أهلاً ألدن ، هل نلت قسطاً وافراً من الراحة ؟». لن يعتاد ألدن أبداً على رؤية كائن بهذه القوة يتعامل معه بكل هذه الودية ؛ فبيريبيري يملك القدرة على محو ألدن في جزء من الألف من الثانية ، بل يمكنه تدمير «إيريندور» بأكملها في أقل من ثانية ، ومع ذلك كان يعامله كرفيق قديم في جلسة سمر. و لكن ألدن لم يكن من النوع الذي يرفض صداقة ذوي القوة ، فأجاب بعفوية: «نعم ، لقد كان أفضل نوم حظيت به في حياتي».

رد بيريبيري دون أن يكترث لنبرته العادية: «رائع ، رائع...». فسأله ألدن بفضول: «ما الذي تفعله ؟». فأجاب بيريبيري بهدوء وعيناه معلقتان بغريتا: «كما ترى ، أنا أستمتع بمهارات الرقص العظيمة للسيدة». «أستمتع ؟ هل يعقل أنه أيضاً أحد ورثة الـ الفوضي فن ؟» حلق خيال ألدن بعيداً. و قال بيريبيري وهو يشير إلى مقعد ظهر فجأة من العدم: «اجلس أيضاً ، سيبدأ درس الرقص الخاص بك قريباً».

«ها ؟ كيف يجعلون الأشياء تظهر فجأة ؟ هل هذه قدرة يكتسبها المرء في الرتبة البدائية أم ماذا ؟ يا رجل... أليست قدرة الخلق هذه طاغية للغاية ؟ لابد أنها شيء آخر». أخفى ألدن فضوله وجلس ، متظاهراً بالهدوء ، رغم أنه كان مضطرباً داخلياً ، وإن كان من الصعب إخفاء رد فعله عن شخص بقوة بيريبيري. «بالحديث عن ذلك لا أستطيع حتى تخيل مدى قوة غريتا لتتخذ بيريبيري خادماً لها! هل هي في ذروة الرتبة البدائية ؟ أم أن هناك رتبة أخرى تليها ؟». لم يستطع ألدن إلا أن يجهد عقله في التفكير في هذه الألغاز التي أمامه ، لكنه لم يجرؤ على السؤال ؛ فهو يعلم من رد فعل غريتا حين سألها عن الـ الفوضي فن أن من هم بمقامها لا يمكنهم الإفصاح عن المعلومات بسهولة.

لذا سأل عن أمر آخر يثير فضوله: «بيريبيري ، ما هذا المكان الذي نحن فيه الآن ؟». أجاب بيريبيري ببساطة وكأن الأمر من البديهيات: «إنه كوكب ، ماذا تظن ؟». تابع ألدن: «إذن كيف تباطأ الزمن هنا ؟». فأجاب بيريبيري مجدداً وكأن الإجابة واضحة وضوح الشمس: «لأن الجسد الأساسي للسيدة أراد ذلك».

«ماذا ؟ ما الذي يعنيه ؟ مهلاً... ألا يعني هذا أن غريتا تستطيع التلاعب بالزمن لمجرد أنها ترغب في ذلك ؟». سجل ألدن هذه الملاحظة في ذهنه: «لا تغضبها تحت أي ظرف كان». لقد قرر ألدن منذ اللحظة الأولى ألا يستفزها حتى عن طريق الخطأ ؛ لأنه لن يدرك موته إلا بعد فوات الأوان.

قال بيريبيري بنبرة جادة ، ولأول مرة التفت لينظر إلى ألدن: «ألدن ، اسمح لي أن أحذرك... لا تفكر في البقاء هنا لأكثر من عام. و هذه نصيحتي الصادقة لك. و يمكنك تجاهلها إن أردت ، لكن البقاء هنا لن ينفعك بشيء». سأله ألدن بحذر: «لماذا ؟». فأجاب: «فأنت لا تستطيع تنمية قوتك في هذا المكان على أي حال».

رمش ألدن بتعجب: «ماذا ؟». تابع بيريبيري: «ربما لم تلاحظ ذلك لكن حاول امتصاص المانا المحيطة إلى نواتك ، وستعرف عما أتحدث». «ماذا يقصد ؟ ولماذا لا ينبغي أن أبقى لأكثر من عام ؟ وماذا يعني بامتصاص المانا ؟». سارع ألدن لتنفيذ نصيحة بيريبيري ، وحاول امتصاص المانا المحيطة في الهواء. لا شيء. حاول مجدداً ، ولا شيء أيضاً. لم تدخل ذرة واحدة من المانا إلى جسده. فلم يكن الأمر عجزه عن الامتصاص ، بل كان كأن المانا غير موجودة في هذا المكان من الأساس.

«هذا مستحيل! كيف يمكن ذلك ؟». كانت المانا حاضرة في كل مكان ، ولا استثناء لهذا أبداً ، أو هكذا اعتقد حتى هذه اللحظة. و لكن السؤال الأهم الذي واجهه الآن: «كيف لم ألاحظ ذلك من قبل ؟». لو لم تكن هناك المانا ، لكان عليه أن يشعر بشيء مختلف ، لكنه لم يشعر بشيء حتى ذكر بيريبيري الأمر. تصبب عرق بارد على صدغ ألدن ؛ فقد كان أعزلاً ، ولا يستطيع المقاومة إن حدث أي طارئ. و لكنه طرد هذه الأفكار من رأسه سريعاً: «لا يهم... لست قادراً على المقاومة حتى بوجود المانا. رغم أنه أمر محبط ، فقد كنت أطمح لاستغلال الوقت هنا لزيادة قوتي».

سأل ألدن بفضول: «لكن كيف ؟ كيف يكون هذا ممكناً ؟ أليست المانا حاضرة في كل مكان ؟». أجابه بيريبيري: «أنت محق يا ألدن ، المانا موجودة في كل مكان ، وهي حاضرة هنا أيضاً ، لكن هناك أمور أخرى...». وقبل أن يكمل بيريبيري حديثه ، صفقَت غريتا قاطعةً إياه. و قالت وهي تسير نحوهما: «أعتقد أن هذا يكفي يا بيريبيري».

طبق بيريبيري شفتيه بإحكام بمجرد سماعها ، وقال مطأطئ الرأس وكأنه يشعر بالحزن: «أعتذر أيتها السيدة». ردت عليه بابتسامة عارفة: «لا تقلق يا بيريبيري ، أعلم أنك لم تفعل ذلك متعمداً...». كانت تعرف بيريبيري منذ طفولته ، وأدركت فوراً أنه يشعر بالوحدة بسبب بقائه منفرداً لفترة طويلة ، ولذلك عندما رأى وافداً جديداً ، شعر بشيء من الحماس.

في هذه الأثناء كان ألدن يكاد يفقد صوابه. و قالت غريتا وعيناها مثبتتان عليه: «ألدن ، أنصحك بالعمل بهذا التحذير... ما لم ترغب في أن تتحول إلى حيوان غريب». «حيوان غريب ؟ ما الذي يعنيه ذلك ؟ يا إلهي... لماذا يحيطونني بكل هذه الألغاز ؟ ولماذا يتحدثون بهذه الرموز التي تزيدني فضولاً ؟». أضافت: «ولا تسأل عن أي شيء آخر ، عن «ماذا» أو «كيف» ؛ فأنت لست مؤهلاً لمعرفة أي شيء بعد. فقط ازدد قوةً وستعرف كل شيء».

نزل تحذير غريتا على ألدن كالعاصفة ، فقرر إنهاء التجربة في أسرع وقت ممكن ؛ لأن تحذيرها بعدم البقاء أكثر من عام لم يبدُ كنوعٍ من المزاح. أجاب بأدب: «فهمت يا آنسة غريتا». قالت غريتا بابتسامة ماكرة: «جيد ، الآن حان وقت البدء بدروس الرقص. هل أنت مستعد ؟». أجاب ألدن: «نعم». ثم ابتسم في سره: «حان وقت فتح فن سلاح الفوضى».

لم يكن ألدن مخطئاً في حياته كما كان في هذه اللحظة.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط