شاهدت نادين جدتها وهي تحلق عالياً، مبتعدةً أكثر فأكثر في كبد السماء.
وقبل أن تخترق السحب مباشرة، استدارت "راني" لتلقي على حفيدتها نظرة وداعية أخيرة.
كادت نظرة الغضب والحنق في عيني جدتها أن تكسر قلب نادين، فوجدت نفسها تغض بصرها، عاجزة عن مشاهدة آخر قريب لها على قيد الحياة وهو يتلاشى من عالمها.
لفترة طويلة، كانت "راني" هي الركن الدافئ الوحيد في حياة نادين الأسرية، والذكرى الطيبة التي تستمتع بها بالفعل. كانت تطلعاتها لرؤية جدتها نادرة، ولكن في المناسبات القليلة التي تسنى لها ذلك، تذكرت أن جدتها كانت لطيفة، ورغم توترها الملحوظ أحياناً، إلا أنها كانت رقيقة كرقة غروب الشمس في سماء الخريف.
أزعج نادين شعورها بأنها خيبت أمل شخص كان يعني لها الكثير، شخص لم تعلم إلا مؤخراً أنه لا يزال على قيد الحياة.
ومع ذلك، فقد وضعت نادين حداً حاسماً لموقفها بصعوبة بالغة؛ إذ أصبحت عائلتها هي كل عالمها الآن، ولن تتخلى عنهم أبداً، لأي شخص أو أي شيء.
"ربما كان عليّ أن أتعامل مع الأمر بحكمة أكبر.. أنا آسف".
أطرقت نادين بنظرها خلفها لتجد زوجها يبدو في حالة مزرية لا تليق بسيد شياطين.
"نعم، كان بإمكانك ذلك"، أعادت نادين نظرها إلى السماء، "لكنك لم تكن السبب في جعل ذلك الوضع مسدوداً وميؤوساً منه".
وضع مالاشي يده على قفاه، وتمتم: "أنا..."، بدأ يتحدث قبل أن يتبلور في ذهنه ما يريد قوله حقاً.
حدقت نادين في السماء للحظة أخرى، ثم مدت يدها بهدوء وشبكت أصابعها بأصابع زوجها.
"مهما حدث.. لن أندم على مطاردتكَ عبر تلك البوابة".
بدا أن الغصة التي كانت تخنق مالاشي قد تلاشت مع كلماتها، فقال: "حتى لو لم تفعلي، أعتقد أنني كنت سأعود لأجدكِ".
"أجل، صحيح"، ضحكت نادين ومسحت دمعة عصية من عينها، "لم تكن تطيقني عندما التقينا لأول مرة، فقد كنتُ لا أعرف للحدود معنى".
"ما زلتِ لا تعرفينها، وهذا أكثر ما أحبه فيكِ الآن".
"اصمت!"، تحولت ضحكة نادين إلى نبرة أكثر إشراقاً وجرأة، وهو أمر شعر مالاشي بارتياح عظيم لسماعه.
ولم يكن هو الوحيد الذي شعر بذلك.
"هذا صوت يبعث على التفاؤل.. كنتُ قلقة من أنني لن أتمكن من سماعه لفترة طويلة".
لفت "آنا" ذراعيها حول نادين من الخلف؛ فاحمرّ وجه مصاصة الدماء خجلاً وهي تستمتع بدفئها.
"أردتُ فقط أن أقول إنني أعلم كم كان صعباً عليكِ قول كل ذلك، ولكنني سعيدة جداً لأنكِ فعلتِ"، قبلت آنا رقبتها بحرارة، "ولكي تعلمي، أنا سعيدة لأنكِ لا تدركين معنى الحدود؛ فلا شيء أجمل من أن تُغني لي بينما أقضي حاجتي".
"هذا لطف منكِ يا أناليز-".
"يا للقرف!"، هتف صوت خافت.
نظر الثلاثة إلى الأسفل ليجدوا "شيرو" وهي ترسم على وجهها تعبيراً مشمئزاً، بدا لطيفاً بقدر ما كان جاداً.
"أردت أن أسأل إن كانت أمي بخير، لكنكم هنا تتصرفون بشكل مقزز"، وأخرجت شيرو لسانها مداعبة.
ضحكت نادين بخفة، ثم انحنت وحملت ابنتها برفق: "أوه، هذا هو الحب يا صغيرتي. سيأتي يوم تجدين فيه شخصاً ترغبين في أن تكوني معه على طبيعتكِ تماماً".
"انتظر لحظة من فضلك..."، بدأ مالاشي حديثه، لكن نادين وآنا وكزتاه في خاصرتيه معاً.
"بله"، أخرجت شيرو لسانها مرة أخرى.
"هذه هي فتاتي!"، رفع مالاشي إبهاميه مشجعاً، لتقوم نادين وآنا بضربه مجدداً.
نظرت شيرو نحو والدها المثقل بالكدمات وقالت: "قالت أمي إنه يجب عليكم الاستعداد وإلا ستتأخرون عن اجتماعكم".
رمش مالاشي بعينيه: "يا إلهي، هذا صحيح.. لكن الجبل-".
نظر نحو الفتحة الآخذة في الاتساع بالسقف، حيث كانت أخته و"عائشة" تستخدمان سحراً معقداً بالكاد يستطيع فهمه لمنع المكان من الانهيار عليهما.
رأته "جوان" وهو يحدق بها، فغمزت له وكأنها تقول: "أرأيت؟ يمكنني أن أكون لطيفة معك أحياناً".
شعر مالاشي بلمسة رقيقة من شفتين على خده، والتقت عيناه بعيني نادين التي كانت تحدق به بفيض من الحب.
"أراكَ عندما تعود؟".
كان مالاشي يظن أن نادين لا تدرك أبداً مدى صعوبة الأمر عليه، فأجاب: "...أجل، سأراكِ عندما أعود".
***
أغلقت "أوبال" باب مكتبها بفخذها وهي تدخل، وكعادتها كانت ترتدي ملابس في غاية الأناقة؛ حلة سوداء مع حذاء ذي كعب عالٍ بنعل أحمر، وهو حذاء كلفها للأسف مبلغاً طائلاً.
بعد دخولها، زفرت تنهيدة عميقة واتجهت نحو مكتبها، ألقت بالملف الذي كانت تحمله فوق السطح الخشبي ثم ارتمت على كرسيها.
تنهدت "أوبال" مجدداً وقالت بنبرة حانقة: "لماذا تجشمت عناء قبول هذه الوظيفة اللعينة...؟".
كان من الواضح أنها لا تحتاج إلى إجابة، فهم من طلبوا منها ذلك في نهاية المطاف. لم تكن "أوبال" ترى نفسها امرأة سهلة المنال، ولم تظن يوماً أنها من النوع الذي ينجذب للآخرين بسهولة.
ومع ذلك، بدأت تدرك مؤخراً وجود انجذاب حقيقي، ولم تعد مغازلتها المرحة في البداية مجرد تسلية.
فتحت "أوبال" درج مكتبها وأخرجت مرآة مكياج يدوية، فتحت الغطاء وتفحصت ملامحها بعناية، ثم ارتسمت على ثغرها ابتسامة ساخرة مفعمة بالغطرسة.
قالت لنفسها وهي تزيح خصلات شعرها التي لم يعد لها أثر إلى الخلف بحركة غريزية: "...إنهم يعلمون يقيناً أنهم يريدونني".
"مغرورون بعض الشيء، أليس كذلك؟"، قال صوت غريب.
استبد الرعب بعيني "أوبال" عندما رأت انعكاس رجل مألوف يظهر في مرآتها. استدارت بلمح البصر، وبرزت مخالب إحدى يديها بينما استقرت الأخرى على مسدسها القريب.
لكنها لم تجد أحداً خلفها حين استدارت.
"اهدئي يا عزيزتي، لا نريد إفساد مكياجك قبل يومك الكبير، أليس كذلك؟".
ابتلعت "أوبال" ريقها وهي تتراجع نحو مكتبها. داخل مرآة المكياج، كان يقف بجانبها تماماً رجل رأته في اجتماعات لا حصر لها.
كان فارع الطول، ووسيماً إلى حد كبير بشهادة كل من رآه؛ يتمتع ببشرة سمراء بلون "الموكا" مشدودة فوق عظام وجنتين بارزتين وبنية جسدية صلبة. وتتدلى حلقة ذهبية من أنفه، منحت ملامحه قوة توحي بالثبات كالثور.
التقت عيناه العنبريتان الحادتان بعيني "أوبال" الخضراوين وهو يبتسم لها ابتسامة ودودة.
"لم يسبق لنا أن تعارفنا بشكل رسمي، أليس كذلك يا عزيزتي؟ اسمي سايروس كينكيد، ولكن... لسبب ما أعتقد أنكِ تعرفين ذلك مسبقاً".
شددت "أوبال" قبضتها على سلاحها وقالت: "أوه، أعرف عنك كل شيء يا فتى، ولديّ جبل من التقارير عن شخصيتك ’المتفجرة‘".
"لا تصدقي كل ما ينشر في الأخبار يا عزيزتي، فما هي إلا زوبعة في فنجان. يجب أن نجلس ونتحدث قليلاً، لنتبين ما هو حقيقة وما هو محض خيال، أليس كذلك؟".