«لقد استقدمتُ بضعة أشخاص...»
لقد جنى «لايم» ثروة لا يُستهان بها في أعقاب «لينش». ففي مدينة «إيميننس» كان التجار ووسطاء البورصة دائماً في طليعة أصحاب الدخل المرتفع.
وعلى وجه الخصوص كان لوسطاء البورصة في تلك الحقبة صيتٌ ذائع ، حيث نسجوا قصصاً لا تنتهي عن الثراء حتى أولئك الذين بدأوا من الصفر. وفي أكثر شوارع «إيميننس» ازدحاماً كانت تتردد حكايات لا تُحصى عن وسطاء تحولوا بين عشية وضحاها إلى رؤساء شركات ، وكان «لايم» واحداً منهم.
أما التجار فكانوا يحققون أرباحاً أكثر من ذلك إذ كان الماهرون منهم يتقاضون أجورهم بناءً على حجم رأس المال الذي يديرونه.
وبصفته رئيساً لمثل هذه الشركة ، فقد بلغ «لايم» بلا شك ذروة النجاح.
لم يقم «لينش» بدعم شركة «لايم» من أجل مساندته فحسب ، بل كخطوة استراتيجية في القطاع المالي ؛ فقد كان هو المساهم الأكبر فيها.
كما خدم ذلك احتياجات «لينش» الشخصية ، حيث وقّع التجار عقوداً صارمة تضمن عدم المساس بمصالح «لينش» مقابل تحقيق الأرباح.
غالباً ما كانت تأتي النصائح والمعلومات المسربة من التجار والوسطاء الذين كانوا يلتقطون الأخبار من عملائهم تماماً كما حدث الآن.
فلو تسربت أنباء عن أن «لينش» يراهن على انخفاض أسهم «دانلمور» ، لحدثت فوضى عارمة ولتعطلت خططه.
تحدث «لايم» مطولاً عما تعلمه خلال العام ، وعن وجهات نظره حول المهنة ومستقبله ، وكان من الواضح أنه يشعر بحماس غامر.
فبعد أن قضى وقتاً طويلاً في القاع في «إيميننس» كان امتلاك عمله الخاص قفزة نوعية كبرى في حياته.
وعندما انتهى العشاء ، وضع «لينش» أدوات مائدة ، ونظر إلى «لايم» قائلاً: «أعلم أنك تتساءل عن سبب يقيني بأن أسهم "دانلمور " ستهبط...»
وضع «لايم» هو الآخر أدوات مائدته واعتدل في جلسته ، وكاد يضع يديه على ركبتيه ، وأجاب: «أجل يا سيد لينش. و من منظور السوق ، لا يبدو أن أسهم "دانلمور " مرشحة للهبوط...»
دعم «لايم» وجهة نظره بعدة نقاط: شركة «دانلمور» تمتلك تكنولوجيا متطورة لتوليد الطاقة وبراءات اختراع ، وتحظى بدعم «تحالف ميريك» في الإنتاج والخدمات اللوجيستية ، كما أنها وقعت للتو صفقة ضخمة مع حاكم «أميليا». لم يكن أحد يصدق أن السهم قد ينهار ، ولا حتى شخص واحد.
لكن «لايم» كان يتمتع بإيمان غريزي يكاد يكون مطلقاً بـ «لينش» ، وذلك التناقض جعله في حالة من الاضطراب الشديد ، فقد أراد أن يفهم السبب.
رمى «لينش» إليه بسيجارة ، وأشعل واحدة لنفسه ؛ فتدخين ما بعد العشاء متعة لا تضاهيها متعة.
تراقص الدخان حول وجه «لينش» ، مما أضفى على ملامحه الحادة والوسيمة هالة من الغموض.
«درسٌ أخير يا لايم. و إذا أمعنت النظر في الأسواق المالية للاتحاد ، فسترى أنه بعيداً عن سلوك السوق الطبيعي ، هناك دائماً أيادٍ خفية تحرك الخيوط.»
«كل تلك الأمور التي تعتقد أنها مستحيلة أو غير منطقية ، تحدث لأن شخصاً ما وراء الكواليس جعلها تحدث.»
«ولكي يبدو تحركهم مشروعاً ، يقوم هؤلاء اللاعبون -من وسطاء وتجار وحتى الأيادي الخفية- بتغليف كل شيء بتحليلات احترافية ويسمونها "معجزة ".»
«لكن كم معجزة حقيقية توجد في هذا العالم ؟»
«الأمر لا يعدو كون أقوياء يحركّون قطع الشطرنج من خارج المصفوفه.»
«لماذا ستهبط "دانلمور " ؟»
سخر «لينش» بابتسامة ، وقد غمر الثقةُ تعابير وجهه: «لأنني أريدها أن تهبط.»
ذُهل «لايم» ، وظل عاجزاً عن الكلام للحظة طويلة.
في كل مرة كان يحدث فيها حدث مالي غير طبيعي في «إيميننس» كان الناس يعقدون صالونات لتحليله وتخمين أسبابه. وقد حضر «لايم» الكثير منها ، وتعرض لكل أنواع النظريات الغريبة حتى إنه طور إطاره التحليلي الخاص.
هكذا يتطور معظم المحترفين الماليين ؛ يبدأون بسذاجة ، ويبنون أنظمتهم الخاصة ، ويؤمنون بها حتى تتحطم.
والآن كانت كلمات «لينش» تتردد في رأسه: لأنني أريدها أن تهبط.
أجل ، لقد فسر ذلك تلك الأحداث المالية غير المفهومة. لأن شخصاً يتمتع بقوة تكفى أراد لقيمة شركة مفلسة أن تتضاعف فجأة ، أو أراد لشركة سليمة ضمن أفضل 50 شركة في الاتحاد أن تُفلس. ببساطة ، لأنهم أرادوا ذلك.
وسينحني السوق لقواعده الخاصة ليلبي رغبتهم.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها «لايم» شيئاً كهذا ، وبدا له الأمر صائباً. انفتح أمام عينيه عالمٌ جديد ، وشعر بضآلته ، وفي الوقت نفسه غمره شعور غامر بالبهجة.
سأله «لايم» مستخدماً لقب تشريف لأول مرة: «هل... هل بلغتَ ذلك المستوى ؟»
في اتحادٍ يُقدس الحرية والمساواة لم يكن أحد يستخدم ألقاب التشريف ، ولا حتى المشردون. فالمركز الاجتماعي لم يكن يغير طريقة مخاطبة الناس لبعضهم.
لكن في تلك اللحظة لم يستطع «لايم» مقاومة ذلك فقد احتاج لاستخدامه ليعبر عن رهبته.
ابتسم «لينش» ونفث سحابة من الدخان.
في وقت لاحق من تلك الليلة ، اتصل «فوكس الابن» بـ «لينش» وهو في حالة من الضيق.
«مجلس الإدارة يجبرني على الاستقالة...» لم يضيع وقتاً في المجاملات.
كان صوته مشوباً بالمرارة. فعلى مدار العامين الماضيين كان أداء «فوكس بيكتشرز» ممتازاً للغاية ، خاصة بعد تصوير فيلمي «مغامرات لينش» ، وكانت الأوضاع المالية مستقرة.
كما حققت أفلام أخرى أداءً جيداً في شباك التذاكر ، وأثبتت «فوكس بيكتشرز» أقدامها بقوة.
لكن ذلك النجاح جذب أنظار رأس المال. و في الاتحاد كان هذا أمراً طبيعياً ؛ فإذا كانت شركتك قادرة على تحقيق أرباح مُثبتة ، فعليك قبول الاستثمار أو طرحها للاكتتاب العام.
فالشركة التي ترغب في الربح وحدها ستجد طريقها يضيق شيئاً فشيئاً ، ووحدهم أولئك المستعدون لمشاركة الأرباح سيرون ذلك الطريق يتسع.
كان حوالي 40% من أسهم «فوكس بيكتشرز» مملوكاً لمستثمرين آخرين ، مما ساعد في تقليل مخاطر عائلة «فوكس».
لكن «فوكس الابن» لم يتوقع أنه بعد وقت قصير من القبض على والده ، سينقلب هؤلاء المساهمون ضدهم.
لقد زعموا أن عائلة «فوكس» تحت طائلة الاشتباه في تهم احتيال ضريبي خطيرة ، وطالبوا «فوكس الابن» بالاستقالة من جميع مناصبه في الشركة وتسليم زمام الأمور للآخرين.
وكانت حجتهم المعلنة: حماية الصورة العامة للشركة. ففي نهاية المطاف ، إذا كان الأب مذنباً ، فلا يمكن افتراض براءة الابن.
فالرئيس التنفيذي الذي يخضع للتحقيق في جرائم ضريبية سيضر بسمعة «فوكس بيكتشرز» ويجذب تدقيق مصلحة الضرائب.
لم يكن هناك خطأ في هذا المنطق ، باستثناء أنه تجاهل تماماً قدرة «فوكس الابن» العاطفية على تحمل ذلك.
وهنا يكمن الفرق بين أصحاب النفوذ "الخشن " والنظاميين ، أو بالأحرى ، بين عامة الناس والرأسماليين.
فبالنسبة للرأسماليين ، المصالح تأتي أولاً. وطالما أن هناك شيئاً يتوافق مع مصالحهم الجماعية ، فهم مستعدون لفعل أي شيء حتى لو كان ذلك يعني التضحية ببعض أفرادهم ليتركوا مناصبهم في الشركة. و إذا كان ذلك يصب في مصلحتهم أو يساعدهم على تجنب الخسائر ، فسيقومون به بكل سرور.
أما بالنسبة لشخص مثل «فوكس الابن» الذي شق طريقه بجهده من القاع وينحدر من خلفية في عصابات الشوارع كان هذا خيانة صريحة ، وجرحاً غائراً.
لم يستطع استيعاب ذلك ولا كان بوسعه الصفح عنه.
أما بالنسبة لـ «لينش» ، فقد كان هذا رد فعل غير ناضج. فالمساهمون لم يكونوا على خطأ ؛ فإذا لم يتمكن مكتب ضرائب ولاية «يورك» من الوصول إلى «فوكس» ، فمن المرجح أنهم سيلاحقون «فوكس الابن» للضغط على الأب السيدهن «لينش».
هذا التكتيك شائع لدى السلطات الضريبية ؛ فاستخدام الأصدقاء والأقارب كوسيلة ضغط هو طريق قياسي لإجبار الناس على الانصياع.
وإذا ما أُقحم «فوكس الابن» في الأمر ، فستنتشر شائعات بأن «فوكس بيكتشرز» عالقة في عاصفة من التحقيقات ، مما قد يعطل الإصدارات القادمة.
لكن معرفة ذلك لا تجعل الأمر أسهل تماماً كما يعرف الناس أن أشياء معينة ضارة أو خاطئة أو غير قانونية ؛ فالمعرفة شيء ، والفعل شيء آخر.
وبما أن «فوكس» الأب كان ما زال صامداً خلف القضبان ، شعر «لينش» أن الوقت قد حان لدعم «فوكس الابن».
«عقد اجتماعاً للمساهمين في القريب العاجل ، سأتولى الأمر بنفسي حين يحين الوقت...»
ثم واسى «فوكس الابن» لبعض الوقت. فبالمقارنة مع والده كان الشاب ما زال يبدو غِرًّا نوعاً ما ، على الرغم من تجاوزه الثلاثين من عمره.
لم يمضِ وقت طويل بعد انتهاء المكالمة حتى اتصلت «فيرا».
«مكتب ضرائب ولاية "يورك " يريد مني العودة وتقديم بعض سجلات الإيصالات. هل يجب أن أذهب ؟» لم تكن تشعر بالقلق ، بل بعدم اليقين.
كانت هي وطفلها يعيشان الآن في «إيميننس» ، ويديران حسابات «صندوق بلاكستون» ، وكان عملها في «سابين» قد أوشك على الانتهاء.
أما حسابات «شركة النجوم للتجارة» التابعة لـ «لينش» ، فقد أُسندت إلى شركة مهنية هناك ، ومع ذلك كان لا بد أن تمر كل تقاريرها المالية عبر «فيرا» للمراجعة النهائية. فلم يكن «لينش» يؤمن بالدفع الأعمى نحو التهرب الضريبي المتطرف ، فقد كان يراه حماقة.
وإلى جانب هوسه بالحفاظ على سجلات نظيفة كان واثقاً من عدم وجود مشاكل.
لكن ذلك لا يعني استحالة وجودها ؛ فمكتب الضرائب لم يكن معروفاً باللعب النزيه ، ولم يكن لديهم أي حرج في استخدام أي وسيلة تحت تصرفهم.
«سأمر عليكِ بعد قليل...»