الفصل 253: هكذا لا يُخاطب الأطفال.
حلقت "كيون " في كبد السماء ، وكانت ريشاتها تشق الهواء شقاً. حيث كانت تتهادى في الأفق ، مستمتعة بذلك الشعور العارم بالحرية ، والارتفاع الشاهق ، ولفحات الريح التي تداعب جناحيها. و لكن رحلتها اليوم لم تكن لمجرد التحليق ؛ فقد كان عليها لقاء شخصٍ ما ، الشخص الوحيد من البشر الذي تمكن من رؤيتها على حقيقتها.
لقد مضت ثلاثة أشهر على أول لقاءٍ جمعهما. و في ذلك الحين ، حين تلاقت نظرات تلك المرأة بعينيها ، تجمدت "كيون " في مكانها. فلم يكن من المفترض لأي بشريٍ أن يراها ، ومع ذلك فقد نظرت "أميرا " إليها مباشرة. و في بادئ الأمر ، ظنت "كيون " أنها قد تكون وحشاً آخر من شاكلة تلك السيدة المخيفة في الزنزانة ، لكن "أميرا " كانت مختلفة ؛ فقد كانت تفيض دفئاً ووداعة بطريقةٍ عجزت "كيون " عن وصفها ، لكنها وثقت بها على الفور. حيث كان في "أميرا " شيءٌ مألوف ، وكأن جزءاً من كيانها كان يعرف هذه المرأة من قبل.
ومنذ ذلك اليوم ، بدأت لقاءاتهما السرية. وفي كل يوم ، في ركنٍ هادئ من حديقة الأكاديمية كانت "كيون " تحط في حضنها لتشكو لها كل شيء: طيش شريكها البشري ، وساعات تدريبه المنهكة والمجنونة ، وتلك الفتاة القطة الغريبة. وكانت "أميرا " تستمع إليها دائماً ، بابتسامتها الرقيقة والهادئة ذاتها. إلا في بعض الأحيان... حين تُذكر أسماء معينة كانت ابتسامتها ترتجف قليلاً ، لكن "كيون " لم تكترث ؛ فـ "أميرا " وإن كانت غامضة إلا أنها كانت ملاذها الآمن.
واليوم كان لدى "كيون " الكثير لتتذمر منه ، وخاصة ذلك الأحمق الذي تدرب حتى منتصف الليل مجدداً ، وجعلها تقف حارسة طوال الوقت كأنها جليسة أطفال مجهدة. (كانت تلك أوهامها).
اقتربت من تلك الساحة المألوفة "الحديقة " وحطت بخفة على المقعد الحجري قبل أن تقفز مباشرة إلى حضن "أميرا ". شعرت بالراحة كعادتها. وبمجرد أن استقرت ، امتدت أصابع "أميرا " لتداعب ريشها برفقٍ وعناية دون استعجال. حيث أطلقت "كيون " زقزقة خافتة ، ثم تلتها بأخرى. و بالنسبة لأي شخص آخر كانت مجرد أصوات طيور ، لكن "أميرا " كانت تفهمها جيداً. و لقد كانت شكوى عتاب.
أمالت "أميرا " رأسها بابتسامة متسلية وقالت "أتدرب لوقت متأخر مجدداً ؟ "
زقزقت "كيون " بضيق وتابعت ؛ حاولت أن تخبرها بمدى تهور شريكها البشري الذي يزداد يوماً بعد يوم. و لكن قبل أن تكمل شكواها قد سمعت صوتاً يقول "لقد أخبرتكِ ألا تسمحي لأحدٍ برؤيتكِ ".
لقد وصل شريكها البشري.
انتفشت أجنحتها ، وأشاحت بنظرها بسرعة ؛ شعرت بالذنب ، ليس لأنها كانت على خطأ ، بل لأنه كان... مزعجاً ، صاخب الصوت ، ولا يفهمها حقاً. وقبل أن تستطيع الزقزقة اعتراضاً ، اخترق صوت "أميرا " الصمت قائلة "هكذا لا يُخاطب الأطفال يا ألدن ".
رمشت "كيون " بعينيها وهي تنظر إلى "أميرا " بذهول ؛ لم يسبق لأحدٍ أن دافع عنها هكذا من قبل ، ولا حتى هو. انتفخ صدرها الصغير وشعرت بوخزٍ في عينيها ؛ حينها أيقنت أن "أميرا " هي الوحيدة التي تفهم كُنهها.
***
في شقة "ألدن " بالسكن الجامعي كان "ألدن " يحدق في الثنائي الجالس على أريكته. لم تعد الحديقة مكاناً مناسباً للحديث ، لذا أحضرهما إلى هنا.
"تباً! "
تمتم "ألدن " بلعنة خافتة. فلم يكن غاضباً ، بل كان... قلقاً. حيث كان يثق بـ "أميرا " لكنه لم يمنحها ثقةً عمياء. و نظر إليها مرة أخرى ؛ كانت ملامحها توحي بالمشاكسة واللامبالاة ، وكأنها تجد الموقف برمته مستمتعاً أكثر من كونه جدياً. و لكن بالنسبة لـ "ألدن " كان الأمر جاداً للغاية ؛ فهو لم يرد لأحدٍ أن يعرف بوجود "كيون " حتى يصبح قوياً بما يكفي لحمايتها ، لكن السر قد كُشف ، ولم يكن لديه أدنى فكرة كيف حدث ذلك.
لقد رأى قدرات "كيون " بنفسه ؛ فهي تستطيع حجب وجودها عن أي شخص ، بغض النظر عن رتبته أو مهارته. وما لم تختر هي أن تظهر نفسها ، فما كان لأحدٍ أن يراها. فكيف حدث هذا إذن ؟ هل كشفت عن نفسها ؟
لا لم يكن ذلك ممكناً. هو يثق بـ "كيون " في هذا الأمر ؛ فقد تكون طفلة ، لكنها ليست متهورة ، بل إن عقلها أرجح من عقول الكثير من البالغين ، وهي تدرك حجم الخطر. وهذا يعني أن "أميرا " تمكنت من اختراق "حجاب الفراغ " الخاص بـ "كيون " مما يعني أن شخصاً آخر قد يستطيع فعل ذلك أيضاً.
لمح "ألدن " ذلك الغراب الأبيض البدين الجاثم بجانبها. وفكر في نفسه "على أية حال... حتى لو رآها شخص ما ، فمن المرجح ألا يعرف حقيقتها و ربما سيظنون أنها مجرد طائرٍ سمن حتى عجز عن الطيران ، لكن روحاً رفيعة المستوى ؟ مستحيل ". بل إنه شك في أن "أميرا " نفسها تعرف الحقيقة.
قالت "أميرا " بعفوية "بالمناسبة يا ألدن ، هل (كيون) حقاً روحٌ رفيعة المستوى ؟ "
تجمد "ألدن " في مكانه. كيف بحق الجحيم استنتجت ذلك ؟ كان واثقاً من أن "كيون " لم تُطلق أي أثرٍ للطاقة ؛ فلم تكن تختلف عن أي طائر عادي حتى ريشها لم يكن يلمع.
سأل مباغتاً "كيف... كيف عرفتِ ذلك ؟ "
هزت "أميرا " كتفيها قائلة "آه ، إذاً هذا صحيح. (كيون) أخبرتني بنفسها ".
"كيون " أخبرتها ؟ كيف ؟ وهي لا تستطيع الكلام!
التفت "ألدن " نحو الغراب الأبيض ، وقد ارتسمت علامات الريبة على وجهه. أشاحت الطائرة بوجهها على الفور.
سأل "ألدن " بنبرة غير واثقة "هل... هل تكلمت ؟ "
أجابت "أميرا " "لا ، لكنني أستطيع فهم ما تقوله ".
صمت "ألدن " للحظة. بحلول هذه اللحظة ، فقد القدرة على استيعاب أي شيء ؛ لم تكن "أميرا " قادرة على رؤية "كيون " فحسب ، بل يمكنها فهم تلك الزقزقات غير المفهومة ؟ كيف ؟ حتى هو نفسه لا يملك هذه القدرة ؛ فالسبب الوحيد الذي يجعله يفهم "كيون " هو الرابط العقلي بينهما ، وبدونه لم تكن بالنسبة له سوى طائرٍ يزقزق بصوتٍ مزعج. حيث كان يرى في عيني "أميرا " أنها لا تمزح ، ولم تكن تخدعه ؛ فلم يكن هناك أي أثر للغرور ، بل يقين هادئ ، وكأن فهم لغة الطيور أمرٌ طبيعي كالتنفس.
انحنى "ألدن " إلى الأمام قليلاً وسأل بصوتٍ خافت "كيف تفهمينها بالضبط ؟ "
أمالت "أميرا " رأسها وكأنها تفكر في السؤال بجدية "لا أعلم. و أنا فقط... أفعل ذلك ". ثم هزت كتفيها بخفة وأضافت "ربما هي صفةٌ تميز الفتيات ".
ضغط "ألدن " على جسر أنفه. لم تكن هذه الإجابة مفيدة على الإطلاق ، ولا تمت للواقع بصلة ؛ فكيف يكون فهم لغة الطيور صفةً نسائية ؟
قال مجدداً "قلتِ إنها أخبرتكِ بأنها روح رفيعة المستوى ؟ "
أومأت "أميرا " برأسها "أجل ".
"وماذا أخبرتكِ أيضاً ؟ "
ساد صمتٌ قصير ، اتجهت فيه نظرات "أميرا " نحو السقف قبل أن تجيب "أنها تحب الأشياء اللامعة ، وأنك تُرهق نفسك في العمل ، و... أنها تشتاق إلى النجوم ".
رمش "ألدن " بعينيه ، ولم ينبس أحدٌ ببنت شفة. ثم أضافت "أميرا " بصوتٍ خفيض:
"إنها تشعر بالوحدة ، أتعلم ذلك ؟ "
نظر "ألدن " إلى كرة الريش البيضاء ، ولأول مرة في هذا اليوم لم يجد ما يقوله.