Switch Mode

كود بلاكستون 619

التقاط على قيد الحياة +


«لم يعد الجِفرانيون يجرؤون على مغادرة مدنهم بحرية. علينا استغلال نقاط تفوقنا لقطع كل صلات الوصل بين المدن ، لنحوّل كل واحدة منها إلى جزيرة منعزلة في خضم هذه الحرب!»

في كهفٍ رطب كان الشاب الذي يحمل الاسم الحركي «سونو» (السنونو) يناقش خطط المعركة التالية مع فريقه الذي ضم قادته ونخبة من زعماء حركة التمرد. وقد تجمّعوا هناك ليصغوا إلى رؤى «سونو» الثاقبة التي كانوا يعتزمون بثّها في أرجاء المقاومة.

كانت جماعة «سونو» أول فصيل متمرد يذيع صيته -وفقاً لتقييم الجفرانيين أنفسهم- حتى إن سكان «أميليا» أطلقوا على هؤلاء المتمردين ألقاب «روّاد الحرية» أو «أبطال المقاومة» ؛ تخليداً لنضالهم ضد الاستبداد الجفراني.

ولكن ، هل كان هناك طغيان حقاً ؟

إذا أمعن المرء النظر ، سيدرك أنه قبل هذه الانتفاضات لم يعانِ عامة الناس في «أميليا» من أذى يُذكر ، فقد كانت حياتهم تسير على نهج أسلافهم. بل على العكس من ذلك ولأن الجفرانيين سعوا لكسب القلوب ، تحسّنت حياة بعض العاديين من الناس.

لقد تغيرت بعض القواعد الاجتماعية ، إذ استبدل الجفرانيون العملة القديمة بعملة «الغيل» ، وفرضوا مناهج دراسية جديدة في المدارس. وبالنسبة لعامة الناس كانت هذه التغيرات مقبولة إلى حد كبير ؛ فوضعهم الاجتماعي وحياتهم اليومية ظلا ثابتين تقريباً ، بغض النظر عن الأيديولوجيا أو التعليم الذي يتلقونه.

أما الضحايا الحقيقيون فكانوا النخب السابقة والطبقات الحاكمة ؛ فقد سُلبوا سطوتهم وثراءهم. ولأنهم لم يطيقوا تقبّل هذا التحوّل كانوا هم أول من تمرّد. حيث مدفوعين بطموحهم ، تشكّلت أولى جماعات التمرد ، وهم يهتفون «يسقط الاستبداد الجفراني!» ، وبدأوا باغتيال الجفرانيين ومهاجمة دورياتهم ، مما أشعل فتيل صراع عميق بين السكان المحليين والمستعمرين.

وباستخدام دعايات مغرضة ، تحوّل ما كان في الأصل صراعاً بين نخب قديمة وأخرى جديدة إلى ما بدا وكأنه نضال بين الناس وحكّامها. ثم جاءت أخطاء السياسات لتصب الزيت على النار ، وتزيد من حدة الكراهية.

ومع ذلك لا أحد يستطيع أن يضمن صوابية كل قرار ؛ فالحاكم الجفراني في «أميليا» لم يكن قديساً ، بل كانت سياساته تترواح بين الرشاد والزلل. ومع تصاعد التوترات ، أُعطيت المشاكل الصغيرة حجماً أكبر من حجمها ، فكانت كمن «يصبّ الماء في غربال».

من بين جماعات عديدة كانت جماعة «سونو» هي الأكثر وضوحاً في أيديولوجية المقاومة ، بفضل معتقداتها الراسخة واستراتيجيتها الفعالة ، والتي كانت هو نفسه صاحب الفكرة الأولى فيها. حيث تمثلت استراتيجيتهم في تفكيك القوات الجفرانية خارج المدن ، وحشرهم داخل حدودها ، ثم التسلل تدريجياً لإنهاك مقاومتهم.

في البداية ، رفض الناس نهج «سونو» ؛ فقد أرادوا طرد الجفرانيين من المدن فوراً ، لكن كل هجوم كانوا يشنّونه كان ينتهي بـ«أنهار من الدماء». لقد ذُبح الكثير من الأبرياء ، وحتى الآن ، لا تزال الشوارع تحمل آثاراً قرمزية داكنة لا يغسلها المطر.

اقترح «سونو» الخروج من المدن لتوسيع مساحة المناورة ، ونقل خطوط المواجهة الرئيسية من المدن الخاضعة لرقابة مشددة إلى البراري الفسيحة. وقد حقق هذا للمقاومة نجاحاً لم يسبق له مثيل. والآن ، طرح «سونو» استراتيجية «الجزيرة» ؛ فبدأ الناس يتقبلون نظريته ويتعلمونها حتى إن أعضاء من جماعات أخرى وفدوا لدراستها.

«يجب أن نقطع كل الروابط بين المدن ، لنزرع الذعر في نفوسهم. لن يعرفوا ما يحدث في الخارج ، وسيعيشون في قلق دائم من التعرض للهجوم».

«سيؤدي هذا إلى تقليص مناطق نشاط الجفرانيين بشكل حاد. ومن المرجح أن ينكفئوا على أنفسهم داخل مناطق صغيرة ، ولن يجرؤوا على الظهور في العلن خوفاً من الاغتيالات».

«لسنا بحاجة لتحرير المنطقة بأكملها دفعة واحدة. سنستولي على مدينة صغيرة أولاً ، ونجعلها قاعدة لنا ، ثم نوسّع نفوذنا حتى نربط كل شيء ببعضه».

«عندها ، سيكون الجفرانيون ضعفاء ، وسنكون نحن الأقوى...»

كانت نظرية «سونو» بسيطة وواضحة ، سهلة الفهم والبناء عليها. حتى إن بعضهم كان يفكّر في صمت: «هذا الرجل يستحق اسمه الحركي (السنونو) ؛ فهو رمزٌ للبراعة».

ساد جو من الثقة داخل الكهف ؛ فقد كانت المقاومة تنتصر بثبات ، والجميع يغمره إيمان بأن النصر حتمي. وكان هذا يعود جزئياً إلى ضعف جودة الجيش الجفراني ؛ فقد كانوا يجهلون مدى قوة بحريتهم ، بينما كان جيشهم البري واهياً ، بل وأدنى مستوى من مدنيين متدربين تدريباً بسيطاً مثلهم.

من الخوف الأولي إلى الثقة الهادئة الآن كانت عشرات الآلاف من جثث الجفرانيين قد رسّخت إيمان المقاومة ؛ فإذا كان خصومهم بهذا الضعف ، فمن المؤكد أنهم سيطردون كل الغزاة ويستعيدون وطنهم.

في تلك الأثناء كان بعض الرجال قد قطعوا مسافة سيراً على الأقدام ، وعبروا تلّة ، وتسللوا إلى الجوار. ثم قاموا بهدوء بالقضاء على العديد من الحراس المخفيين على طول الطريق. حيث كان هؤلاء الرجال يتبعون بدقة إرشادات مدرّبيهم حول كيفية وضع الحراس ، وأماكن تمركزهم ، والمسافة الفاصلة بينهم. وهذا ما سهّل على فريق الرائد تحديد مواقع جميع الحراس والاقتراب من معقل المتمردين دون أن يُكتشفوا.

«تذكروا ، ألقوا القبض عليهم أحياء إن أمكن ، وإلا فاقتلوهم فور رؤيتهم».

بعد إصدار الأوامر النهائية ، أخذ الرائد نفساً عميقاً وأمر بالهجوم. انتشر فريقه بسرعة ، متخذين مواقع استراتيجية لتطهير المكان من المتمردين. ما لم يتوقعه الرائد هو وجود غرباء في هذا الموقع ؛ فقد أتى متمردون آخرون للتعلم ، ولم يلتزم هؤلاء بالقواعد المحلية. و خرج اثنان منهم لتدخين سيجارة ، فاكتشفا نقطة حراسة خالية.

«يفترض أن يكون الأمر صارماً هنا...» قال أحدهما ساخراً ، وهو يناول سيجارة للآخر بابتسامة مستهزئة.

كان الناس يقولون إن «جبهة استقلال أميليا» تتسم بالصرامة والمهنية ، على عكس الجماعات العشوائية الأخرى ، وكأنهم يوحون بأنهم هم النخبة وغيرهم حثالة. و جميعهم يخاطرون بحياتهم بالتساوي ، فلماذا رسم هذه الخطوط الفاصلة ؟

برؤية الحارس المفقود ، تآمر الغريبان بمرح لإحراج «جبهة الاستقلال». كانت خطتهما بسيطة: القيام بمزحة غير مؤذية ، كادّعاء أن أحدهم تعثر في الجوار واختفى الحارس. حيث كان من شأن ذلك أن يثير ذعر الجماعة بأكملها ، وعندما تنكشف الحقيقة -بأن الحارس كان يتقاعس عن عمله- سيعرفون مدى غطرسة الجبهة.

لم يكد الغريبان يأخذان أنفاساً قليلة حتى ألقيا سجائرهما وعادا بسرعة إلى الكهف. وسرعان ما انطلقت صافرات الإنذار. تجمّد الرائد في مكانه ؛ فلم يكن هذا جزءاً من الخطة. و لقد ساءت الأمور.

وبما أن الكهف كان مترابطاً ، فقد كانت الخطة تقضي بإشعال دخان سام عند المداخل الأخرى لإجبار المتمردين على الخروج من مخرج أوسع ، حيث سيتم محاصرتهم. و في الخارج كانت تكمن قواتهم المطوّقة ، مستعدة للإجهاز عليهم. ولكن الآن ، تغيّر كل شيء.

بعد لحظة تردد ، أمر الرائد بالهجوم الفوري ، مع إبقاء الخطط الأخرى على حالها. مزّق نار صمت الليل ، وصبغت المعارك الشرسة ليلة أوائل الصيف بالدماء. استمر دويّ الرصاص طويلاً ، وبعد أن تلاشى الدخان السام ، وتأكدوا من عدم وجود ناجين في الداخل ، خرج رجال الرائد بحذر ، مع بقاء بعضهم في وضعية المراقبة.

بعد بضع طلقات متفرقة ، خيّم الصمت على المكان. حيث كان معظمهم قد قُتلوا ، لكن بعضهم نجا ، وكان «سونو» من بينهم. حيث كان هو قائد جبهة الاستقلال ، ورمزاً لروحهم المعنوية ، فحموه في المنتصف. حيث كان مصاباً ، لكن جراحه لم تكن قاتلة.

«من أنتم ؟»

مقيّداً ، نظر «سونو» إلى هؤلاء الرجال المسلحين الذين كانوا مختلفين عن الجيش الجفراني الذي واجهه من قبل. حيث كان فمه جافاً من فقدان الدم. لم يصدق أنهم جفرانيون ؛ فلو كان لدى الجفرانيين مثل هذه القوات النخبوية ، لما ظلت المقاومة صامدة هنا.

لم يجب الرائد ، بل رفع سلاحه وضرب رأس «سونو» بمقبضه بقوة. وبصوت مسموع ، أظلمت الرؤية أمام عيني «سونو» ، وفقد وعيه.

في تلك اللحظة كان الحاكم الذي أنهى لتوّه احتساء شرابه واستلقى في سريره استعداداً للنوم ، قد انتفض مذعوراً فى الرنين الهاتف الحاد.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط