سارت "سيخارجين " بخطواتٍ واثقة عبر أروقة "نيكسوس ". كانت القاعة تعجُّ بالحركة كعادتها ، تغصُّ بالطلاب ، بعضهم يرتدي دروعاً قتالية ، بينما ما زال آخرون يرتدون زيَّ الأكاديمية الرسمي. حيث كانت ترتدي رداءً داكن اللون تلطخه بقعٌ من دماء خضراء ؛ فقد أنهت للتو مهمةً من الرتبة (س) كانت قد كلفت بها سابقاً ، وهي مهمة تقضي بجمع دماء "التُرول " لما لها من خصائص تجدُّدية.
لم تكن "التُرول " أعداءً يسهل التغلب عليهم ، فأضعفهم كان يقع في رتبة "الخبير " بل إن بعض طفراتهم كانت تصل إلى رتبة "الأستاذ ". كانت تلك الطفرات نادرة الوجود ولا يُعثر عليها بسهولة. وعادةً ما كان الطلاب ينفذون هذه الأنواع من المهام ضمن مجموعات ، لكن "سيخارجين " كانت مختلفة ؛ فقد كانت تهوى الوحدة ، وتجد متعتها في تحدي قدراتها إلى أقصى الحدود.
كان شقيقها "رودريك " الذي يدرس في سنته الأخيرة ، يتزعم واحدة من أقوى المجموعات في الأكاديمية ، ولطالما أصرَّ عليها أن تنضم إليهم ، لكنها لم تفعل قط. وعلى الرغم من أن الطلاب يمكنهم قبول المهام عبر نظام "مانا سينك " (الماناسينس) إلا أن عليهم تقديم إثبات إنجاز المهمة شخصياً.
سارت باتجاه مكتب الاستقبال ، متجاهلةً نظرات الكثيرين المتجهة نحوها ؛ ففي نهاية المطاف كانت طالبة في السنة الثانية وتحتل المركز الثالث في صفها. وفجأة... رأت شخصاً ما. صبياً ذا شعر أسود ، وعينين قرمزيّتين تشبهان عينيها تماماً. وكيف لا يكون كذلك ؟ فهو شقيقها الأصغر.
وما إن وقعت عيناها عليه حتى رآها هو الآخر. وقفت "سيخارجين " في صمت أمام "ألدن " تمسح ملامحه بتلك النظرة الخالية من المشاعر التي اعتادتها ، لكن ارتعاشة طفيفة في أصابعها خانت هدوءها المصطنع.
قالت "سيخارجين " بصوت هادئ "أهلاً يا أخي ، كيف حالك ؟ "
فكرت في نفسها وهي تتأمله "لقد تغير ". فالألدن الذي تعرفه لم يكن هكذا كان كئيباً ومحبطاً ، أما الآن فقد بدا واثقاً بل وسعيداً بطريقة ما. "ما الذي حدث له ؟ " لم تستطع استيعاب هذا التغير الكبير ، لكنها حدثت نفسها "على أية حال ليس تغيراً سيئاً بالضرورة ". كادت ابتسامة تظهر على وجهها ، لكنها قمعتها على الفور.
كانت تعلم كيف يُعامل "ألدن " داخل العائلة ، لكنها لم تمد له يد العون قط. وكان هناك سبب واحد لذلك "عائلة دخارجين ليست للضعفاء ". كانت تهتم لأمره كما تهتم لبقية إخوتها ، لكن ذلك لم يدفعها يوماً للعمل وفق عواطفها لمساعدته. حيث كانت تريده أن يتجاوز ضعفه بنفسه. حيث كانت تعلم أن هذا أمرٌ شاق على صبي صغير ، ولكن ، وماذا في ذلك ؟ فالموت لا يتحقق مما إذا كنت صغيراً أم لا ؛ فلكي تنجو ، لا يكفي أن تكون قوياً فحسب ، بل يجب أن تمتلك عقلاً قوياً أيضاً. ومن هذا المنطلق لم تساعده قط حتى حين رأت "السيدريك " يضربه حتى كاد يلفظ أنفاسه.
كانت قناعتها الراسخة "إذا مات ، فهذا يعني ببساطة أنه لم يكن قوياً بما يكفي ".
لم تكن منافقة لتدعي أنها عجزت عن مساعدته ؛ فقد كانت قادرة ، لكنها اختارت ألا تفعل. ومع أن التغير في "ألدن " أبهجها إلا أنه لم يغير شيئاً ؛ فهي لا تزال لا تملك أدنى نية لمساعدته. مرت من جانبه كأنه هواءٌ لا يُرى ، دون أن تكلف نفسها حتى بالرد على تحيته.
***
بينما كانت "سيخارجين " تتفحصه كان "ألدن " أيضاً يحللها. و نظر إلى ملابسها الداكنة الملطخة بالدماء ، وأدرك فوراً أنها جاءت إلى هنا مباشرة بعد إتمام مهمتها. حيث فكر "ألدن " "هل فكرت حتى في تغيير ملابسها أولاً ؟ ".
لم يشعر "ألدن " بأي عاطفة وهو ينظر إليها ، لا خير ولا شر ، لا شيء على الإطلاق. فخلافاً لبقية إخوته كانت "سيخارجين " مجرد مراقبة. و مجرد مراقبة فحسب ، ليست حليفاً ولا عدواً ، بل شاهدة صامتة على معاناته. صحيح أنها كانت توفر له جرعات علاجية عندما كان ضرب "السيدريك " يتجاوز الحد ، وكانت العائلة تمنحه مصروفاً شهرياً كافياً لشراء العديد منها ، وكانت "أليس " هي من تتولى شراء الجرعات له لأنها كانت مسؤولة عن حساباته ، لكن تلك الجرعات كانت في أقصى حد لها من الرتبة النادرة. أما الجرعات الأعلى مرتبة فلم يكن من السهل الحصول عليها ، وكانت "سيخارجين " توفرها له كلما كانت إصاباته تفوق قدرة الجرعات العادية على الشفاء.
ومع ذلك لم يكن كافياً ليحمل لها أي مشاعر ؛ فقد كانوا بالنسبة لبعضهم كالغرباء. وبينما كان "ألدن " غارقاً في أفكاره ، مرت "سيخارجين " بجانبه دون حتى أن تلتفت إليه. "نفس الحال كالعادة ، أليس كذلك ؟ "
لم يكترث "ألدن " للأمر. وفجأة ، اخترق صوته تفكيره ، التفت "ألدن " ليجد "أزيل " صديقه الذي يسبب له صداعاً دائماً ، يهمس بجانبه "يا صديقي ، أكانت تلك شقيقتك ؟ "
أجاب "ألدن " "أجل ".
قال "أزيل " وهو يضع ذراعه حول كتف "ألدن " "حسناً ، انسَ الأمر ، دعنا نذهب ونلعب بعض الألعاب ". تحدث "أزيل " بابتسامته البلهاء ، محاولاً تلطيف الأجواء.
"حسناً ، لنذهب ". لم يرفض "ألدن " عرضه ، مما جعل عيني "أزيل " تتسعان من الذهول.
شهق "أزيل " "من أنت ؟ وماذا فعلت بصديقي ؟ لحظة ، لا.. هل أنت منتحل ؟ أهي محاولة لتبديل الهوية ؟ " كانت تعابيره درامية للغاية.
تنهد "ألدن " بضجر "لم أعد أرغب في الذهاب ".
رد "أزيل " وهو يعلم أن "ألدن " لن يذهب حقاً إن استمر في مزاحه "انتظر يا صديقي ، كنت أمزح... لنذهب فوراً! ". ثم جرَّ "ألدن " خارج قاعة "نيكسوس ".
***
مرت الأيام والأسابيع ، وقد انقضى شهر منذ بداية الفصل الدراسي في الأكاديمية. خلال هذا الشهر لم يقم "ألدن " بأي شيء جلل ، بل كان يحضر دروسه بانتظام ويتدرب يومياً. وباستثناء إحصائيات القوة وخفة الحركة كانت جميع إحصائياته الأخرى قد وصلت إلى المستوى التالي. وكان واثقاً من تحقيق طفرات للوصول إلى رتبة "المبتدئ " في الأسابيع القليلة القادمة.
معظم الأحداث التي كانت من المفترض أن تقع في الرواية لم تحدث ، لكن "ألدن " لم يعد يكترث لذلك وركز فقط على تعزيز قوته ، فمعظم التغيرات كانت ثانوية ، باستثناء واقعة واحدة. حادثة "أميرا " ضد "سيليس " التي كانت من المفترض أن تقع في الأسبوع الثاني من الأكاديمية لم تحدث ، وهي الحادثة التي كانت ستُقرِّب "لوسيان " من "سيليس " في الرواية وتُثبِّت مكانة "أميرا " كشريرة.
كان لدى "ألدن " فكرة عن سبب عدم حدوث ذلك ؛ لأن "سيليس " كانت بالفعل قريبة من "لوسيان ". كان لدى "ألدن " شكوك بأن "سيليس " هي من دبرت ذلك الصراع في الرواية لتجذب انتباه "لوسيان " لكن الآن ؟ هو بالفعل مغرم بها حد الهيام ، لذا لم تكن بحاجة للتدبير. حيث كانت هذه أكثر النظريات منطقية التي توصل إليها "ألدن ".
كان يطمح حقاً ألا تكون "أميرا " شريرة ، ليس لأنه يشعر بأي عاطفة تجاهها ، بل لأنها كيان مذهل. ففي الرواية ، قيل إن موهبتها تضاهي موهبة "لوسيان ". "لو أنها فقط ليست شريرة ، لكانت مكسباً عظيماً في قتال ملك الشياطين ". في البداية ، ظن أن "إصلاحها " سيكون صعباً ، لكن بالنظر إلى تطور الأحداث الملتوي لم يعد الأمر مستحيلاً كما بدا من قبل.
كان هناك سبب آخر: كان يشعر بالفضول الشديد تجاه ابتسامتها في ذلك اليوم. مهما حلل لم يجد أي إجابة إلا إذا كانت تعلم شيئاً عنه. لذا قرر مراقبتها.
أما "نيكس " فكانت لا تزال لغزاً غامضاً بالنسبة له ؛ فهي لا تكترث لأحد ، ولا تتحدث مع أي شخص في الصف ، لا الفتيات ولا الفتيان. و لكن "ألدن " لاحظ نظراتها التي كانت تبحث عن شيءٍ أو شخصٍ ما داخل الأكاديمية.
مجرد التفكير في هاتين الفتاتين كان يصيبه بالصداع. ثم كان هناك ذلك الوغد "لوسيان " الذي كان يتودد لتلك اللعينة "سيليس " وكأنه واقع تحت تعويذة. ومع أن "لوسيان " أحبها في الرواية أيضاً إلا أنه لم يكن من النوع الذي يذل نفسه ، لكنه الآن يكاد يعبد الأرض التي تمشي عليها.
تنهد "ألدن " وهو يفرك صدغيه. "كفى من هذا ".
نظر "ألدن " حوله ، ورأى الأرفف الواسعة المغطاة بالكتب ؛ فهو يجلس حالياً داخل المكتبة. ورغم امتلاكه معرفة بأحداث الرواية إلا أن ذلك لا يجعله عبقرياً. كيف له أن يلم بكل تفاصيل المعرفة ؟ لذا كان يتردد على المكتبة يومياً حتى لا يرسب في دروسه.
بجانبه ، على كرسي آخر كان صبي يغط في نوم عميق ، مسنداً رأسه إلى الطاولة وعلى رأسه كتاب. "أهو هنا لينام أم ليدرس ؟ ". نهض "ألدن " من مقعده متجهاً نحو مخرج المكتبة ، متجاهلاً "أزيل " النائم.
اتجه إلى مكتب الاستقبال حيث يجلس الرجل العجوز ، أمين المكتبة الذي كان يتسم بحدة الطبع ويحب توبيخ الطلاب.
قال "ألدن " باحترام "سيدي ، هناك طالب ينام هناك بدلاً من قراءة الكتب ".
وقف العجوز متسائلاً "أين ؟ ".
أشار "ألدن " نحو "أزيل " الذي كان يبتسم ببلادة في نومه "هناك ".
فكر "ألدن " "كيف لي ألا أساعد صديقي ؟ ". لقد فعل بالضبط ما قد يفعله صديق جيد. لم يرد لصديقه "العزيز " أن يرسب لأنه ينام بدلاً من الدراسة ، لذا قرر أن يلقنه درساً بسيطاً. وبما أن "ألدن " صديق جيد ، فكيف له أن يضرب "أزيل " ؟ لذا استعان بالعجوز.
ارتسمت على وجه "ألدن " تعابير شيطانية وهو يرى أمين المكتبة يتقدم نحو "أزيل " وهو يغلي غضباً.
نقر أمين المكتبة بلطف على كتف "أزيل ".
تمتم "أزيل " وهو يمسك يد العجوز بدلاً من الاستيقاظ "مهلاً يا سيسيليا ، أخيراً قبلتِ مشاعري... ".
تحولت تعابير وجه أمين المكتبة إلى شيء لا يكاد يُصدق ، وأمسك بأذن "أزيل " بيده الأخرى وفتلها بقوة.
"بفففف ". لم يستطع "ألدن " كبح ضحكته وهو يرى "أزيل " يستيقظ صارخاً. تنقلت نظرات "أزيل " بين "ألدن " والرجل العجوز ، وظهرت على وجهه علامات الخيانة.
"لماذا يا صديقي ، لماذا ؟ ".
ظل وجه "ألدن " خالياً من أي تعبير ، لكن في داخله كان يمر بواحد من أسعد أوقات حياته.