Switch Mode

سجلات المنسيين الإضافية 135

لغز لؤلؤة الروح ؟+


اندفع "ألدن " خارج قاعة التدريب ، متجاهلاً نظرات الآخرين الثقيلة التي تلاحقه. فلم يكن يكترث في الواقع بما يعتقده هؤلاء عنه ، ولِمَ قد يفعل ؟ فهم ليسوا بتلك المكانة المرموقة ، وحتى لو كانوا كذلك فإن ذلك لم يكن ليضايقه. بيد أن ما أثار قلقه حقاً هو المتاعب التي قد تجلبها له هذه الحادثة البسيطة.

وفقاً لما يعرفه ، فإن الإمبراطور يخص "أميرة " بأكبر قدر من الدلال دوناً عن بقية أبنائه ؛ الأمر الذي جعلها عرضة للكثير من محاولات الاغتيال من قِبل إخوتها الحاقدين. ولعل هذا هو أحد أسباب برود مشاعرها في معظم الأوقات. و لكن كان عليه أن يتقبل الأمر ، فهو لم يتوقع أبداً في أشد أحلامه جموحاً أن تكون ردة فعل "أميرة " على هذا النحو. هل كانت هذه شخصيتها الحقيقية ؟ تلك التي توارت خلف قناعها البارد ؟ لقد تقبل فكرة أن الجميع يمتلكون شخصيات مغايرة تماماً عما ذُكر في الرواية ، أو ربما... قد وقعت في حب وسامتي ؟

سرعان ما طرد "ألدن " أفكاره النرجسية ؛ فلا يهم ذلك الآن. ما يهم هو كيف سينجو من هذه الورطة ؟ ربما يرسل الإمبراطور قتلةً للتخلص منه.. لا ، سيكون ذلك مبالغاً فيه جداً ، أنا فقط أفرط في التفكير.. أليس كذلك ؟

غارقاً في أفكاره ، وصل "ألدن " إلى غرفته في السكن الجامعي ، وانغلق الباب خلفه بضغطة مسموعة. دخل غرفته وجلس على سريره ، وعقله ما زال في حالة من الفوضى. "تباً " فلحظة تلامس شفتيه مع "أميرة " كانت تتكرر في ذهنه مراراً ، والأسوأ من ذلك هي تلك النظرة البريئة في عينيها التي ظلت تتراءى له أيضاً.

أولاً "نيكس " ثم هذه الكارثة ، والآن ؟ الآن أصبح نصف الطلاب النخبة مستعدين لاستخلاص استنتاجاتهم ، بينما يخطط النصف الآخر على الأرجح لإعدامه علناً. حيث كان من المسلم به أن الإمبراطور سيقتله. ومع ذلك.. لمس شفتيه برفق ، فبرغم تلاشي الدفء والمذاق الحلو إلا أنه كان ما زال يشعر بهما. انتابه شعور مألوف ، لكنه نحّاه جانباً. "تباً لم أعد أحتمل ، عليّ تهدئة عقلي بطريقة ما ".

بقول ذلك ثم دخل إلى غرفة تدريبه الشخصية. "أحتاج فقط إلى إجهاد جسدي حتى يهدأ عقلي ". وبمحض الصدفة كان سوار كبت المانا التي منحته إياه "أميرة " قبل بدء النزال ما زال معه ، فقد نسي خلعه قبل اندفاعه خارج القاعة. حيث كانت أساور كبت المانا باهظة الثمن ، وما قدمته "أميرة " لم يكن صادراً عن الأكاديمية ، بل كان ملكية خاصة لها.

هل كان "ألدن " سيعيده ؟ لا. ولِمَ قد يفعل ؟ سيعتبره ثمناً لموافقته على النزال ، كما أنها لن تبالي بالأمر على أي حال. قرر أن يتدرب بينما يكبت المانا الخاصة به. حيث كان هذا السوار أكثر تطوراً من ذلك الذي استخدمه ضد "نيكس " فكان لهذا السوار وظيفة إضافية ؛ وهي القدرة على زيادة الوزن الذي يشعر به الجسد بالكامل. تعمل أساور كبت المانا العادية ببساطة ؛ إذ لا تكبت النواة ، بل تمتص المانا من جسد المستخدم مؤقتاً ، لكن هذا السوار يمكنه استخدام المانا الممتصة لزيادة وزنه.

كان هناك قرص صغير في السوار ، أداره "ألدن " وفجأة.. انضغط جسده بالكامل نحو الأرض. "تباً! " لعن "ألدن " ؛ فقد أخطأ بزيادة القرص أكثر من اللازم ، لدرجة أن عظام جسده بدأت تصدر صريراً تحت وطأة الوزن الذي تضاعف عشر مرات على الأقل. حاول تحريك يديه نحو السوار ليعيد ضبطه وجعله خفيفاً ، لكنه لم يستطع حتى رفع ذراعيه.

"هل هكذا سأموت ؟ بسوار تافه ؟ يا لها من طريقة سخيفة للموت! ".. حسناً ، يجب أن أتوقف عن المبالغة. حيث كان "ألدن " يمزح مع نفسه ؛ فهو لن يموت ، فهذا السوار يحتوي على ميزة أمان وُضعت لأمثاله من الحمقى ، لذا سينطفئ تلقائياً بعد فترة ، وعليه فقط الصمود قليلاً.

في تلك اللحظة حدث شيء غير متوقع ؛ بدأ شيء ما يحدق في جيبه ، وتسرب ضوء أسود نذير بالشؤم من هناك. و شعر "ألدن " بشيء يطفو ، ثم وبصوت "وشيش " طار شيء ما للخارج. "ما الذي يحدث ؟ " لقد كانت لؤلؤة الروح! "هل بدأت في الاستيقاظ أخيراً ؟ " شعر "ألدن " بالحماس وهو يراها ، حيث طفت اللؤلؤة أمام ذراعه التي ترتدي السوار. ظلت طافية بصمت قبل أن يتلاشى الوزن عن جسده فجأة.. ليس لأن السوار توقف ، بل لأن شيئاً آخر قد حل محله.

تفاقم وهج لؤلؤة الروح إلى نبض أسود كالفراغ ، ثم انبثق من اللؤلؤة فم ملموس مكون من الطاقة. و اتسعت عينا "ألدن " وهو يراقب فم الطاقة الأسود يتمدد ويلتهم السوار في لقمة واحدة. بلا مقاومة ، وبلا انفجار ، ببساطة.. تلاشى السوار. لم يُمسّ أي جزء من جسد "ألدن " ولم تتأثر شعرة منه ، فقد التهم الكيان ما أراده فقط.. ولسبب ما كان ذلك هو السوار.

حامت اللؤلؤة للحظة ، ثم ترددت في عقل "ألدن " صدى صوت خافت.. كان من الصعب اعتباره صوتاً ، بل كان أشبه بخيوط من المشاعر "خـ...ـطـ...ـر.. أمان.. جـ..ـائع ".

تلاشت الطاقة السوداء المشؤومة ، وتوهجت اللؤلؤة مرة واحدة ، وبصوت "وشيش " خافت عادت بنعومة إلى جيبه ، وعاد الصمت من جديد. اعتدل "ألدن " في جلسته ببطء وهمس "ما الذي كان ذلك بحق الجحيم ؟ ". أخرج "ألدن " لؤلؤة الروح من جيبه ؛ لم يتغير شيء ، ظلت اللؤلؤة السوداء كما هي ، لكن "ألدن " لاحظ شيئاً مختلفاً ؛ فقد تغيرت الخطوط الرونية الخضراء على سطحها قليلاً ، وتحرك النمط وازداد الوهج حدة. حتى لو كان ذلك لفترة وجيزة ، فقد شعر "ألدن " بشيء عتيق في الطاقة التي أطلقتها اللؤلؤة. ما تلك الطاقة ؟ لم تكن المانا عادية بالتأكيد ، بل بدت عتيقة.. ومشؤومة.

ركز "ألدن " مجدداً على لؤلؤة الروح ، نظر إليها وهي ساكنة ، لكنه أدرك أن شيئاً قد تغير ، فقد كان يشعر بذلك.

***

برغم تلاشي الوهج الأسود وعودة لؤلؤة الروح إلى حالتها السابقة إلا أن هناك شيئاً بدا مختلفاً. قلب "ألدن " الكرة الملساء الداكنة في كفه ببطء. حيث كانت الرونية الخافتة على سطحها تبدو أقل وهجاً من ذي قبل ، لكنها كانت لا تزال حية.. تنبض مثل نبضات القلب. ترددت تلك الكلمات المجتزأة في عقله "خـ...ـطـ...ـر.. أمان.. جـ..ـائع ".

لم يكن صوتاً حقيقياً لم تلتقطه أذناه ، بل كان شيئاً أعمق وفطرياً ، شعر به أكثر مما سمعه. ضيق عينيه وهمس مجدداً "خطر.. أمان.. جائع ". لم يكن النمط عشوائياً كان ذلك واضحاً. "خطر ".. لابد أنها أشارت إلى ضغط السوار ، تلك القوة الجاذبية المضاعفة عشر مرات التي سحقته ضد الأرض. لابد أن لؤلؤة الروح قد فهمت وزن السوار على أنه خطر ، فهي تعرف.

مما شرير.. "هل هي مرتبطة بي ؟ " همس "ألدن ". لا ، لا يمكن أن يكون ذلك فالأرواح لا ترتبط أو تُعاقد إلا بعد ولادتها ، واللؤلؤة لم تفقس بعد. إذن ما هي ؟ والأهم من ذلك كيف سمعتها في عقلي إن لم تكن مرتبطة بي ؟ تشكلت نظرية مجنونة في عقل "ألدن ": ماذا لو كانت الروح قد وُلدت بالفعل وتظل داخل تلك اللؤلؤة لسبب ما ؟ بدت تلك الفكرة جنونية ، لكنها الوحيدة التي بدت منطقية.

لم تكن هناك أوامر ، ولا استدعاء ؛ فقد تصرفت لؤلؤة الروح من تلقاء نفسها تماماً. ذلك الفم -أياً كان- ظهر بنية مبيتة ، ليست طاقة عمياء ، بل هدفاً محدداً. و لقد استهدفت السوار ، والسوار فقط ، بلا دمار إضافي ، وبلا أضرار جانبية ؛ دقيقة وفعالة. ثم.. "جائع ". كانت هذه الكلمة الأخيرة هي الأكثر إزعاجاً. الطاقة التي استخدمتها لم تكن مجانية. و نظر إلى اللؤلؤة مجدداً ؛ كانت خامدة الآن ، ولم تعد الرونية تنبض بنفس الضوء الشرس. هل استهلكت طاقتها المخزنة لحمايته ؟ وهل لهذا قالت إنها.. جائعة ؟ هل كان هذا نوعاً من آلية الدفاع التلقائية ؟ شيئاً مرتبطاً برابطة ما ؟

ربما استشعرت أن حياته في خطر فتدخلت. حيث كان الأمر خفياً ، ولكن الآن بما أن "ألدن " يركز كان بإمكانه الشعور بشيء آخر. طاقة خافتة.. ليست من لؤلؤة الروح ، بل من داخله هو. أقسم أنها لم تكن موجودة من قبل ، كأن خيطاً قد رُبط بينهما ؛ ليس مشدوداً ، لكنه موجود. خامد.. ينتظر.

***

في مكان آخر داخل قصر فخم كانت فتاة تحتسي الشاي بهدوء ، وتعبيرات وجهها لا مبالية ، كأنها لا تكترث لأي شيء في هذا العالم. حيث كان شعرها الأحمر ناعماً كأنه نهر من الدم ، وعيناها اللوزيتان تبدوان كأن النار تشتعل في أعماقهما. و في تلك اللحظة ، ظهر ظل داخل الغرفة دون أدنى اضطراب ، وركع على الأرض.

"آنسة شابة ، لقد عرفت أخبار ذلك الصبي " قال الظل باحترام ، وناولها ملفاً.

تصفحت الفتاة ذات الشعر الأحمر الملف كاملاً ، وبعد أن انتهت تمتمت "أكاديمية النجمييس ، أليس كذلك ؟ " كانت نبرة صوتها مشوبة بالتسلية. "جهزي الترتيبات ؛ سأحضر إلى الأكاديمية.. ربما كطالبة منتقلة " قالت ذلك قبل أن تنهض من مقعدها.

"آنسة شابة ، سيكون ذلك صعباً " قال الظل باحترام.

أجابت الفتاة بعد فترة وجيزة من الصمت "اطلب من الجد.. أخبره أنه إن لم أستطع الذهاب إلى الأكاديمية ، فلن أتحدث معه ".

تردد الظل قليلاً قبل أن ينحني قائلاً "كما تأمرين ".

تلاشى الظل بصمت كما ظهر تماماً.و حيث بقيت الفتاة ذات الشعر الأحمر وحدها في الغرفة وابتسمت قليلاً "آمل أن تصبح الأمور مثيرة للاهتمام لبعض الوقت ".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط