Switch Mode

كود بلاكستون 98



الفصل 98:

في بلدٍ كـ "اتحاد بايلور " اعتاد الناس أن يمزحوا بنبرةٍ تجمع بين الهزل والعجز ، قائلين إن الموت والضرائب هما حتميتان لا مفر منهما لأي إنسان.

وفي الواقع ، فإنه إلى جانب الموت والضرائب ، هناك أمرٌ آخر لا يمكن للمرء تجنبه مهما تقلب في أطوار الحياة بين صباه وشيخوخته ، أو سقمِهِ وعافيتِهِ ، وهو "الانتماء السياسي ".

ينص دستور "اتحاد بايلور " على وجود ثلاثة أحزاب رئيسية ، إذ يجب في أي وقتٍ من الأوقات أن تتنافس ثلاثة أحزابٍ على السلطة والحكم داخل الاتحاد.

"الحزب التقدمي الفيدرالي " و "الحزب الحاكم الفيدرالي " و "الحزب الاجتماعي الفيدرالي " ؛ هذه الكيانات السياسية الثلاثة ، وسط بيئةٍ سياسية تبدو في ظاهرها فضفاضة وحرة كانت تبدي أحياناً سلوكاً عدائياً للغاية.

حتى في السجون كانت المحاكم تُلزم النزلاء بملء استبيانات تتضمن ميولهم السياسية ، وبناءً على هذه الاستبيانات يتم توزيعهم على الزنازين.

كان رضا السيد العمدة عن إجابات "لين تشي " وردود أفعاله وأفكاره جلياً لا يخفى على أحد. و لقد كان الانتماء السياسي هو سؤاله الأخير ؛ فلو تبنى "لين تشي " موقفاً مغايراً لموقفه ، لقلل العمدة من شأنه ، وربما تشاور مع الرأسماليين المحليين لاستبداله وإرساله إلى مكانٍ آخر.

إن السماح لرأسماليٍ من حزبٍ آخر بالنمو والازدهار في معقل "الحزب التقدمي " أمرٌ يكاد يكون مستحيلاً ، ما لم يقرر العمدة التضحية بمستقبله السياسي أو تغيير ولائه لمساعدة "لين تشي " على الصعود بلا قيدٍ أو شرط.

لطالما كان الساسة والرأسماليون مكملين لبعضهم البعض ؛ فالرأسماليون يرفدون الساسة بالتبرعات السياسية ، وفرص العمل ، والمشاريع التنموية للمدينة ، وبالمقابل ، يرد الساسة الجميل بتوفير ما يصبو إليه هؤلاء الرأسماليون من سياساتٍ منحازة وخططٍ إنموية مفصلة على مقاس مصالحهم.

تطلب هذا الأمر ثقةً متبادلة وتعاوناً وثيقاً في شراكاتٍ معينة ؛ فالناس لا يثقون بـ "الغرباء " ولا يمنحون ولاءهم إلا لـ "ذوي القربى ".

ومن هم "ذوو القربى " ؟

من الواضح أنهم أولئك الذين يجمعهم الانتماء السياسي ذاته ، ويتحدون من أجل غايةٍ مشتركة.

ولحسن الحظ كانت إجابات "لين تشي " مرضية للغاية للسيد العمدة ، ولم يكن لديه مانعٌ من ضمه إلى "الحزب التقدمي " فتوغل رأس المال في الأحزاب السياسية ليس بالأمر المشين في "اتحاد بايلور " ؛ فخلف كل سياسيٍ مرموق ، يقف رأسماليون أو حتى تكتلاتٌ مالية تدعم مسيرته.

ودون دعم هؤلاء الأفراد ، لا يمكن لأمهر الساسة أن يحققوا شيئاً على هذه الأرض الساحرة!

بالطبع ، تبدو البيئة السياسية في "بايلور " فضفاضة ، على الأقل من حيث المظهر ؛ فلا وجود لاضطهاد سياسي يستهدف المدنيين بشكلٍ خاص ، ويمكن للفرد أن يعلن ولاءه لـ "الحزب التقدمي " في الصباح ، ثم يتحول إلى مناصرٍ لـ "الحزب الحاكم " في المساء دون أدنى عواقب ، وكل ما قد يناله من عامة الناس هو وصفه بـ "عديم المروءة ".

هذه البيئة في حقيقتها مرنة ، لا تتطلباتٍ رسمية ولا إجراءات معقدة من المراجعة والاعتماد ؛ فمجرد جملة أو أومأ بالرأس ، يكون الأمر قد انتهى عملياً.

ولكن بعد مغادرة الطبقات الدنيا من المجتمع ، والارتقاء إلى الطبقات المتوسطة والعليا ، تصبح البيئة السياسية صارمة نسبياً ؛ فبالنسبة لأمثال الرأسماليين والساسة لم يكن تغيير الانتماء السياسي بالأمر الهين ، فقد تؤدي زلة قدمٍ واحدة إلى الوقوع في المتاعب.

ثمة ظروفٌ أكثر تعقيداً تتداخل في هذا الأمر ، لكنها ليست ذات أهمية في الوقت الراهن.

قبل حضور مأدبة الغداء ، أجرى "لين تشي " بحثاً حول "الحزب التقدمي " وما تفوه به لم يكن مجرد ملقٍ لاستمالة العمدة.

ففي نظره كان "الحزب التقدمي " أفضل بكثير من "الحزب الحاكم " الحاكم حالياً ، إذ يركز الأخير في أجندته السياسية على الانعزالية ، وهو اتجاهٌ ساد في السنوات الأخيرة.

من وجهة نظرٍ معينة ، وبسبب عدم الانخراط في النزاعات والحروب الدولية ، حقق "اتحاد بايلور " تقدماً كبيراً في التكنولوجيا والصناعة بفضل انعزاله ، ولكن هذا الزرع ألقى بظلاله ونذر الخطر.

قد لا يدرك الناس ذلك الآن ، ولكن مع التطور التكنولوجي ، سيتحول مفهوم الكوكب الأزرق من "كوكبٍ شاسع " إلى "قريةٍ صغيرة ".

يستغرق الوصول إلى "مملكة زاليسكو المتحدة " النائية من "اتحاد بايلور " حوالي شهر ونصف ، عبر الطرق البرية والبحرية ، والناس لا يكترثون بهذه الدولة البعيدة ولا يعتقدون أنها قد تؤثر على اتحادهم.

لكن حين تظهر وسائل نقلٍ أسرع كالطائرات وغيرها من الوسائل المتطورة ، سيتقلص إدراك الناس للمسافات بشكلٍ كبير ؛ فتنطلق في الصباح ، لتصل إلى "مملكة زاليسكو " بحلول المساء أو اليوم التالي.

إن رفض العالم الخارجي اليوم سيؤدي حتماً إلى انعزال الاتحاد في المستقبل ؛ فحين تبدأ الدول الأخرى بالتطور السريع عبر التبادل والتعاون ، سيتخلف الاتحاد تدريجياً ليُقصى في نهاية المطاف.

وفي الوقت الذي يواصل فيه "الحزب الحاكم " غناء أناشيد الانعزالية ، يواجه "اتحاد بايلور " بالفعل بعض المشكلات ؛ وإذا لم يتم حلها سريعاً ، فستؤثر بلا ريب على الاتحاد لفترةٍ طويلة.

ومقارنة بـ "الحزب الحاكم " كانت أجندة "الحزب التقدمي " وأيديولوجيته أكثر مواءمةً لاتجاهات التنمية العالمية ولرؤية "لين تشي " للمستقبل.

إن الاندماج في المجتمع الدولي هو الخيار الأصوب!

لقد عبر "لين تشي " عن استيائه من "الحزب الحاكم " وهو ما لاقى صدىً طيباً لدى السيد العمدة.

أحياناً ، لا تحتاج إلى كيل المديح لأحد ؛ إذ يكفي أن تنتقد خصومه لتنال تقديرهم ، وهذا النوع من التقدير أعمق أثراً من المجاملات البسيطة.

"رؤيتك تقدمية للغاية... " استمرت ابتسامة العمدة طوال المحادثة ، وبينما كان يهم بمتابعة حديثه ، فُتح باب الغرفة. لاحظ "فيرال " سريعاً تعابير وجه الرجلين قبل أن يخبرهما بأن الغداء جاهز.

أراحت الأجواء المرحة بين الرجلين "فيرال ". كان "لين تشي " يبدو شاباً رقيق المظهر ، ربما يتسم بالخجل ، لكنه في الحقيقة كان حازماً وقوي الإرادة. حيث كان "فيرال " يخشى أن يقع صدام بينه وبين العمدة ، لكن يبدو أنهما على وفاق.

"هل نبدأ بملء بطوننا ؟ " بدا السيد العمدة بنبرةٍ تفاوضية وابتسامةٍ مرسومة على وجهه ، مما أثار دهشة "فيرال " أكثر. فأصحاب السلطة لا يظهرون تفضيلاتهم صراحةً ، بل يكشفونها بلمساتٍ خفية عبر التفاصيل.

لم يكن هذا الأسلوب التشاوري مألوفاً في حياة السيد العمدة المهنية ، مما جعل "فيرال " يشعر أكثر فأكثر بأن "لين تشي " شابٌ استثنائي.

وقف "لين تشي " وهندم ملابسه ، وقال "بالتأكيد ، سيد العمدة ".

دخلا غرفة الطعام ، حيث كانت هناك طاولتان بمقعدين فقط ، وأداتان للمائدة. فلم يكن "فيرال " مدعواً للجلوس رغم كونه مساعد العمدة.

وفقاً للخطة كان من المفترض أن يغادر "فيرال " لتناول الغداء بمفرده ، وهناك خدمٌ مخصصون ، لكنه قرر تولي دور الخادم ، رغبةً منه في سماع كيف تمكن "لين تشي " من إثارة إعجاب العمدة.

بعد أن جلس ، ألقى العمدة نظرةً على "فيرال " الذي كان يفتح زجاجة النبيذ ، ثم أشاح ببصره. حيث كان يعتقد أن "فيرال " ذكيٌ ويعتمد عليه ، وأنه يدرك أن ثمة أحاديث لا تناسب آذان الآخرين.

تميز غداء اليوم بمزيجٍ لذيذ من شريحة لحم "تي بون " وشرائح السمك ، مما خلق شعوراً يجمع بين بريق البحر وطيب البر. قدم هذا الطبق تجربةً فريدة بثلاثة أساليب طهيٍ في آنٍ واحد ، موفراً تنوعاً غنياً في النكهات ، وهو ما يُعد متعةً حقيقية لمن يقدرون المذاقات الرفيعة والمتنوعة.

وفي الوقت الذي كان فيه الفقراء ما زالون يتدبرون أمر لقمة العيش كان الأثرياء قد بدؤوا في السعي وراء تغييراتٍ أكبر في المذاق ، وطبقاتٍ أكثر دقةً في القوام ، ولذةٍ تدوم في الفم.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط