الفصل 625: سندات "هارموني " الذهبية
لم يكن رأس المال يوماً شغوفاً ، أو رقيقاً ، أو عطوفاً ، أو مشرقاً كشمس الضحى ؛ فرأس المال باردٌ لا يلين ، وقاسٍ لا يرحم ، وشرهٌ لا يشبع. وإن أخبرك أحدهم يوماً أن الرأسمالي إنسانٌ طيب ، فصفعه على وجهه وابصق عليه.
سواءٌ تعلق الأمر بانهيار شركة "إيفر برايت " أو سقوط "ليستون " فقد كان كلا الحدثين إيذاناً بانطلاق أرباحٍ تقدر بعشرات الملايين. قد تبلغ الشركة عتبة الطبقة المخملية خلال عمرها بالاستغلال الفج للعمال -طالما استغلت عدداً كافياً منهم لجني أرباح طائلة- إلا أن نموها لن يضاهي أبداً سرعة وضخامة رأس المال حين يلتهم رؤوس الأموال الأخرى.
في عالم الرأسمالية الفيدرالية الراهن ، طرأ تغيرٌ دقيق على مفهوم رأس المال. ففي البدء كان الناس يصفون بالرأسماليين أولئك الذين يسعون للربح عن طريق الاستغلال والقمع والخداع. أما الآن ، فقد صار يُطلق هذا الوصف على من يستخدمون الأدوات المالية والأساليب المتقدمة لاقتناص الأصول -أفراداً كانوا أو جماعات- لتحقيق الغاية ذاتها ؛ وهذا انعكاسٌ لتطور العصر.
حتى بين الرأسماليين أنفسهم ، تشكلت فئتان: الصناعيون والممولون. ومن المثير للسخرية أن الممولين يميلون للازدراء بالصناعيين ، رغم أنهم لا يستطيعون الاستغناء عنهم. لو اكتفى "لينش " بفتح المصانع وإنتاج السلع وبيعها ، لقضى حياته كلها محاولاً جمع ما بين يديه الآن. و لكنه اليوم ، وبجمعه بين وسائل معينة ، نال تلك الثروة بيسر.
ومع ذلك فإن تسميتها "مالاً " ليست دقيقة تماماً ؛ فالأصول الثابتة والسلع الاستثمارية لا يمكن تقييمها بمجرد أرقام نقدية. ففي عالم المال ، لا تُعتبر العقارات والسلع الاستثمارية ثروةً حقيقية إلا بعد تسييلها ، وما لم يحدث ذلك فهي مجرد بضائع.
لقد استحوذ "لينش " على تلك السلع ، وكان من المقرر توزيع جزءٍ منها على آخرين في السلسلة. ساعدته المصارف ، وبالطبع نال بعضُ من فيها نصيبهم من الفوائد ؛ فـ "لينش " لم يكن رجلاً شحيحاً. أما السيد "ترومان " فقد قدم المساعدة أيضاً ، لكن "لينش " لم يكن بوسعه منحه سلعاً أو أموالاً مباشرة ؛ فهذا يُعد رشوةً وجريمة. ومع ذلك استطاع استخدام اسم "ترومان " لتقديم مزايا معينة للجيش الفيدرالي كنوعٍ من رد الجميل.
فالصداقة أخذٌ وعطاء ، والمساعدة بين الأصدقاء متبادلة. حيث كانت قاعدة "ترومان " ترتكز على الجيش ، وطالما ظلت علاقاته هناك قوية ، سيظل منصبه في الحكومة الفيدرالية راسخاً. وحتى لو خسر الرئيس إعادة الانتخاب كان بإمكان "ترومان " الانسحاب وتولي منصب رفيع المستوى في وزارة الدفاع.
كما كان لزاماً إشراك شركة التطوير المشترك ؛ فقد بدت غير معنية مباشرة بالأمر ، لكنها كانت كذلك -إلى حدٍ ما على الأقل-. ولولا موقفها الحازم ، لما تعاونت المصارف الكبرى الست بهذه السهولة. وربما لم يهتم مجلس إدارة الشركة كثيراً بما قدمه "لينش " لكن كان لا بد من إظهار بعض التقدير لهم ؛ كالسماح لهم مثلاً بالاستخدام الحر لواحدة أو اثنتين من العقارات المرهونة للسيد "هيربوس ".
ظلت ملكية العقارات لـ "لينش " لكن عندما احتاج الآخرون لاستخدامها لم تكن هناك شروط. لم يكلفه هذا النهج الكثير ، لكنه أظهر النبل والسماحة ، وكسب به الود والصداقة.
لم يكن عالم المال يوماً بسيطاً. و لقد وُزعت بعض المنافع الصغيرة ؛ ومع أن دخل "لينش " الصافي قد انخفض قليلاً إلا أن هذا "القليل " ما زال يعادل عشرات الملايين كثروة عينية.
بعد أن أغلق سماعة الهاتف ، شعر "لينش " بالرضا. دندن بلحنٍ وابتسم لنفسه ، وكان يضحك على ذاته ؛ فقد كان شريراً أكثر من اللازم. و لكن هذا هو رأس المال ، وهذا هو العالم. بضع خطوات محسوبة أطاحت بمصرفي دولي شهير. وبالطبع ، لو تعثر "لينش " لخسر خسارةً فادحة ، لكنه لعب بذكاءٍ أكبر.. وفاز.
"تبدو في مزاج جيد ؟ " كانت "جانيا " مستلقية على الأريكة بوضعية مريحة ، تشاهد الأخبار ؛ تقارير متعلقة بـ "ناغاريل " إذ كانت "جيفرا " تتابع التطورات عن كثب. و لقد استثمرت الفيدرالية الكثير من الجهد والمال في "ناغاريل " وإذا اتخذت الأمور منحىً درامياً هناك ، فقد تتغير الاستراتيجية الدولية للفيدرالية. ففي هذا العالم المعولم ، تُرصد تغيرات مواقف الدول العظمى بدقةٍ أكبر بكثير من رصدها لدى الدول الضعيفة.
اتكأ "لينش " على الأريكة ، ممدداً جسده ، وقال بصراحة "لقد ربحت للتو عشرات الملايين من الجايل. شعورٌ رائع ".
أحياناً يكون الناس غرباء ؛ إذا قلت لهم الحقيقة ظنوا أنك تكذب ، لكن إن أخبرتهم كذبةً فجة لدرجة أنك أنت نفسك لا تصدقها ، اتخذوها حقيقة. ضحكت "جانيا " وقالت "هذا يعني أنني ربحت المال أيضاً! ".
تعجب "لينش " وسأل "كم ربحتِ ؟ ".
رمقته بنظرة وقالت "مئتا مليون! ".
أدرك "لينش " فوراً ما تقصده ، فاستيقظت رغبته ، ومرر يده برفق على ساق "جانيا " المسترخية على الأريكة. حيث كانت بشرتها ناعمة ومرنة ، وبقوامٍ مثالي. و قال "أترغبين في كسب المزيد ؟ ".
لعقت "جانيا " إصبعها وقالت "فقط إن كان لديك هذا القدر لتمنحه... ".
ما تلا ذلك كان حرباً تجارية ضارية ، بلغت من الشدة ما يعجز الوصف عن نقله ، وفي النهاية ، خسر "لينش " أمام "جانيا ".
بعد أن استلقيا معاً ، سألت "جانيا " بمرح "هل تعرف شركة هارموني المالية ؟ ".
في تلك اللحظة كان "ريتشارد " يرفل في ثوب المجد ، حاضراً مأدبةً أقامها أحد النبلاء لتقديم "ريتشارد " وفريقه لجمهورٍ أوسع. و بعد عام من الدراسة والتمحيص ، بنى "ريتشارد " نموذجه النظري الخاص فوق الإطار الذي قدمه "لينش " ووضعه موضع التنفيذ.
كان "لينش " قد شرح له ذات مرة نوعاً من ألعاب الأعمال ؛ نموذجاً يدفع فيه الناس ثمناً للمثالية. حيث كانت اللعبة بسيطة: اشترِ تذكرة للدخول ، وستتبعك ثروةٌ لا تنتهي. فالمال يجر المال ، وهذا هو جوهر الأمر.
قد يسميها البعض خدعة ، لكن حين يرى الناس أموالاً حقيقية تُرد إليهم في الجولات الأولى والثانية والثالثة حتى وإن اعتقدوا أنها خدعة ، فإنهم يندفعون للمشاركة. التقى "لينش " ذات مرة بزوجين مثقفين ؛ كلاهما أستاذ في جامعة مرموقة ومشرف على رسائل الدكتوراه ، وقد انخرطا هما أيضاً في مثل هذه اللعبة. ونظراً لأنهما كانا من المعارف ، سألهما "لينش " ذات مرة على انفراد إن كانا يدركان ما أقدما عليه.
توقع منهما أن يغضبا أو يشعرا بالإهانة ، لكنهما فاجآه باعترافهما بهدوء أنهما يعلمان تماماً ما يفعلانه ، وأن اللعبة هي خدعة. ترك هذا "لينش " في حيرة من أمره ؛ فإذا كانا يعلمان أنها خدعة ، لِمَ المشاركة ؟ كانت إجابتهما قد كشفت عن أمرٍ لم يفكر فيه من قبل: إنهما يستطيعان جني المال.
في معظم الخدع ، تكون الموجة الأولى من المشاركين هي الأوفر حظاً في الربح ؛ فإذا فشلت جولات الدفع الأولى ، تنهار الخطة. وعادةً ما يستهدف المحتالون من ذوي المكانة الاجتماعية والشبكات القوية في المراحل المبكرة. ومن الواضح أن أسياد الجامعات الكبرى ومشرفي الدكتوراه كانوا يلبون هذه المعايير. وقد انكشفت تلك الخدعة في النهاية ، وخسر الكثيرون كل شيء ، لكن ذلك الزوجين خرجا من اللعبة بأرباحٍ من ثمانية أرقام.
هذه ليست مزحة ، بل حدثت بالفعل.
والآن كان "ريتشارد " يواجه وضعاً مشابهاً. فمع بدء عمليات "هارموني المالية " كانت قد جذبت بالفعل عدداً من العملاء المهمين في الجولة الأولى ، من بينهم أبناء الطبقة الوسطى ، بل وحتى أحد النبلاء.
كان وعد الأرباح المرتفعة جذاباً لا يُقاوم في مجتمعٍ يشعر فيه الناس بزيادة انعدام الأمن. فالتنمية المحلية كانت متراكدة ، وبدت منطقة "أميليا " كبئرٍ بلا قاع تلتهم الإنتاج القومي. لم يعرف الناس كيف يتخذون الخيارات الصحيحة حتى ظهر "ريتشارد ".
إن عائداً بنسبة 8% لكل دورة أذهل الجميع. ومع استمرار كل دورة 30 يوماً فقط ، فهذا يعني اخذ رأس المال بالكامل خلال عام ، وفي العام الثاني ، أرباحاً ثابتة بنسبة 8% شهرياً. لا تقدم الصناديق الاستثمارية العالمية الشهيرة حتى 15% سنوياً ، بينما وعدت "هارموني المالية " بـ 96% سنوياً. أيمكن أن تكون خدعة ؟
لا ، إما أنها ليست خدعة ، أو أنها تُدار من قبل محتالين بارعين جداً.
لم تكن "هارموني المالية " تفتقر إلى أساسٍ حقيقي ؛ فوفقاً لـ "ريتشارد " كان لديهم العشرات من فرق المسح التي تبحث عن مناجم الذهب حول العالم ، مع عددٍ ثابت من الاكتشافات الجديدة كل عام ، وكلها تُوضع في حيز الإنتاج. حيث كانت المنتجات المالية التي يصدرونها تُسمى "سندات هارموني الذهبية " ويفترض أن تأتي كل عوائد المستثمرين من مناجم الذهب هذه.
بعض الصور ، وبضعة تقارير وموجزات ؛ انضم الناس بحذرٍ في البداية ، لكن بعد جولتين ثابتتين من الدفع لم يعد أحد يهتم إن كانت "هارموني المالية " أو سنداتها خدعةً أم لا. اهتموا فقط بالأرباح الهائلة.
انضم المزيد والمزيد من الناس عبر قنواتٍ مختلفة ، وتضاعفت الأموال تحت سيطرة "ريتشارد " بسرعة. ثم قام أحد مستثمريه الرئيسيين -وهو كونت إمبراطوري- بتنظيم هذه المأدبة خصيصاً لجذب المزيد من المشاركين.
وسواء كانت خدعة أم لا ، طالما ظل "ريتشارد " يربح المال ، فلن يخسر أولئك الذين دخلوا مبكراً. وما إن وصل آخر الضيوف حتى أمر الكونت بإغلاق أبواب القاعة ، ورفع كأسه واقفاً بجانب "ريتشارد " وصرخ قائلاً "إلى ريتشارد وإلى السندات! ".