«سيد لينش ، يرغب السيد هيربس في مقابلتك...»
اتصل موظف الاستقبال في الفندق بـ«لينش» الذي كان يخلد إلى الراحة بعد أن أتمّ مفاوضات التبادل الثقافي مع «جيفرا». لقد نجحت حجج «لينش» في إقناع قيادة «جيفرا» ؛ إذ وافقوا في نهاية المطاف على الانخراط فى تبادلات ثقافية محدودة ومتعددة الأبعاد مع الاتحاد ، بدلاً من التمسك الأحمق -كما كان حالهم في السابق- بوهم أن ثقافة «جيفرا» وحدها تستحق الاهتمام وما سواها حثالة.
كان هذا التحول نتيجة طبيعية للقوة العسكرية والسياسية ؛ فحين تكون ضعيفاً ، لا يُعبس بصراخك ويُعدّ ضجيجاً خلفياً لا قيمة له ، أما إذا أصبحت قوياً ، فإن همسَك يدفع الآخرين إلى إرهاف السمع خوفاً من أن يفوتهم شيء قد يضعهم في خانة أعدائك.
كان «الجيفريون» يأملون أن يساعدهم التبادل الثقافي في أن يراهم الاتحاد كأمة غير شريرة. ومع التقدم الاجتماعي ، بات يُنظر إلى الملكيات على أنها أنظمة فاسدة ومتخلفة ، وباعتبار «جيفرا» أمة منتصرة ومعتدية في آن واحد كانت صورتها الدولية في الحضيض. وإذا تمكنوا من دفع الرأي العام في الاتحاد نحو تبني رؤية «جيفرا» وقيمها ، فإن الصراع العسكري بين الطرفين سيصبح أمراً مستبعداً تماماً.
لقد ثبتت صحة هذا المنطق ؛ فسياسة الانعزال السابقة والتوجه الحالي نحو الانفتاح و كلاهما يعكس إرادة عامة الشعب في الاتحاد. وإقناعهم يعني بالضرورة إقناع الحكومة ؛ وهذا كان السبب الجوهري وراء موافقة «جيفرا» على التبادل الثقافي. و لقد كان تطوراً إيجابياً دفع بقطار السلام العالمي خطوة ذات مغزى.
ومن الجدير بالذكر أن برنامج التبادل تضمن تعاوناً سينموياً ، حيث ستمثل «جانيا» بلادها «جيفرا» وتسافر مع الوفد إلى الاتحاد. وبناءً على اقتراحها ، اتفق الطرفان على إنتاج ما لا يقل عن ثلاثة أفلام روائية ذات طابع أيديولوجي ، وستلعب «جانيا» دور البطولة في أحدها.
كان الطرفان راضيين عن النتائج ، لكن اندلعت أزمة «ناجاريل» فجأة.
كان «لينش» يراقب الموقف بدقة من فندقه ، وكان يتوقع زيارة السيد «هيربس». ففي ذلك الصباح ، في بورصة «جيفرا-فينوس» ، تراجع سعر صرف «الفاليير» إلى 300 مقابل 1 من «الجال» ، وهو ما يعادل تقريباً 170-180 مقابل 1 من «السول» الاتحادي ، في انحدار حاد آخر منذ الليلة الماضية.
يعتقد كثير من المراقبين الدوليين أن وضع «ناجاريل» لن يتحسن في أي وقت قريب ؛ فالاتحاد لم يكتفِ برفض تقديم العون ، بل حذّر الدول والأفراد بعبارات مبطنة من التدخل في شؤون «ناجاريل» الداخلية. أما العائلة المالكة فلم تكن تملك حلولاً فعالة ، بل يمكن القول إنها لم تفعل شيئاً على الإطلاق ، مما يعني أنه من غير المرجح أن تعالج الآثار المترتبة في القريب العاجل ، وربما لن يحدث ذلك حتى يتم استبدال مملكة «ناجاريل» بنظام جديد تماماً.
حتى إن بعض الصحف الجريئة نشرت عناوين مثل «العد التنازلي للانهيار» ، مما عكس التشاؤم العالمي تجاه مستقبل العائلة المالكة.
كل هذا دفع السيد «هيربس» للجوء إلى «لينش». فما زالت أمامه فرصة لتقليل خسائره ؛ فلو استطاع اخذ «الفاليير» الخاص به الآن ، لتمكن من سداد ديونه سريعاً وبيع البقية للمضاربين اليائسين الذين يراهنون على ارتداد السوق. ورغم هبوط الأسعار كانت السوق تعج بالمقامرين الذين يقتنصون الفرص عند القاع تماماً كما حدث خلال الأزمة المالية للاتحاد قبل سنوات. فالناس دائماً على استعداد للمراهنة على حدوث معجزة.
إذا توصلت «ناجاريل» إلى اتفاق مع الاتحاد -أو حتى مع دولة أخرى- وبقي النظام قائماً ، فلن يتم إخراج «الفاليير» من النظام الدولي ، وقد تدرّ تلك المراهنات أرباحاً طائلة.
لقد كان «لينش» نفسه يوماً ما هذا الشخص المجنون ؛ فقد اشترى هو وزميل آخر له سندات حرب «جيفرا» حين كانت تُعدّ قصاصات ورقية لا قيمة لها. و في ذلك الوقت ، ظن الكثيرون أنه فقد عقله باستثمار كل ما يملك ، لكن «لينش» وأمثاله كانوا يراهنون على فرصة واحدة من عشرة آلاف لمضاعفة رأسمالهم مئة مرة.
الاستثمارات العادية نادراً ما تتضاعف ، وكلما زاد رأس المال ، أصبح ذلك أكثر صعوبة. و لكن في هذه الأسواق المتطرفة ، تغري العوائد الفلكية الجريئين. ولطالما وُجد هؤلاء المجازفون ؛ لذا إذا استطاع «هيربس» استعادة ماله ، فقد يتمكن من تقليص خسائره.
بعد وقت قصير ، التقى «لينش» بالسيد «هيربس» في ردهة الفندق. وبالمقارنة مع لقائهما الأخير في إحدى الأحزاب ، بدا «هيربس» أشعث الشعر ومُنهكاً. لم يعد شعره مرتباً بعناية ، وفقدت عيناه حدتهما السابقة ، وبدا عليه الإعياء الشديد.
قال «هيربس»: «سيد لينش ، شكراً لأنك خصصت وقتاً لمقابلتي...». لقد تلاشت غطرسته التي كانت يحملها تماماً. و لقد كشف خطة «لينش» قبل انهيار «الفاليير» ، لكنه لم يجد سبيلاً للهروب. فالصراعات بين الدول لا يمكن لأمير صغير أن يؤثر فيها ؛ فبمجرد أن تبدأ عملية بهذا الحجم ، يصبح الجهد الفردي بلا معنى. و لقد رأى الهاوية تقترب لكنه لم يملك وسيلة لإيقاف سقوطه.
جاء الآن إلى «لينش» ليتوسل ، آملاً أن يسترد بعض أمواله تقديراً لرأس المال الذي وفره له. حيث كان نبرة صوته محترمة ، بل ومتواضعة -وهو أمر لم يظهره لـ«لينش» من قبل-. فمهما نال «لينش» من ثناء في العالم لم يعتقد «هيربس» يوماً أن «لينش» أفضل منه. حيث كان لديه كبرياؤه الخاص ، وكان يحتقر «لينش».
منذ لقائهما الأول ، حين تسبب في خسارة «لينش» لملايين من السيولة ، وصولاً إلى اللقاءات اللاحقة حين كان هو الأكثر ثراءً ومكانة ، لطالما شعر بالتفوق. ذلك الكبرياء جعل من المستحيل عليه أن يحني رأسه.
لكن الآن...
ابتسم «لينش» وقال: «تفضل بالجلوس يا سيد هيربس. إنك مهذب جداً ، وهذا لا يشبهك». ثم توقف قليلاً وأضاف: «هل تود شرب شيء ما ؟».
أجاب «هيربس» بغريزته: «لا...» ، ثم أعاد التفكير وقال: «قهوة ، من فضلك. شكراً لك».
طلب «لينش» كوبين ، وأخذا يرتشفان القهوة ، وساد الصمت المكان. فلم يكن «لينش» في عجلة من أمره ، وظل محتفظاً بابتسامته المسترخية المعتادة. أما «هيربس» فلم يتحمل الانتظار ، وضع كوبهُ ونظر إلى «لينش»:
«سيد لينش ، بخصوص اتفاقنا... هل من الممكن إنهاؤه مبكراً ؟». انتقى «هيربس» كلماته بعناية ، وتابع: «أنت تعلم مدى انهيار الفاليير. و أنا مستعد لدفع شرط جزائي. أرغب فقط في اخذ جزء من الأموال ، حصتي الخاصة».
نظر إلى «لينش» برجاء ، فرد عليه «لينش» بهدوء: «ما علاقة ذلك بي يا سيد هيربس ؟ لا أفهمك».
«لدينا عقد. و عندما كان الفاليير يرتفع بسرعة كانت مخاطرتي تزداد. لم أقترح يوماً إنهاء العقد مبكراً لأننا اتفقنا على أن كل شيء يسير وفقاً للعقد».
«والآن وقد انهار الفاليير ، أنا آسف أيضاً ، لكن إنهاء العقد مبكراً...» ، هز «لينش» رأسه قائلاً: «مستحيل يا سيد هيربس. حتى لو دفعت شرطاً جزائياً ، سأظل أتكبد خسارة فادحة».
كان «لينش» محقاً ؛ فبصفته المقترض كان قد تحمل مخاطر كبيرة عندما ارتفعت قيمة «الفاليير». فالأموال المقترضة ليست للادخار ، بل للاستخدام ، وإنفاقها يخلق تعرضاً لمخاطر تقلبات سعر الصرف. ومع صعود «الفاليير» ، تضاعفت ضغوط «لينش» ومخاطره.
إذا أنفق «لينش» المال حين كان سعر «الفاليير» 100 مقابل 1 ، ثم ارتفع إلى 50 مقابل 1 ، فإنه سيحتاج إلى 2 «سول» لشراء كل 100 «فاليير» ، مما يعني خسارة 1 «سول» في العملية. و لقد اقترض 10 مليارات ؛ ومع تقلبات الصرف تلك حتى بدون فوائد ، لو لم ينهَر «الفاليير» ، لكان قد خسر عشرات الملايين من «السول» الاتحادي.
كان منطقه سليماً تماماً ، مما جعل «هيربس» عاجزاً عن الرد.
في الحقيقة ، عندما كان «لينش» هو من يواجه المخاطر لم يطلب يوماً إنهاء العقد مبكراً ، وحتى لو فعل ، لما وافق «هيربس». والآن وقد انتقلت المخاطر والضغوط ، وأصبح «هيربس» في مأزق ، أراد التراجع ، لكن «لينش» بوضوح لم يكن ليوافق.
لحس «هيربس» شفتيه ، وبدا عليه الانكسار: «لقد تقدمت في السن... لا أستطيع تحمل ضربة كهذه. سأبذل قصارى جهدي للتعويض عن خسائرك ، سيد لينش...».