قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد ومملكة «ناجاريل» كانت هناك أصواتٌ تالمُبجل في المجتمع ، تدّعي أن الحكومة الاتحادية تفرّط في المصالح الوطنية من أجل ما يُسمى «الصورة الدولية».
كان هؤلاء يجادلون بأن الحكومة توفر وظائف وفيرة وتستثمر بكثافة في «ناجاريل» ، داعمةً بذلك تنميتها ، بينما تتجاهل القضايا المحلية. وحتى اليوم ، ما زال البعض يعتنق هذا الاعتقاد ؛ إذ يرون أن مبالغ طائلة تُهدر في «ناجاريل» ، ولا يستفيد منها سوى الرأسماليين ونخبة مختارة في الداخل ، بينما قام أصحاب المصانع والرأسماليون بتقليص أعمالهم محلياً ، مما أدى إلى تزايد أعداد العاطلين عن العمل.
ما زال البعض يشعر باستياء عميق ومرارة ؛ فلو كُشف في هذه اللحظة أن جزءاً كبيراً من احتياطيات النقد الأجنبي قد صار بلا قيمة ، لثارت ثائرتهم. وبينما قد تكون الضربات والاحتجاجات والمظاهرات أمراً مستحدثاً على مملكة «ناجاريل» ، فهي بالنسبة للاتحاد جزء من الحياة اليومية التي لا تكاد تهدأ.
كانت الأنظار شاخصة نحو السيد «ترومان». وبدا أن بعض الصحفيين ، لا سيما الأجانب منهم ، يتلذذون بهذا الاضطراب ، ويستمتعون برؤية الاتحاد في مأزق. وفي مواجهة هذه القضية الشائكة لم يُبدِ «ترومان» أي تأثر ، بل ترقرق أثرٌ من الازدراء على وجهه.
عدّل الميكروفون أمامه -وهي حركة اعتاد عليها- وما إن اتجه انتباه الحاضرين إلى يده حتى بدأ في الحديث: «لقد وقعنا مذكرة تفاهم بشأن التنمية المشتركة لصناعة واقتصاد ناجاريل مع السلطات هناك و ربما لا يكون الكثير منكم على دراية بها ؛ لأننا لم نكشف عنها بالكامل للجمهور. إنها ليست عقداً حكومياً ولا لائحة قانونية ، بل مجرد مذكرة تفاهم».
«لكن بعض أجزائها معروف للجميع ؛ على سبيل المثال -وتهكم ضاحكاً- اتفاقنا على الاحتفاظ بعملات بعضنا البعض. حيث كان النية من ذلك دفع قيمة عملة (فاليير) نحو الارتفاع ، مما يساعد في تقليل العجز التجاري في ناجاريل ، ويسمح بتدفق المزيد من الأموال إلى مجتمعهم الأوسع بدلاً من اكتنازها من قبل جماعات المصالح».
«تنص المذكرة على أن كلاً من اتحاد (بيلور) ومملكة (ناجاريل) سيحتفظان بالعملة القانونية للطرف الآخر كاحتياطيات نقد أجنبي ثابتة ، وهذه الأموال لا يجوز تغييرها أو استخدامها بشكل تعسفي».
«لقد وضعنا قيوداً تتعلق بالالتزامات ؛ فإذا تغير النظام السياسي الاتحادي -على سبيل المثال ، إذا قام شخص طموح بتغيير النظام الحالي- أو إذا تغيرت بنية الحكم في ناجاريل -كأن تطيح العائلة المالكة أو يحدث أي أمر آخر...-».
«فإذا أصبحت سيادة أي من الحكومتين أو بنيتها السياسية غير مستقرة ، يحق للطرف الآخر تعليق جميع بنود المذكرة حتى تستعيد الأوضاع استقرارها».
ابتسم «ترومان» ، وألقى نظرة على الوثيقة الموجودة على الطاولة ، ثم دفعها جانباً وقال: «لذا سنسترد قريباً أموالنا المودعة في بنك ناجاريل المركزي الذي أُنشئ حديثاً ، بمجرد أن تستقر الأوضاع هناك».
بعد لحظة من الصمت المذهول ، أدرك الصحفيون فجأة ما قصده «ترومان» ؛ فالأموال لم تضع ، بل كان بإمكانهم اخذها. ارتفعت الأيدي في كل مكان ، وتسابق الصحفيون لطرح أسئلة تكميلية: هل كان كل هذا مدبراً مسبقاً ؟
كان هذا الرد فعل مفهوماً ؛ فكل شيء بدا مثالياً أكثر من اللازم ، وكأن الحكومة قد توقعت كل النتائج واستعدت لها. أثار هذا تساؤلاً جديداً في أذهانهم: متى أصبحت حكومتنا بهذا القدر من الكفاءة والدقة ؟ وهكذا ، وُلدت نظريات المؤامرة.
في الواقع كانت جميع المؤسسات التي اشترت عملة «فاليير» علناً قد انسحبت بالفعل. و لقد كان الاتحاد هو الأكثر استثماراً ، لكنه كان أيضاً صاحب الضمانات الأكثر إحكاماً. بل إن الحكومة الاتحادية حققت أرباحاً متواضعة من خلال سلسلة من الصفقات الآمنة.
لقد استُخدمت «فاليير» على نطاق واسع في استيراد مواد مختلفة ، وكان هذا عاملاً رئيسياً في ارتفاع قيمة العملة ، بهدف تقليل العجز التجاري للمستثمرين الأجانب في «ناجاريل». قد يسأل البعض: كيف يؤثر ارتفاع قيمة العملة على التجارة الدولية ؟ الأمر بسيط في الواقع ؛ ففي السابق ، كنت تحتاج إلى 100 «سول» لشراء 100 قطعة ، أما الآن -وبفضل ارتفاع قيمة العملة- فأنت تحتاج إلى 50 «سول» فقط لشراء نفس القطع المئة ، وبذلك توفر 50 «سول». هذا رأس المال المحرر يمنحك ميزة في التجارة ؛ حيث تفعل الكثير بأقل القليل ، تلك هي فائدة العملة القوية (بافتراض بقاء عرض النقد ثابتاً).
بالطبع ، هناك سلبيات ؛ فبينما يساعد ارتفاع القيمة في الواردات ، فإنه يضر بالصادرات ؛ لأن المصدرين يتلقون أموالاً أقل مقابل نفس البضائع. و هذه مجرد أمثلة مبسطة ، ففي الواقع ، العلاقة بين العملة والمجتمع والتجارة أكثر تعقيداً بكثير.
لقد ربحت الحكومة الاتحادية والتجار الكثير من هذه الصفقة ؛ فقد دفعوا أجور «ناجاريل» الزهيدة أصلاً بنصف قيمتها ، واستخدموا «سول» الاتحاد القوي لشراء مواد خام بعملة «فاليير» ، مما أدى إلى خفض التكاليف أكثر. وفي النهاية حتى احتياطي بمليارات «الفاليير» على الأرجح منح الاتحاد وشركة التنمية المشتركة وجميع الشركات التابعة لها فوائد حقيقية تفوق القيمة الاسمية لذلك الاحتياطي. والآن ، أصبح بإمكانهم اخذ الأموال أيضاً ؛ فقد كانت الخطة محكمة لدرجة لا يمكن معها أن تكون وليدة الصدفة.
بالنظر إلى حشد الصحفيين الذين كادوا يتسلقون الطاولة وهم يصرخون: «اخترني أيها اللعين!» ، اختار «ترومان» صحفياً محلياً آخر ؛ فالصحفيون المحليون لن يطرحوا أسئلة بالغة الحساسية ، فهم في نهاية المطاف يعيشون ويعملون هنا ، ويعرفون حدودهم.
«شكراً لك يا سيد ترومان. سؤالي هو: إذا طلبت سلطات ناجاريل تدخل الاتحاد في أزمتها الحالية -بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر ، الدعم السياسي أو العسكري لمساعدة العائلة المالكة على تحقيق توحيد حقيقي- فهل سينظر الاتحاد في ذلك ؟».
سؤال حساس ؛ هل ستتدخل الحكومة الاتحادية في شؤون دولة أخرى إذا دُعيت ؟ ما زال السؤال حساساً ، لكنه أقل افتراضية من سابقه.
«قطعاً لا. أعلن مجدداً للجمهور والمجتمع الدولي: الاتحاد أمة محبة للسلام والحرية. نحن لا نتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى حتى لو طُلب منا ذلك من قبل السلطات... نحن نحترم سيادة جميع الدول وحقوق البشرية جمعاء ، ولن نستخدم قوتنا السياسية أو العسكرية للتدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد. و هذا هو مبدأنا!».
كانت «ناجاريل» تزداد سخونة يوماً بعد يوم ، سواء في درجات الحرارة أو في التوترات السياسية. وبسبب الإعلام والخطاب العام ، تحول ما بدأ كقضية اجتماعية إلى مسألة بقاء وطني. و بدأ المزيد من حكام الأقاليم ينقلبون على العائلة المالكة ، مما أضعف شرعيتها. وظهرت فضائح تورط فيها أفراد العائلة المالكة: اغتصاب وقتل لنساء مدنيات على أيديهم ، واختلاس وتحويل أموال عامة إلى الخارج ، وتجديف.
في «ناجاريل» كان كل الحكام تقريباً مذنبين بشيء ما. وبالمال كان بإمكانهم شراء غفران إلهي والإفلات من العقاب ، مما خلق طبقة من الأثرياء وأصحاب النفوذ الذين يكسرون القوانين دون وازع. فالاغتصاب والقتل والإساءة واستعباد الناس كانت أموراً شائعة بين النخبة.
قد لا تسبب حالة أو حالتان ضجة كبيرة ؛ فقد يغضب الناس ، لكن لن يتغير شيء. أما الآن ، فقد كانت هذه الفضائح كوقود سُكب على نار متأججة ، واشتد غضب الجمهور. و بدأ المزيد من المواطنين الذين نظمهم نشطاء ، بالتظاهر حول القصر الملكي ، وراح بعضهم يلقي الحجارة فوق أسوار القصر احتجاجاً.
في مبنى مرتفع بالقرب من القصر كان رجال من الاتحاد يراقبون هذه الفوضى.
سأل أحدهم: «هل سمعت ؟ (لينش) أرسل دفعة أخرى من رجاله. سمعت أن فريق (بلاكستون) الأمني التابع له لديه الآن أكثر من 2,000 موظف هنا. كيف تمكن من إقناع وزارة الدفاع بالموافقة على ذلك ؟».
ذكّر الحشد المتزايد أحدهم بقضية مقلقة ، مما أثار هذا التساؤل. فمع احتمالية انزلاق «ناجاريل» إلى الفوضى -أو حتى الحرب- أرسل «لينش» المزيد من الأفراد المدربين والمسلحين لحماية أصوله وأصول المستثمرين الاتحاديين الآخرين.
قوة مسلحة قوامها 2,000 رجل ليست بالأمر الهين ؛ فمع التجهيزات المناسبة و يمكنهم شن حرب صغيرة في أي وقت. تعد «ناجاريل» مهمة لدرجة أن نشر أفراد مسلحين هناك يتطلب موافقة مسبقة من وزارة الدفاع. والسبب هو أن الوزارة والحكومة الاتحادية ترفضان إرسال قوات مسلحة -من أي نوع- إلى أي منطقة ذات سيادة حتى لو كانت هذه القوات مملوكة للقطاع الخاص.
يتعين على المتقدمين تقديم قوائم بأسماء الأفراد والخضوع لعملية مراجعة ، لكن «لينش» بدا وكأنه يتجاوز كل ذلك ؛ فقد وصل رجاله مباشرة بأعداد أكبر بكثير وتجهيزات أفضل من أي طرف آخر ، مما ترك الناس في حيرة من أمرهم.
ضحك رجل كان يجلس على الأريكة ويقرأ صحيفة وقال: «إذا كان أفرادك قد خرجوا لتوهم من الجيش وما زالون يخضعون لإدارة عسكرية ، فسيسمحون لك بفعل الشيء نفسه».
فأردف الذي طرح السؤال أولاً: «هل (لينش) على علاقة طيبة بالجيش ؟».
فأجاب: «إنه مقرب من (ترومان) ، و(ترومان) لديه الكثير من الروابط في الجيش...».