[وجهة نظر أميرة]
كنتُ جالسة في حقلٍ تملؤه زهورٌ لا نهاية لها. حيث كان المشهدُ بديعاً ، لكنَّ هناك ما هو أكثرُ سحراً وفتنةً ؛ كان هو هناك ، حبيبي.
كان يلهو مع طفلينا ، يركضُ بخطواتٍ وئيدةٍ متأنيةٍ بينما يطاردهُ طفلان صغيران. طفلانا ؛ صبيٌ وفتاة كانا انعكاساً مصغراً ومثالياً لنا. حيث كانا يبتسمان ببهجةٍ غامرةٍ حين يدعهما تدركانَه ، فيرفعهما إلى الهواء واحداً تلو الآخر ويدور بهما.
كنتُ أراقبُ المشهد وكأنه لوحةٌ فنية ؛ دافئةٌ وأبدية. حيث تمنيتُ لو يتوقفُ الزمنُ هكذا إلى الأبد. ثم التفتَ نحوي ، لانت ملامحُ عينيه القرمزيتين ، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ عابثة.
قال وهو يقترب "جاء دوركِ الآن أيتها الأميرة ".
قبل أن أنبس ببنت شفة ، شعرتُ بجسدي خفيفاً كالريشة ، فقد رفعني بين ذراعيه وكأنني قطعةٌ من نفائس الجواهر. خفق قلبي بقوة ، وتلاشت خلفه تفاصيلُ الحقلِ والسماءِ والأطفال ؛ فقد كنتُ غارقةً في نظراته. ضحكتُ ، ضحكتُ من أعماقِ قلبي ، بينما تذمرَ طفلانا بملامحَ بالغةِ المبالغة:
- "بابا يغشُّ مجدداً! "
- "أنزل ماما! "
أما "ألدن " فقد رمقني بابتسامةٍ عريضةٍ وهو يقول "هل تستمتعين بذلك ؟ ".
أومأتُ برأسي ووجهي يشتعلُ حمرةً ، فقال "إذن ، دعينا نزيدُ الأمرَ روعةً " ثم أنزلني برفقٍ واقترب مني قائلاً "دعينا نُتِمَّ ودادنا كما ينبغي ".
اقتربت شفتاه من شفتي لم يفصلنا سوى نَفَسٍ واحد. أغمضتُ عينيَّ ، كنتُ أعلمُ أنَّ هذا حلمٌ ، حلماً يراودني كثيراً ، ودائماً ما ينتهي عند هذه اللحظة ؛ حيث يحاولُ تقبيلي. فكنتُ أرغبُ في أن يستمر ، لكنه كان يتحطمُ دائماً ، وينتهي دوماً.
لكن هذه المرة... كان ثمة خطبٌ ما. لم يتحطم العالم ، ولم أستيقظ. بدلاً من ذلك شعرتُ بتغيرٍ في الهواء ، تحولت الحرارةُ إلى صقيعٍ قارص ، وتلاشت ضحكاتُ الأطفالِ الرقيقة. و أدركتُ أنَّ هناك شيئاً مريباً ، ففتحتُ عينيَّ.
كان ما زالُ هناك ، لكنَّ ابتسامته تجمدت ؛ كانت واسعةً أكثر من اللازم وساكنةً بشكلٍ مريب. تحولت حدقتاه القرمزيتان إلى سوادٍ دامسٍ ومفرغ. همسَ بصوتٍ مشوه "أحبكِ ؟ أميرة أنتِ لا تستحقين قولَ ذلك ولا تستحقين أيَّ شيءٍ على الإطلاق ".
توقفَ نَفَسي في حنجرتي. تلاشت رائحةُ الزهورِ وحلَّ محلها دخانٌ خانق ، وأظلمت السماء. تحولت بتلاتُ الزهورِ حولي إلى رمادٍ يتفتتُ بمجردِ لمسي له. اختفى الأطفالُ واختفى الحقل ، وحلَّت مكانها أرضٌ متشققةٌ تغطيها الجثثُ والعظام.
- "لا... " همستُ بوجلٍ وارتجاف.
كانت يداه لا تزالان تمسكان بيديَّ ، لكنَّ ملمسهما كان غريباً ؛ بارداً وبلا حياة.
- "لقد تركتِني أموتُ أيتها الأميرة ".
لا... لا ، هذا مجرد حلم. و مجرد حلم ، يجبُ أن أستيقظ.
لكن صوته أصبح يصدرُ من كل مكان ؛ حولي ، بداخلي ، وتحتي:
- "لقد وقفتِ تراقبينهم وهم يمزقونني إرباً ".
- "أنتِ من قتلتِني ".
- "هل تذكرين صرخاتي ؟ "
- "لا... لا ، لقد حاولتُ... " حاولتُ الردَّ ، لكنه قاطعني "لقد فشلتِ ".
انشقت الأرضُ من تحتي ، وبرزت أيدٍ كثيرةٌ من جوفها ؛ كانت كلها مألوفة كانت يداه ، عشراتِ الأيدي و كلها مكسورةٌ ومخضبةٌ بالدماء.
- "لم تنقذيني قط... "
بدأ جسده يذوبُ في الظلال ، لكنَّ تعبيراته لم تتغير ؛ ظلَّ محتفظاً بتلك الابتسامةِ المتجمدةِ الجوفاء. لم يعد صوته صوته ، بل أصبح شيئاً آخر ؛ شيئاً قاسياً وأزلياً ، شيئاً لا ينتمي لهذا العالم.
- "أنا أكرهكِ أيتها الأميرة ".
- "سأظلُّ أكرهكِ إلى الأبد ".
كنتُ أعلمُ أنه حلم ، لكنني لم أرد منه أن يكرهني. حاولتُ الصراخ ، أن أخبره بأنه كلُّ دنيتي ، لكنَّ صوتي أبى الخروج. خررتُ على ركبتي كانت الأرضُ تنبضُ تحتي كقلبٍ خافق ، ولم أعد قادرةً على التنفس.
- "لقد فعلتُ كلَّ شيءٍ من أجلك " استطعتُ قولَ تلك الكلمات.
عندها تغير المشهدُ مرةً أخرى ، ووجدتُ نفسي في ساحةِ المعركةِ مجدداً.
- "ابقي هنا " همست الأصوات. "ابقي حيث الجمال. حيث الأكاذيبُ عذبة. ابقي معي ".
برزت أيدٍ من الأرضِ وأمسكت بي ، تحاولُ سحبي إلى الرماد. لم أقاوِم ، ولم أرد ذلك.
- "أمـ...ـيرة... " همسَ بآخرِ نَفَس.
لم يكن ذلك الصوتُ يحملُ كراهيةً الآن ، بل كان صوتاً متعباً ، يتلاشى... ثم حلَّ الصمت.
***
انتفضتُ مستيقظةً. حيث كان العالمُ هادئاً كما هو الحالُ دائماً. فكنتُ في غرفته ، وجسدي غارقٌ في عرقٍ بارد ، وتنفُّسي مضطرب ، وأصابعي ترتجف. و نظرتُ حولي ؛ لا نيرانَ ولا دماء ، فقط غرفةٌ هادئة. و نظرتُ إلى الفراش كان "ألدن " نائماً بسلام ، فروحه لم تعد من التجربةِ بعد. و بالطبع لم تعد.
تجمعت الدموعُ في عينيَّ ، وهذه المرة لم أستطع كبحها.
- "أرجوك... " همستُ. "لا تتركني مجدداً. لا تكرهني ، فأنا لا أرغبُ في العيشِ في عالمٍ يخلو منك ".
لكنَّ الغرفة لم تجبني. حيث كان الحلمُ قد تلاشى كما يحدثُ دائماً. فلم يكن حقيقياً كان مشوهاً ؛ وهذه الرؤى لم تكن نادرةً بالنسبة لي ، بل كانت نتيجةَ "الكارما " الخاصة بي ؛ عقاباً حُفر في روحي لمحاولتي تحدي القدر.
لكن هذه المرة... كان ثمة شيءٌ مختلف. و نظرتُ إلى "ألدن " مرةً أخرى ، لكني لم أمدَّ يدي إليه ، ولم أحاول التشبثَ بدفءٍ ليس ملكي. و بدلاً من ذلك أخرجتُ دفترَ ملاحظاتٍ من خاتم التخزين الخاص بي ؛ الدفترُ الذي دونتُ فيه كلَّ ما لم أستطع البوحَ به له. قلبتُ الصفحاتِ المليئة بكلمات "أحبك " و "أنا آسفة " وأضفتُ سطراً جديداً "اجعله يبقى ".
أغلقته برفق. سأطلبُ منه ذلك ليس من أجلِ الحب ، بل من أجلِ الوقت. حتى لو كان وقتاً مُشترى حتى لو كان مُستعاراً ، أو حتى لو كان زائفاً. فقط لفترةٍ أطول قليلاً... دعني أتظاهرُ بأننا بخير.
***
حتى إن لم تكن تحبني ، وحتى إن كنتَ لا تعرفني ، ابقَ معي فحسب. أعلمُ أنني أنانية... لكنني لا أستطيع العيشَ بدونك يا عزيزي ، ليس في هذا العالمِ الزائف.
***
مشيتُ نحو حيث ينام ، وكانت عيناي لا تزالان تفيضان بالدموع ، لكنَّ ملامحي كانت متماسكة. أمسكتُ بيده برفقٍ وقلت "لن تتركني وحيدةً هذه المرة... أليس كذلك يا عزيزي ؟ ".
في تلك اللحظة ، ارتعش جسدُ "ألدن ". غلفه ضوءٌ ساطعٌ وانبعثت منه طاقةٌ مشؤومة. تحركتُ على الفور ؛ انتشر نطاقي ليغلفَ تلك الهالةَ في الداخل. فكنتُ أنتظرُ هذه اللحظة ، ولم يكن بوسعي السماحُ لأحدٍ باستشعارِ هذه الطاقة.
في تلك الأثناء ، فُتحت عينا "ألدن " القرمزيتان فجأة ؛ كانتا هادئتين ، حائرتين ، وبعيدتين. و نظر إليها وقال:
- "...أميرة ؟ "