ركض «ألدن» عبر أطلال المدينة المتهدمة. لم يكتفِ بالركض وحسب ، بل استعان بمهارة «خطوات الظل» ، متلاشياً بين تضاريس الأرض ليختصر المسافة في لمح البصر. حيث كانت أصداء الانفجارات والموجات السحرية الصادمة تتوالى من المركز ؛ ولا بد أن «سورين» هو من يخوض ذاك النزال المحتدم ضد «متعاقدي الشياطين».
كان «ألدن» قد أطاح بالفعل بالعشرات من الأعداء في طريقه ، ومعظمهم لم يتجاوزوا رتبة «المبتدئ». كان جُلُّ الغزاة إما مبتدئين أو في أفضل الأحوال من رتبة «المتدرجين» ذوي المستويات الدنيا ، ولم تكن القلة التي تفوقهم رتبة تسعى للنصر ، بل كانت مهمتهم تعتمد على «المماطلة» وإضاعة الوقت ، لإشغال أسياد الأكاديمية. ومعظم الأسياد الذين انضموا إلى هذه البعثة كانوا في رتبة «الأستاذ» ، بل إن «سورين» نفسه لم يتجاوز ذروة رتبة «الأستاذ».
كان موقع «أزيل» يقع بالقرب من المركز ، وكلما اقترب «ألدن» من هناك ، تزايدت أعداد متعاقدي الشياطين ، مما زاد من وتيرة استعجاله ؛ إذ تحتم عليه الوصول إلى «أزيل» في أقرب وقت. وفجأة ، برز شخصان من الظلال ؛ كانا من «المبتدئين متوسطي الرتبة» ، يتبعان استراتيجيه الكمائن.. لكنهما كانا أبطأ من أن يدركا.
لم يلتقط «ألدن» أنفاسه حتى ، بل تلاشى في ظله الخاص ، وظهر خلفهما في لحظة خاطفة. فضربة واحدة ؛ فتدحرج الرأسان على الأرض بصوت مكتوم ، ولم يتوقف «ألدن» عن خطواته ؛ فقد كانوا ضعفاء. حيث كانت المجموعة التي تهاجمهم مجرد طائفة أخرى من الطوائف منخفضة المستوى المنتشرة في أرجاء الإمبراطورية ، ومعظم أفرادها تعاقدوا مع شياطين دنيئة ، لذا لم يشكلوا أي تهديد ، ولم يستحقوا حتى نظرة ثانية.
وصل «ألدن» سريعاً إلى موقع «أزيل» ورأى المشهد: «أزيل» فاقد للوعي ، جسده مغطى بالدماء ، لكنه لم يُصب بأي جروح. حيث كانت «سيسيليا» تعلوه ، تلفُّ ذراعيها حول جسده بإحكام. وفي الجهة المقابلة ، وقف شخص يرتدي رداءً ، نصف وجهه مغطى بقناع بينما فمه مكشوف ، لكن «ألدن» استشعر القوة التي تشع منه ؛ إنه من رتبة «المتدرج المتقدم».
لقد كان قوياً ، وأطلق كرة ضخمة من الطاقة السوداء المشؤومة نحوهم.
«اللعنة!»
فعّل «ألدن» مهارة «خطوات الظل» فوراً ، فذاب جسده. وقبل أن تلامس الكرة أهدافها ، ظهر «ألدن» ممدداً ذراعه:
[تفعيل مهارة: روح الهاوية]
اصطدمت الكرة بيده... ثم تلاشت. و شعر «ألدن» بوطأة الارتطام ، وانخفض رصيد طاقته (المانا) بشكل حاد نتيجة امتصاص تلك الطاقة. تلاشت الابتسامة عن وجه الرجل ذي الرداء ، وتمتم بذهول: «أنت... كيف تصديت لذلك ؟»
لم يرد «ألدن» ، بل قال لـ «سيسيليا» دون أن يلتفت: «سأتكفل أنا به ، خُذي أزيل واهربي».
حاولت «سيسيليا» الاعتراض: «لكن...» ، لكن «ألدن» لم ينوِ الاستماع.
«أنا لا أطلب ، بل آمر. و لدي طريقتي الخاصة للخروج ، وسأشغله عنكِ».
لم يكن بوسعه تشتيت انتباهه ؛ فالعدو يتفوق عليه بمستوى كامل. فعّل «ألدن» [نطاق الروح] و[عين العلياء] ، فاتسعت حواسه. و شعر بـ «سيسيليا» وهي تحمل «أزيل» وتغادر على مضض ، قائلة: «سأعود... ومعي المساعدة».
لم تغب عينا «ألدن» عن الشخص ذي الرداء قط. ظل العدو صامتاً طوال ذلك الوقت ، ولم يحاول حتى مهاجمة «سيسيليا» الهاربة ، بل ارتسمت على شفتيه الظاهرتين ابتسامة ساخرة: «تبدو مثيراً للاهتمام يا بني. كيف أوقفت هجومي ذاك ؟»
نظر إليه «ألدن» للحظات ، يحلل الموقف ؛ لا أسلحة ظاهرة ، لا دروع ثقيلة ، على الأرجح هو ساحر أو مغتال.
«إن لعبتُها بذكاء ، يمكنني هزيمته. بوسعي فعل ذلك فقط أحتاج لاستغلال قدراتي جيداً».
ركز «ألدن» ذهنه بالكامل على عدوه:
[تفعيل مهارة: قلب الفراغ بقوة]
تلاشت كل الأفكار غير الضرورية. «لا يمكنني الفوز في مواجهة مباشرة».
استخدم «ألدن» خطوات الظل ليظهر خلف الرجل ذي الرداء ، وبرق سيف «الكاتانا» الخاص به.
[قطع الخراب]
أطلق مهارته ، شقّ السيف الهواء بحدة قبل أن يصطدم بحاجز تجسد من العدم.
«لماذا أنت فظ يا بني ؟ تهاجمني مباشرة بدل الإجابة» ، استدار الرجل ذو الرداء.
لم يجب «ألدن» ، فهو لم يأتِ لتبادل أطراف الحديث ، بل كان ينتظر اللحظة المثالية. تراجع إلى الخلف ؛ فدفاع العدو قوي ، ومن وقع الصدمة شعر «ألدن» أن دفاعه قوي بشكل غير طبيعي ؛ لم يستطع اختراقه كان أقوى مما ينبغي لمتدرج من رتبته. «هل هي أداة سحرية ؟»
توالت هذه الحسابات في ثوانٍ ، وتشكّلت خطة في عقل «ألدن». كان الأمر ليكون سهلاً لو استخدم «كسر الحدود» ، لكنه قرر عدم فعل ذلك. المكان يغصُّ بمتعاقدي الشياطين ، ولا يدري متى يظهر غيرهم ؛ ولو استخدم تلك المهارة سيصبح كمن «يرمي بنفسه في التهلكة».
أرخى «ألدن» وقفته ، وخبت بريق عينيه قليلاً ، ليؤدي دور «الطالب المتهور اليائس».
تغيرت تعابير الرجل المقنع ، والتوى وجهه قائلاً: «لا بأس إن لم ترد الحديث الآن ، سأسألك حين أُمزق أطرافك واحداً تلو الآخر».
بمجرد نطق تلك الكلمات ، تلاشى الرجل المقنع وظهر مباشرة أمام «ألدن» ، ماداً يده ليسدد لكمة. استشعر «ألدن» الهجوم عبر [نطاق الروح] و[عين العلياء] ، لكنه لم يتفاعل حتى اللحظة الأخيرة.
حين اقتربت القبضة لتصيبه ، حاول تفاديها بشكل مرتبك. أصابته اللكمة ؛ فقد انحرفت الضربة التي كانت موجهة لضلوعه عن مسارها قليلاً ، مما جعل «ألدن» يطير للخلف كأنه دمية خرقة ، ليصطدم بعمود وسط دويٍّ عالٍ. كان «ألدن» قد استخدم ظله ليخفف وطأة السقوط قدر المستطاع.
كانت اللكمة قوية ، لكنها لم تسبب ضرراً كبيراً. فلم يكن ارتباك «ألدن» بلا سبب ؛ فقد أزاح أعضاءه الحيوية بعيداً عن منطقة التأثير ، بل إنه تلقى تلك اللكمة التي كانت بإمكانه تفاديها عمداً. حيث كانت مقامرة ؛ فلو هبطت اللكمة على بُعد سنتيمترات أقرب إلى قلبه لتعرض لإصابة تمنعه من المتابعة. و لكن في بعض الأحيان ، تكون المخاطرة هي الطريق الوحيد للنصر.
كانت غايته من ذلك أن يجعل العدو يتراخى ويقلل من حذره ، وبقبوله لتلك اللكمة ، نجحت خطة «ألدن». تحولت تعابير العدو إلى خيبة أمل وهو يمشي نحو «ألدن» الذي بالكاد يجثو على ركبتيه ؛ فقد بدأ يستهين به.
سعل «ألدن» دماً ، لكنه ابتسم في قرارة نفسه.
«أقرب قليلاً فقط...»