Switch Mode

كود بلاكستون 99



الفصل التاسع والتسعون:

تُفصحُ مائدةُ المرءِ عن خبايا شخصيتِه ، وتشي ببعضِ ملامحِ طباعِه.

لنأخذْ على سبيل المثالِ العُمدةَ الجالسَ أمام لين تشي ؛ فقد كانت حركاتُه في التعاملِ مع أدواتِ المائدةِ دقيقةً وسريعةً وحازمةً. و في حركتين أو ثلاثٍ لا أكثر كان يقطعُ قطعةً من شريحةِ اللحمِ ، يغمسُها في الصلصةِ ، ثم يُلقمُها فمَه ويبتلعُها على عَجَل.

في الواقعِ ، يميلُ البعضُ إلى طقوسٍ أكثرَ رهافةً ؛ إذ يُكثرونَ من التقطيعِ ، مُطيلين أمدَ العمليةِ برمتِها. ويُقالُ في هذا الصددِ إن السكينَ إذا أمعنتْ في السرعةِ والخشونةِ ، فقد تؤدي إلى تمزيقِ أليافِ اللحمِ وتغييرِ بنيتِها ، مما يُفسدُ مذاقَها.

قد يكونُ هؤلاءِ أكثرَ حساسيةً ، يسعون خلفَ مثاليّاتٍ أسمى ، في حين يُمثلُ أمثالُ العُمدةِ النهجَ العمليَّ البراغماتيَّ ؛ حيثُ الكفاءةُ والنتائجُ هي الغايةُ والقيمةُ.

بينما كان يراقبُ في حذرٍ ، لاحظ لين تشي العُمدةَ يضعُ أدواتَ مائدتِه جانباً ، ثم تناولَ منديلَه ليمسحَ شفتيْه ، ورشفَ رشفةً من نبيذِه ، وقال: «استكمالاً لحديثِنا السابقِ ، ما الذي تراهُ ضروريًّا لتغييرِ الوضعِ الراهنِ ؟»

لقد تباحثا مسبقاً حول سياسةِ الانعزالِ والمتغيراتِ الدوليةِ الواسعةِ. وبفضلِ نظرةِ لين تشي الناضجةِ كان المرءُ ينسى بسهولةٍ أنه لم يتجاوزْ العشرينَ من عُمرِه ، كما أن هندامَه كان يوحي بأنه في الرابعةِ أو الخامسةِ والعشرينَ. ومع ذلك في دهاليزِ السياسةِ ، يظلُّ شابًّا غضَّ الإهابِ ؛ فأغلبُ السياسيين في مِثلِ عُمرِه ما زالونَ متدربينَ لدى شخصياتٍ نافذةٍ ، لا يُدركونَ خبايا الشأنِ الداخليِّ ، فضلاً عن العلاقاتِ الدوليةِ.

وكلما زادَ الحديثُ بين العُمدةِ ولين تشي ، زادَ فضولُ العُمدةِ وتوقُه لسماعِ ما قد يجودُ به لسانُه من أفكارٍ مُلفتةٍ ؛ فقد كان يترقبُ كلامَه بشغفٍ.

وضع لين تشي أدواتَ مائدتِه في هدوءٍ ، ومسحَ شفتيْه من آثارِ الصلصةِ ، وبعد لحظةِ تأملٍ ، بدأَ بالردِّ: «أعتقدُ أنه إذا ما ظفرَ حزبُنا التقدميُّ بزمامِ السلطةِ في الدورةِ القادمةِ ، فعلينا أولاً أن ننخرطَ بفعاليةٍ في بناءِ المجتمعِ الدوليِّ ، مع استغلالِ نقاطِ قوتِنا. ومع أن اتحادَ بايلور قد لا يكونُ الدولةَ الأكثرَ تقدماً في التكنولوجيا إلا أنه بلا شكٍ في طليعةِ الدولِ ، وهناك الكثيرُ ممن يحتاجونَ إلى عونِنا».

أومأَ العُمدةُ برأسِه دونَ أن يُبديَ موافقةً أو اعتراضاً ، وقال: «لكن هل فكرتَ في أمرٍ واحدٍ ؟ لِمَ قد يتقبلونَنا ؟ ولِمَ يفتحُ المجتمعُ الدوليُّ لنا ذراعَيْه ؟» كان هذا سؤالاً يُرّقُ مضاجعَ بعضِ المتطرفين داخلَ اتحادِ بايلور في الوقتِ الراهنِ.

سابقاً ، وبسببِ سياساتِ حزبِ الحاكمين ، أوصدَ اتحادُ بايلور أبوابَه ، والآن ، بعد أن فُتحتْ فجأةً مع رغبةٍ عارمةٍ في الاضطلاعِ بدورٍ دوليٍّ بارزٍ ، ما الذي قد يدفعُ الآخرينَ للسماحِ لهم بالمشاركةِ ، بل وبأن يكونوا في موقعِ القيادةِ ؟

لقد تدارسَ كبارُ مسؤولي الحزبِ التقدميِّ هذه المسألهَ وطرحوا العديدَ من التدابيرِ. لديهم سلسلةٌ من الخططِ الجاهزةِ ، وإنْ كان مدى نجاحِها أو قابليتِها للتنفيذِ أمراً في علمِ الغيبِ إلا أنَّ وجودَ خُططٍ محددةٍ يبعثُ على الطمأنينةِ. كان العُمدةُ يُدركُ ذلك جيداً ، وطرحَ سؤالَه ذاك ليختبرَ ما إذا كانت رؤيةُ لين تشي تتسقُ مع رؤى قياداتِ الحزبِ التقدميِّ.

ارتسمتْ لمحةُ ابتسامةٍ على شفتيْ لين تشي ، فأجاب: «المسؤوليةُ يا سيدي العُمدة. و إذا ما اضطلعنا بالمزيدِ من المسؤولياتِ الدوليةِ ، وجعلنا دولَ العالمِ تُدركُ أن اتحادَ بايلور دولةٌ مستعدةٌ لحملِ أعباءٍ دوليةٍ أكبرَ ، حينئذٍ سنكتسبُ تأثيراً أقوى».

أومأَ العُمدةُ ثانيةً في صمتٍ متدبراً كلماتِ لين تشي وما خلفَها من دلالاتٍ ، ثم سألَ بابتسامةٍ أكثرَ اتساعاً: «إذاً ، من أينَ ترى ينبغي أن نبدأَ في تحملِ هذه المسؤولياتِ ؟»

«من المساعداتِ الإنسانيةِ الدوليةِ».

كان قدرُ هذه المأدبةِ أن تكونَ بالغةَ الأهميةِ ؛ إذ توحدتْ فيها رؤى العُمدةِ ولين تشي ومواقفُهما إلى حدٍ بعيدٍ ، مما وضعَ حجرَ الأساسِ لإنجازاتِ العُمدةِ السياسيةِ القادمةِ.

علاوةً على ذلك قدمتْ وجهةُ نظرِ لين تشي بشأنِ علاقةِ اتحادِ بايلور بالمجتمعِ الدوليِّ إلهاماً كبيراً للعُمدةِ الذي قررَ صياغةَ هذه المعلوماتِ وتقديمَها لكبارِ قادةِ الحزبِ التقدميِّ للنقاشِ ، للوقوفِ على مدى جدواها وإمكانيةِ الاستفادةِ منها حزبيًّا.

إن وُظفتْ هذه الأفكارُ ، فستُحسبُ له إنجازاً سياسيًّا ، سواءٌ في استقطابِ المواهبِ للحزبِ التقدميِّ أو في إسهامِه الجليِّ بهذه الأفكارِ ، فقد قدَّمَ حينها خدماتٍ جليلةً للحزبِ بأسْرِه. وإن لم تُجدِ نفعاً ، فلن يُحسبَ عليه ذلك خطأً ؛ فما دام لم يُعلنْ عن آراءٍ مناهضةٍ للحزبِ ، فلن يلومَه أحدٌ على طرحِه.

وعلى أيةِ حالٍ ، فقد غيّرتْ هذه المأدبةُ الكثيرَ ، واكتسبَ لين تشي هويةً جديدةً: عضوٌ في الحزبِ التقدميِّ.

في طريقِ العودةِ كان فيرال يتولى القيادةَ ، وهو يختلسُ النظرَ عبرَ مرآةِ الرؤيةِ الخلفيةِ إلى لين تشي الجالسِ في المقعدِ الخلفيِّ ، وقد ارتسمتْ على وجهِه ملامحُ الحيرةِ.

حين غادرا ، أوصاهُ العُمدةُ بصفةٍ خاصةٍ بأن يُوصلَ لين تشي بنفسِه. ومثلُ هذا التقديرِ نادرٌ حتى في السنةِ مرةً ، ولا يحظى به إلا كبارُ الشخصياتِ والضيوفُ ذوو الثقلِ ، ولم يتوقعْ أن ينالَه لين تشي في هذا العمرِ اليافعِ.

ساوره شعورٌ بالغيرةِ ، لكنه سرعان ما تبددَ ؛ فما دام يحافظُ على علاقةِ صداقةٍ طيبةٍ مع لين تشي ، فإنه حين يصعدُ العُمدةُ في مدارجِ السلطةِ ، ستُتاحُ له فرصةُ الترشحِ والمشاركةِ في انتخاباتِ الحزبِ الداخليةِ ليكونَ مرشحاً لمنصبِ عُمدةِ مدينةِ سابين.

وحين يمضي في هذا الدربِ ، سيحتاجُ حتماً إلى داعمين أثرياءَ ؛ فالمرشحُ بلا مالٍ ليس إلا اسماً بلا مسمى.

انطلاقاً من هذا التفكيرِ ، تنحنحَ وسألَ: «هل هناك من تحدياتٍ أو صعوباتٍ تواجهُ المزادَ القادمَ ؟» وأضافَ مُتودداً بلمحةٍ ذكيةٍ: «على سبيلِ المثالِ ، مشاكلُ المكانِ ؟».

مع أن الأرضَ الفضاءَ في منطقةِ المستودعاتِ كانت واسعةً إلا أنَّ بيئتَها لم تكن لائقةً. ولو لم يكنِ الأمرُ مرتبطاً بالعُمدةِ ، لما أثارَ إقامةُ المزادِ في أي مكانٍ آخرَ أي استهجانٍ ، لكن بمجردِ اقترانِ الأمرِ بدعمِ العُمدةِ ، بدا إقامتُه في منطقةِ المستودعاتِ غيرَ مناسبةٍ.

أومأَ لين تشي وقال: «أجل ، لديَّ أفكارٌ جديدةٌ ، أرغبُ في استخدامِ قاعةِ ألعابِ مدينةِ سابين ، لكن قد تعترضُني بعضُ الصعوباتِ في الإجراءاتِ».

لقد كانت قاعةُ ألعابِ سابين مرفقاً أُعدَّ لغرضٍ خاصٍ ، ولم تُموّلْ عبرَ الميزانيةِ الحكوميةِ المعتادةِ ؛ فالحكومةُ المركزيةُ كانت ترى أن مدينةَ سابين لا تحتاجُ لقاعةٍ رياضيةٍ لعدمِ وجودِ فرقٍ رياضيةٍ محترفةٍ بها.

ومع انعدامِ الفرقِ المحترفةِ ، انتفت الحاجةُ لقاعةٍ احترافيةٍ ، غيرَ أنَّ الحكومةَ المحليةَ كان لها رأيٌ آخرُ ، وبتمويلٍ من بعضِ الرأسماليينَ وتبرعاتِ العامةِ ، بُنيتِ القاعةُ في نهايةِ المطافِ.

قبل سنواتٍ ، شكّلَ بعضُ رجالِ الأعمالِ المحليينَ فريقاً للرجبي ، لكنَّ المشروعَ تعثرَ لأسبابٍ شتى ، وأصبحتِ القاعةُ مكاناً للترويحِ عن النفسِ للعامةِ ، في حالةٍ من الإهمالِ شبهِ التامِ حتى إنَّ عشبَ أرضيتِها لم يُستبدلْ منذ أكثرَ من عامٍ.

ومع ذلك إنْ رغبَ المرءُ في إعادةِ توظيفِ القاعةِ ، ولو لنصفِ يومٍ ، فسيواجهُ عقباتٍ جمّةً ، ويستحيلُ على فردٍ أن يحظى بالموافقةِ وحدَه.

بعد سماعِ ذلك فكّرَ فيرال للحظةٍ وقال: «المكانُ اختيارٌ موفقٌ حقًّا ، لكنكَ ستحتاجُ إلى... إسكاتِ بعضِ الأفواه ، ودفعِ الرشاوى».

أومأَ لين تشي: «كما تعلمُ ، المالُ لا يشكلُ لي مشكلةً».

ابتسمَ فيرال بمكرٍ: «إذاً ، لن يكونَ ثمةَ أيُّ مشكلةٍ».

إذا كان حدثُ المزادِ بحدِّ ذاتِه قد أثارَ ذهولاً بحجمِ مبيعاتِه في مدينةِ سابين وحتى على مستوى الولايةِ ، فإنَّ نظامَ مشاركةِ الأرباحِ الذي أقرَّه لين تشي مع مندوبي المبيعاتِ كان الشرارةَ الثانيةَ.

فقد كشفتْ بعضُ الصحفِ المسائيةِ أن أحدهم حصلَ على مكافأةٍ بلغتْ ثمانيةَ آلافِ دولارٍ ، وفي هذا العصرِ الذي يئنُّ تحتَ وطأةِ الكسادِ الاقتصاديِّ ، وقعَ هذا الخبرُ كقنبلةٍ مدويةٍ في المجتمعِ.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط