Switch Mode

كود بلاكستون 709

حياة جديدة+


«أبي!»

أثلجت هذه الكلمة صدر «دراج» وأراحت قلبه أخيراً. التفت إلى الوراء ليرى القافلة وهي تتلاشى في عتمة الليل ؛ فقد رحل «لينش» حقاً.

لقد أمضيا فترة بعد الظهيرة في حوارٍ طويل ، لكنهما لم يتشاركا مائدة العشاء ؛ فقد آثر «لينش» أن يمنح ذلك الوقت لـ «دراج» وعائلته.

قبل لحظات ، أنزله «لينش» أمام فيلا مستقلة في حيٍ راقٍ بوسط مدينة «إيمينيس». كانت الفيلا صغيرة مقارنة بقصره القديم الذي كان يقيم فيه حين كان حاكماً للإقليم ، لكنها كانت تبدو كـ«وطنٍ» حقيقي.

كان شعوراً غريباً لا يمكن وصفه. وحين استقبلته عائلته عند الباب ، ونداه ابنه الأكبر بكلمة «أبي» ، أطلق زفرةً عميقة ؛ فقد بات الآن في أمانٍ وسكينة.

لقد قضى «لينش» كامل ظهيرته يحدثه عن طبيعة الحياة في «الاتحاد» ، محذراً إياه من مغبة استغلال أي بقايا لنفوذه السابق. ففي الأيام الخوالي ، وحين كانت «شركة التطوير المشترك» تسعى لاستمالة «دراج» وأمثاله ، منحت كل حاكم إقليمي حصة صغيرة من الأسهم. لم تكن ثروة طائلة ، لكنها لم تكن نزراً يسيراً أيضاً ؛ إذ كانت أرباحها السنوية تتجاوز المليون ، وكانت بمثابة ضمانٍ غير رسمي.

طالما أنهم يتماشون مع سياسة «الاتحاد» ، فقد يخسرون طموحهم ، لكنهم لن يعدموا سبل العيش ؛ ففي «الاتحاد» ، المال أمضى أثراً من السلطة. بيد أنه لم يكن بوسعه التعامل مع تلك الأسهم كمنصب إداري حقيقي ، أو العودة إلى «ناجاريل» لممارسة التجارة ، فالشركة لن تسمح بذلك إلا إذا أراد أن يختفي عن وجه البسيطة إلى الأبد.

حين استوعب الصورة كاملةً ، انتابت «دراج» مشاعر متضاربة استقرت في النهاية على تنهيدة حرى ؛ فعلى الأقل ، نجا هو وعائلته.

التفت ليرى ابنيه الأكبر والأصغر ، وهما أحب أبنائه إليه ، ولم يعد يظهر عليهما أي أثر من «ناجاريل». كان الابن الأكبر يرتدي ملابس عصرية لا يكاد يفهمها «دراج» ، مع تسريحة شعر متكلفة ، والأدهى من ذلك أنه كان يضع أقراطاً في أذنيه. و في «ناجاريل» كان الكهنة وحدهم هم من يوشمون أو يثقبون وجوههم ، أما عامة الناس فلا يقدمون على ذلك أبداً.

كان ابنه الثاني يقف في الخلف ، وعلى وجهه مسحة من تجهم ؛ إذ بدا ساخطاً لأن «دراج» لم يسمح له بالبقاء في «ناجاريل». ثم كان هناك الابن الأصغر وابنتاه ، يقفون جميعاً في طاعة ووجل ، بينما وقفت زوجته في الخلف.

لقد كانت الأكثر تغيراً ؛ إذ تخلت عن ملابس «ناجاريل» التقليديه ، وارتدت ثياب نساء «الاتحاد». أثار ذلك التباين حفيظة «دراج» للحظة ، وشعر أن تلك الملابس لا تليق بها ، لكن هذا الضيق سرعان ما تلاشى ؛ فالكل يتغير ، وهو نفسه سيتغير أيضاً ليصير شيئاً كان يحتقره ذات يوم. وإذا كان هو نفسه سيتغير ، فبأي حق يلوم الآخرين على فعل الشيء ذاته ؟

«لقد جئت» ، قالها بعد توقف قصير أمام عائلته.

سارع ابنه الأكبر إلى معانقته قائلاً: «أخيراً وصلت يا أبي ، لقد افتقدناك كثيراً...».

دخلت العائلة المنزل ؛ فالعشاء كان قد أُعدَّ بالفعل. حيث كانت «مجلس الأمن» قد أبلغهم بأن «دراج» سيعود لتناول العشاء ، لذا أعدت الخادمات مأدبةً فاخرة. و بعد أن اغتسل «دراج» وارتدى ملابس مريحة ، جلس إلى مائدة الطعام.

كانت المائدة تعج بأصنافٍ لا يعرف نصفها ، لكنها بدت شهيةً وزكت رائحتها في المكان. حيث كانت الخادمة تدفع عربةً محملة بالصلصات والأطباق الجانبية ، وتخدم أفراد العائلة الجالسين.

«أبي ، كيف تسير الأمور هناك ؟» سأل الابن الأكبر قبل بدء الطعام.

هز «دراج» رأسه وقال: «إن الاتحاد كقطيع من الضباع الجشعة ، لا يسمحون بأي تغيير أو تقدم حقيقي ، لذا رحلت مبكراً». وأضاف بأسى: «يؤسفني حال أخيك ، فما زال لا يرى الحقيقة. حاولت إقناعه بالعودة معي ، لكنه رفض».

لقد أخبر ابنه الثالث بكل شيء ، حلوه ومره ، وترك له حرية الاختيار ، لكن الصبي تمسك بالسلطة حتى وإن كانت جوفاء. وحقيقة عدم لحاقه بـ«دراج» إلى «الاتحاد» جعلته يشعر بشيء من تأنيب الضمير ، لكن ذلك الشعور لم يدم طويلاً ؛ فكحاكم سابق كان يتقن إدارة مشاعره أكثر من غيره.

«فلنأكل ، كفانا حديثاً عني ، أخبروني كيف تسير حياتكم هنا». غيّر «دراج» دفة الحديث بمهارة ، فكلما زاد حديثهم عن «ناجاريل» ، برز فشله أكثر. فلو كان كفؤًا حقاً ، لما جلس هنا الآن. قد يقول البعض إنه لم يكن بوسع أحد فعل الأفضل ، لكن آخرين كانوا ما زالوا يحاولون ، أليس كذلك ؟

لذا عدل عن الموضوع.

«الحياة هنا جيدة إلى حد ما» ، قال الابن الأكبر وهو يضع السكين والشوكة بعد تفكير. «أصولنا تضمنا عيشاً رغيداً هنا. ففي الاتحاد ، طالما تملك المال ، يمكنك شراء أي شيء ؛ طعام لذيذ ، خدمة ممتازة ، وكل ما يجعل الحياة ممتعة حتى الدعم السياسي».

نظر الابن إلى «دراج» وأكمل: «قد لا تعرف هذا ، لكن عندما وصلنا لأول مرة ، اشتكى أحد جيراننا من عرقنا ، بل وحاولوا تنظيم تصويت لطردنا من الحي. و لكننا دفعنا قليلاً من المال ، ووجدنا عضواً في مجلس مدينة إيمينيس ، ومنحناه بعض الدعم ، فحل المشكلة. أعتقد أن علينا أن نفعل شيئاً ، وإلا سينفد المال في نهاية المطاف...».

أنصت «دراج» بتركيز ، ثم وضع أدوات الطعام جانباً وبدا عليه الجد: «لا ، لن نفعل شيئاً. فمالنا ، مع أرباح شركة التطوير المشترك ، يكفي لإعالة جيلين في رغد العيش ، ولا داعي لهدره في مطاردة أمورٍ لا طائل منها». ثم أضاف: «لقد أخطأتُ بجلب هذا الحديث إلى مائدة الطعام ، فلنأكل» ، وعندها فقط عاد أفراد عائلته إلى الأكل.

كان العشاء صامتاً ، لكنه كان وافراً على الأقل.

بعد الوجبة ، اتجه الابن الثاني إلى غرفته مباشرة ، وأتبعته ابنتاه والابن الأصغر بعد استئذانه. أما «دراج» وابنه الأكبر فاتجها إلى غرفة المكتب.

«غرفة مكتب جديدة تماماً ؛ بعد أن جهزناها ، اكتفينا بتنظيفها دورياً ولم يستخدمها أحد» ، أوضح الابن الأكبر ، لعلمه بعادات والده.

أومأ «دراج» استحساناً ، وجلس يربت على مسند الكرسي الجلدي. حيث كانت كراسي «الاتحاد» بالفعل أكثر راحة من كراسيه المصنوعة من الخيزران ، فهي على الأقل لا توخزه. بمجرد أن جلس الابن ، التفت إليه «دراج» قائلاً: «لقد فهمت قصدك على العشاء ، لكن احذر ، فليس من الحكمة سلوك ذلك الدرب».

«الاتحاد لن يسمح لنا بفعل ما لا ينبغي لنا فعله. و إذا دققت في مستويات الحكومة ، ستلاحظ أن المناصب الحساسة تخلو من المهاجرين ، والنساء ، والأقليات». لقد كلف بإعداد تقرير حول هذا قبل وصوله ، وكان «لينش» قد حذره بلمحاتٍ خفية في الظهيرة: لا تفكر في استعادة السلطة هنا ، لا لك ولا لابنك. لم تكن مجرد تذكير ، بل كانت تحذيراً ، وقد استوعبه جيداً.

كان الابن يجد صعوبة في تقبل الأمر ؛ فمنذ وصوله كان يعيش حياة هائمة ، والآن بعدما وجد هدفاً جديداً كان والده يحطمه. و قال بصوت مفعم بالمرارة: «لا أفهم ، هل كُتب علينا وعلى ذريتنا أن نعيش كحيوانات في أقفاص للأبد ؟». فجأة ، شعر بالحسد تجاه أخيه الذي بقي في «ناجاريل» ؛ فربما لم يكن حراً تماماً ، لكنه كان يتمتع ببعض الحرية.

فرك «دراج» صدغيه وهز رأسه بعينين محنتين: «لا ، يجب أن تصبح شخصاً مستهتراً ، ابحث عن طرق للتقرب من أبناء ذوي النفوذ ، وابنِ علاقات معهم ، وفي النهاية تزوج من عائلة مرموقة. و أنا لا أستطيع ، وأنت لا تستطيع ، وجيلك لا يمكنه فعل الكثير ، لكن الجيل القادم يستطيع».

«أعلم أنك غير راضٍ عن هذا ، وأنا مثلك ، لكننا لا نملك خياراً. و إذا أردت خوض هذه اللعبة ، فعليك دخولها كلاعب. وطفلك... هو اللاعب ، لا أنت».

في صباح اليوم التالي ، جاءه وفد من «مجلس الأمن». لم تكن أخباراً سيئة ، فقد أبلغوا «دراج» بأن المجلس سيتولى مسؤوليته عن أمنه في «الاتحاد» ، ونصحوه بتوظيف حماية إضافية من خلال شركات أمنية قانونية. حيث كان بإمكان المجلس تخصيص عملاء كحراس شخصيين ، أو يمكنه توظيف حرسه الخاص ، لكن الحماية المزدوجة كانت ضرورة ملحة.

كان «دراج» شخصية مهمة ، ولا يمكن السماح بأي أخطاء على المدى القريب. و كما جدوَلوا له عدة ظهور على شاشات التلفاز ؛ فكما ذكر «لينش» بالأمس ، فإن ما يسمى بـ«الدكتاتور» حين يخاطب الجمهور مباشرة ، يكون أكثر إقناعاً من أي دعاية حكومية رسمية.

في طبقات «الاتحاد» الدنيا ، أصبح انتقاد الحكومة وعدم الثقة بها عرفاً رائجاً ، ولم تكن القيادة تنوي تغيير ذلك. الأمر يشبه نصيحة الوالدين لأبنائهم ، تدخل من أذن وتخرج من أخرى ، لكن حين تأتي الكلمات نفسها من صديق ، يعيها الطفل ويضعها في قلبه.

في «الاتحاد» ، الدولة هي الأب ، والشعب هم الأبناء ؛ وشكاوى الأبناء لا تعني شيئاً لآبائهم.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط